المودعون ليسوا وحدهم… البنوك اللبنانية "ابتلعت" 250 مليون دولار من مساعدات اللاجئين والفقراء

الخميس 17 يونيو 202104:26 م

توصل تحقيق أجرته "طومسون رويترز" إلى أن البنوك في لبنان "ابتلعت" ما لا يقل عن 250 مليون دولار من أموال المساعدات الإنسانية الأممية المخصصة للاجئين والمجتمعات الفقيرة في البلاد التي تعاني أسوأ أزمة اقتصادية وسياسية في تاريخها الحديث.

واتهم التحقيق، الذي نُشر الخميس 17 حزيران/ يونيو، وأعده الصحافي السوري المقيم ببيروت تيمور أزهري، الخسائر التي وصفتها وثيقة داخلية للأمم المتحدة بأنها "مذهلة" وأكدتها مصادر متعددة للوكالة، 

ويتهم المودعون اللبنانيون المصارف بنهب ودائعهم وأموالهم، وهناك عدة دعاوى مرفوعة في أمريكا ودول أوروبية لمقاضاة هذه المصارف واسترجاع الأموال. لكن تحقيق رويترز يقدم أول دليل على نهب البنوك أموال المساعدات.

كيف تضرر اللاجئون والفقراء؟

وتنبع الأزمة الاقتصادية في لبنان من تدهور قيمة الليرة، العملة الوطنية، منذ أواخر عام 2019، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني ودفع بأكثر من نصف السكان إلى أسفل خط الفقر، وفق تقديرات البنك الدولي.

وأثرت أسعار صرف البنوك اللبنانية على اللاجئين السوريين والفلسطينيين واللبنانيين الفقراء بشكل خاص إذ تركتهم عاجزين عن شراء احتياجاتهم الأساسية بمبالغ المساعدات النقدية التي يتلقونها من الأمم المتحدة.

ما لا يقل عن 250 مليون دولار من أموال المساعدات الأممية المخصصة للاجئين -السوريين والفلسطينيين - واللبنانيين الفقراء "ابتلعتها" المصارف في عمليات تحويل العملة منذ بداية الأزمة الاقتصادية

قبل الأزمة، كان اللاجئون والفقراء من اللبنانيين يتلقون معونة شهرية قدرها 27 دولاراً، أي ما يعادل 40,500 ليرة لبنانية، من برنامج الأغذية العالمي. حالياً، ارتفع المبلغ إلى نحو 100,000 ليرة لبنانية للفرد، لكن قيمته الحقيقية باتت لا تتجاوز سبعة دولارات تقريباً.

في هذا الصدد، قال أبو أحمد صيبع، وهو لاجئ سوري يدير صفحة على فيسبوك تسلط الضوء على التحديات التي يواجهها اللاجئون في لبنان، وهو أيضاً أب لخمسة أطفال ويعيش في أحد المخيمات شمال شرقي لبنان منذ عام 2014: "كانت القوة الشرائية جيدة جداً، أمكننا الحصول على سلة غذائية مقبولة. لكن الآن (المعونات) لا يمكن أن توفر لنا أكثر من غالون من زيت الطهو. هناك فرق كبير في القوة الشرائية".

وشدد على أن هذا "يثقل كاهل صحتنا العقلية والجسدية".

البنوك تسرق المساعدات؟

وأكد مسؤول إغاثة ودبلوماسيان من الدول المانحة للبنان لرويترز أن ما بين ثلث ونصف المساعدات النقدية المباشرة التي قدمتها الأمم المتحدة في لبنان "امتصتها" البنوك منذ بداية الأزمة عام 2019.

وأضاف المسؤول الإغاثي أنه خلال عام 2020 والأشهر الأربعة الأولى من عام 2021، استبدلت البنوك الدولارات لصالح وكالات الأمم المتحدة بمعدلات أقل بنسبة 40% في المتوسط من سعر السوق. وتلقى لبنان نحو 1.5 مليار دولار من المساعدات الإنسانية خلال العام 2020.

وبينما أبقى لبنان على سعر الصرف الرسمي عند 1500 ليرة للدولار، عجزت الدولة عن تطبيق هذا السعر إلا على حفنة من السلع الأساسية إذ يجب شراء جميع الواردات الأخرى بأسعار صرف أعلى بكثير يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.

غالبية الخسائر جراء فرق سعر الصرف حدثت لبرنامج مساعدات الأمم المتحدة لعام 2020 (LOUISE) بقيمة تناهز 400 مليون دولار. يوفر البرنامج تمويلاً شهرياً للغذاء والتعليم والنقل لنحو مليون لاجئ سوري في لبنان. ويعيش كل تسعة من أصل 10 منهم في فقر مدقع، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وقدّر تقييم داخلي للأمم المتحدة، في شباط/ فبراير الماضي، أن البنوك اللبنانية التي يتم تحويل المساعدات عبرها "ابتلعت" نحو نصف قيمة أموال البرنامج.

ورد في الوثيقة، التي اطلعت عليها رويترز، أنه بحلول تموز/ يوليو 2020، فُقدت "نسبة مذهلة تبلغ 50%" من المساعدات خلال عمليات تحويل العملة.

ونفت جمعية مصارف لبنان (ABL)، التي تمثل البنوك التجارية في البلاد، استغلال المساعدات لزيادة رأس مالها، بينما قالت إن الأمم المتحدة كان يمكنها طلب التوزيع بالدولار أو التفاوض على سعر صرف أفضل مع البنك المركزي اللبناني.

بمقارنة معدلات تحويل البنوك للدولار الأمريكي مع أسعار الصرف في السوق لحساب مقدار المساعدات المفقودة، وجدت رويترز خسائر تقدر بنحو 200 مليون دولار عامي 2019 و2020 وما لا يقل عن 40 مليون دولار حتى الآن. وتتناسب هذه الأرقام مع التقييم الداخلي للأمم المتحدة.

وقال متحدث باسم برنامج الأغذية العالمي لرويترز إن البرنامج الخاص بالمساعدات النقدية الشهرية لـ105 آلاف لبناني، بقيمة 23 مليون دولار العام الماضي، استخدم نفس أسعار الصرف غير المتناسبة، ما أدى إلى خسارة نحو نصف الأموال لصالح البنوك.

ما بين ثلث ونصف المساعدات النقدية المباشرة التي قدمتها الأمم المتحدة في لبنان منذ بداية الأزمة الاقتصادية "امتصتها" البنوك. الدول المانحة قلقة بشأن عدم وصول المعونات لمستحقيها وتطلب "دولرة المساعدات"

وصرّح متحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بأن ما بين ثلث ونصف المساعدات التي وزعتها الوكالة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2020 -نحو سبعة ملايين دولار - ضاعت بسبب فرق تحويل العملة.

إجمالاً، تناهز الخسائر الموثقة من برامج "لويز" وبرنامج الأغذية العالمي والأونروا منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019 لصالح البنوك اللبنانية مبلغ 250 مليون دولار.

مخاوف الدول المانحة

إلى ذلك، ازداد قلق الدول المانحة للبنان من الإضرار بالسمعة المرتبطة بالملايين من أموال دافعي الضرائب التي "تمتصها" البنوك اللبنانية ولا تذهب لمستحقيها.

قال دبلوماسي غربي مشترطاً عدم كشف هويته: "لقد كنا أكثر من مستعدين للاستثمار في مساعدة الناس، لكننا بحاجة إلى نظير موثوق به لن يحصل على مصروف الجيب الذي نتحمل المسؤولية عنه في نهاية المطاف في الداخل".

من شأن "دولرة المساعدات"، وهي إحدى التوصيات المرشحة في التقييم الأممي الداخلي، وتضغط من أجلها الدول المانحة والمحللون المستقلون، أن تحافظ لمستحقي المعونات على القيمة الكاملة للتبرعات بغض النظر عن التقلبات في أسعار العملات.

وأكد متحدث باسم اليونيسف للوكالة أن الهيئة الأممية المعنية بالطفولة "مهتمة للغاية بأن يتلقى المستفيدون القيمة الكاملة للتحويلات النقدية"، وهذا ما دفعها لإعادة التفاوض حديثاً لتوفير سعر قريب من سعر السوق.

وأضاف أنهم يحاولون الاتفاق على تسليم المعونات بالدولار في بعض البرامج، موضحاً أن تسليم الوكالات الدولارات مباشرةً أمر مطروح.

ومن شأن "دولرة المساعدات"، وهي إحدى التوصيات المرشحة في التقييم الأممي الداخلي، وتضغط من أجلها الدول المانحة والمحللون المستقلون، أن تحافظ لمستحقي المعونات على القيمة الكاملة للتبرعات بغض النظر عن التقلبات في أسعار العملات. مع ذلك، تقاوم السلطات اللبنانية جهود الدولرة ضمن مساعيها لإحكام سيطرتها على أحد المصادر القليلة للعملة الصعبة التي تحتاجها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard