ماذا نحن فاعلون أمام حلم محمد رمضان بالنبوة؟

الخميس 17 يونيو 202103:17 م

كلنا يرى في نفسه مخلّصاً، أو إلهاً صغيراً. ليس هذا عيباً، وقد يكون جزءاً من طبيعتنا البشرية، أو الغريزية. بعضنا يحاول دفن هذه الغريزة كونها آفة كِبر، فيقصّون ريشها، وأجنحتها. لكن آخرين، وهم أقلية، يعملون على تنميتها، وتغذيتها، حتى تكبر وتعلو، فيرون أنفسهم في منزلة القداسة. هذا الاحتمال الذي أتخيله، ربما نبني عليه الكثير إذا ما طرحنا نموذج الممثل المصري محمد رمضان للفحص، فبوسعه أن يدوس أكثر على مشاعرنا كلّما اتجه إلى ماضينا، واختار صنماً أو منحوتة نعتز بها تاريخياً أو وجودياً، وكلما استعمل السخرية والتعالي -مثلما اعتاد أن يفعل- ليوجعنا في ما نملك من تراث. بإمكانه أن يكون نبياً للسخرية والكبرياء على كل مقدس عندنا، إن أراد، رافضاً كل ما نعبد، مُنزلاً إياه منزلة التراب، ليرينا كم هو وحده الإنسان الأعلى.

يدخل في صراعات متتالية؛ مرة مع الإعلامي المصري عمرو أديب، ويتبادلان الدعاوى القضائية، حتى وصل الأمر بأديب إلى استغلال برنامجه على قناة "إم بي سي مصر" للرد على رمضان وتجاوزاته، ويقول له: "لو ما حدش ربّاك أنا هاعرف أربّيك". ومرة ثانية يقاضيه مصمم أزيائه، بسبب ديون مستحقة عليه، حسب قوله، لقاء تصميمه ملابس للفنان "نمبر وان" قبل عامين.

كل موروث قديم من وجهة نظره يجب التعامل معه عبر "فَلْترته"، ونقده، وهدمه ما دام ذلك في مصلحة ثورته، ليقدم لنا ذاتاً موحِّدة متفردة

وثالثة ينشر فيها مقطع فيديو عبر حسابه على إنستغرام، يعلن من خلاله حجز الدولة على أمواله. ورابعة تلزمه فيها المحكمة في 7 نيسان/ أبريل الماضي بدفع ستة ملايين جنيه كتعويض للطيار أشرف أبو اليسر عن الأضرار التي لحقت به جراء التقاط صورة لرمضان معه داخل كابينة قيادة طائرة، إذ عاقبته وزارة الطيران المدني المصرية بحرمانه من عمله مدى الحياة، فأقام دعوى قضائية مطالباً رمضان بتعويض عن تلك الأضرار. وفي كل مرة كان يسخر رمضان من غريمه. وخامسة بإهانته الفنان الراحل إسماعيل ياسين، خلال أحداث الحلقة 12 من مسلسله "موسى"، الذي عُرض في شهر رمضان الماضي، وذلك بالتهكم على حركاته وإيحاءاته، وعلى أن إسماعيل ياسين كان يبتزّ التجار بشهرته ليأخذ "الكرافتات" من دون دفع ثمنها، ما عرّض رمضان لموجة من الغضب الشعبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسبب رصيد المحبة الكبير الذي يحمله الجمهور للراحل ياسين.

لن يكون المطرب والممثل الكوميدي المصري الأسطوري إسماعيل ياسين، آخر استفزازات رمضان لجمهوره المصري. سيسقط ياسين إذا ما قرر "النبي محمد رمضان" أن يحيا، كرجل أعطى لنفسه لقب "نمبر وان". وحده يحارب كل قيمة عدا ذاته السامية الكاملة المتكاملة. فكل موروث قديم من وجهة نظره يجب التعامل معه عبر "فَلْترته"، ونقده، وهدمه ما دام ذلك في مصلحة ثورته، ليقدم لنا ذاتاً موحِّدة متفردة، رافضاً تعددنا، وهو في طريق إثبات جدارة ذاته التي راحت تبحث عن إله أعلى من القمر والشمس، لكنها للأسف لم تجد ما هو أعلى منها لتنصّبه حكماً على الجميع.

قائمة طويلة بمقدساتنا ستطأها قدما رمضان. ستطأنا وتهرسنا دولاراته وطائراته ومهرجاناته، لذا يجب علينا أن نستعد لكل وجع قادم بإهانة أحد مقدساتنا

هو لا يرى له كبيراً، ولا يتوقف عن منازلة كل قوي في وجدان الناس. وأظنه سوف يحيا حتى يحطم آلهتنا، إلهاً إلهاً. قائمة طويلة بمقدساتنا ستطأها قدما رمضان. ستطأنا وتهرسنا دولاراته وطائراته ومهرجاناته، لذا يجب علينا أن نستعد لكل وجع قادم بإهانة أحد مقدساتنا. نجيب الريحاني، نعم ربما يكون الدور دوره. أنا شخصياً، سأحزن كثيراً، وربما أغضب، وأقاضي رمضان لو اقترب من الريحاني. لكن أين سأقاضيه؟ أي محكمة ستُلزمه بأن ينزل قليلاً إلى أرض عدالتنا؟ وهل أضمن نتيجة لهذا التقاضي؟ هل يصلح التقاضي معه أصلاً؟ أم أن الرجل حتمي النجاح والإنصاف من قبل الزمن الذي اختاره ثائراً مجدداً رافضاً مسوخنا التي ظللنا عليها عاكفين؟

رفض التطبيع مع الكيان المحتل، أحد مقدساتنا، قام رمضان بمسّه العام الماضي حين التُقطت له صور مع مطرب إسرائيلي في دبي في الإمارات. قامت الدنيا عليه، وشُنت ضده حملة "قاطعوا محمد رمضان". لكننا وجدنا لرمضان، بعد أيام قليلة، وضمن دراما شهر رمضان الماضي، مسلسلاً تقاضى عليه أجرا قُدّر بـ45 مليون جنيه.

لا أظن أن رمضان سيكتفي بما حقق من علوّ، وأتساءل: إذا ما بقي الـ"رقم واحد" يستبيح كل من يراه رمزاً، فهل ستصبر السلطات عليه طويلاً؟

لا أظن أن رمضان سيكتفي بما حقق من علوّ، وأتساءل: إذا ما بقي الـ"رقم واحد" يستبيح كل من يراه رمزاً، فهل ستصبر السلطات عليه طويلاً، أم ستقيم له ناراً لا تكون برداً عليه، ولا سلاماً؟ أم سيُترك مثلما تُرك دائماً لثورته وعنجهيته؟ إن كان سيُترك بلا حفرة نار، أو محكمة، أو رادع، فما لنا نبتئس كل مرة، ونُفاجأ بكمية أمراضه الثورية التي تقفز في وجوهنا، كأنه يخرج للمرة الأولى عن المألوف؟ وإن كانت ثمة نية لمحاسبته على أفعاله المتجاوزة لكل تقليد، فعلينا إذاً -حسبما أنصح- أن نعدّ رمضان مثل الوهم، كما تعدّ الآثار الأركيولوجية أن شخص النبي إبراهيم مثلاً، ليس موجوداً. ربما تكون هذه النصيحة فضاءً يُريحنا من الاشتباك معه، إذ لا اشتباك مع وهم كما يقول علم المنطق.

أليس من حق رمضان أن يحلم بالنبوة، وتكسير الآلهة الرائجة جماهيرياً؟ هذا بالضبط ما تدعمه نظرية تصنيف الذات، وهي المعنية بالطريقة، التي يرى فيها الشخص نفسه، وغيره. فمن حق أي رمضان، طبقاً لهذه النظرية، أن يطرح تقييمه الذاتي لنفسه، ولغيره، وما تطرحه الجماعات الأخرى على مجتمع الآخرين. كلنا آخرون للآخرين، فلا تجهّزوا حُفر النار مهما غالى أحدُنا في تقييم ذاته. اتركوا كل نبي لنبوته التي يراها.

لستُ هنا ضد الفورة العاطفية التي تنطلق في كل مرة يجور فيها رمضان على قيمة حاضرة، أو غائبة. فقد وقفتُ في صفوف هذه الفورة الوجدانية، كلما شذَّ عن القاعدة. لكني أدعم وضع نهاية لأي سلوك، إما بإيقافه بالقانون، أو بتركه يمارس ما يحلو له ما دام هذا حقاً دستورياً وبشرياً له. لكن الوقوف هكذا، بين بين، في منطقة الأعراف، لا يسمح لثورة أن تنطلق، ولا لانقلاب على ثورة أن يتحقق إلى آخره.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard