مؤدّبو أبناء الخلفاء العباسيين... حظوة ونقمة وتأثيرات دينية وفكرية

الأربعاء 16 يونيو 202110:40 ص

كان الخلفاء والسلاطين في العصر العباسي يعهدون بأبنائهم إلى علماء يتولون رعايتهم وتعليمهم، وعرفوا بـ"المؤدِّبين"، ونالوا مكانة كبيرة في المجتمع حينذاك، وكان لبعضهم تأثيرات مباشرة على الحكام واتجاهاتهم الفكرية والدينية.

اختيار المؤدبين... اختبارات صلاحية

يذكر محمود قمبر في دراسته "المؤدبون وصنعة التأديب/ دراسة في التراث التربوي الإسلامي"، أن هناك قواعد مقررة روعيت في اختيار العلماء للعمل كمؤدبين لأبناء الخلفاء والسلاطين، منها الخبرة السابقة، والوساطة أو التزكية من مؤدب كبير معروف، فضلاً عن الإنتاج العلمي المتميز.

ولعبت لياقة المظهر دوراً في اختيار المؤدبين، فقد روي عن الجاحظ قوله "ذُكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني"، بحسب ما نقل قمبر عن أحمد بن محمد بن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء وأبناء الزمان". وهكذا رُفض الجاحظ كمؤدب برغم ما كان يتمتع به من سعة علم وأدب وثقافة.

وكان بعض الخلفاء يعقدون اختبارات صلاحية للمؤدبين الذين يستخدمونهم لتأديب أولادهم، فإذا وثقوا في كفاءتهم وتأكدوا من علمهم عهدوا إليهم بالتأديب وأجزلوا لهم العطاء.

فالخليفة أبو عبد الله محمد المهدي (744 – 785) استقدم أبو الحسن الكسائي من الكوفة واستخدمه في تأديب ولده هارون بعد أن أجاب على سؤاله الخاص بإتيان فعل الأمر لعملية "السواك"، فقال "سك يا أمير المؤمنين"، وليس كما قال المؤدب السابق "استك"، وهكذا حل الكسائي محله في التأديب، لأنه دل بجوابه على أنه أفهم من زميله وأحق بوظيفته.

وقد يظهر في الزمن الواحد وفي المكان الواحد عدد من العلماء المميزين، وتكون الحيرة في اختيار واحد منهم للتأديب، ولهذا يُلجأ إلى المناظرة بينهم. فالخليفة أبو الفضل جعفر المتوكل على الله (822 – 861) لما أراد اتخاذ مؤدبين لولديه "المنتصر" و"المعتز"، جُمع له العلماء أبو عبد الله بن محمد الطوال وأبو الحسن الأحمر وأبو جعفر بن قادم وأحمد بن عبيد وغيرهم في مجلس تناظروا فيه، فاختار ابن عبيد وابن قادم لتفوقهما في هذا المجلس.

مراقبة المؤدبين

وبحسب قمبر، كان المُؤدب يوضع أحياناً تحت مراقبة الآباء للتأكد من تمام نهوضه بالتزاماته العلمية والأخلاقية، فالخليفة المهدي كان يتابع بنفسه تقدم ولده موسى حين كان يؤدبه الكسائي، والخليفة عبد الله المأمون (786 – 833) كان يأمر برفع الألواح والأوراق الخاصة بأولاده كل يوم خميس ليراها ويتابع تقدمهم في التعليم، وهكذا فعل الخليفتان المكتفي بالله (877 - 908) والمعتز بالله (847 – 869).

وقد توكل مهمة الرقابة إلى بعض ذوي الخبرة أو الذين يملكون الوقت المناسب للإشراف، فالخليفة هارون الرشيد (766 – 809) أناط بالكسائي مراجعة دروس أولاده وكان مؤدبهم أبو الحسن الأحمر، حسبما ذكر ياقوت الحموي في كتابه "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب".

مكانة المؤدبين... مجالسة الخلفاء ومناصب

عاش المؤدبون حياة مرفهة، فاتصالهم بالخلفاء والأمراء جعلهم يودعون حياة الفقر التي عرفها كثيرون منهم، وينتقلون إلى حياة البيوت الواسعة والأثاث الحسن والغلمان.

ويذكر مفتاح يونس الرباصي في كتابه "المؤسسات التعليمية في العصر العباسي الأول 132- 232 هـ/ 749 – 864"، أن الكسائي بعد أن أصبح مؤدباً للأمين بعث أبيات شعر للرشيد، يشكو فيها حاله، وأنه لم يكن له زوجة ولا جارية ولا مركوب، ويذكر الخليفة بأن له حرمة باعتباره مؤدباً لولده، فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء وخادم ودابة بسرجة ولجام.

كان الخلفاء والسلاطين في العصر العباسي يعهدون بأبنائهم إلى علماء يتولون رعايتهم وتعليمهم، وعرفوا بـ"المؤدِّبين"، ونالوا مكانة كبيرة في المجتمع حينذاك، وكان لبعضهم تأثيرات مباشرة على الحكام واتجاهاتهم الفكرية والدينية

ونال المؤدبون حظوة مجالسة الخليفة والإقامة في قصره لتهيئة خليفة المستقبل، ومن مظاهر تكريم الخلفاء لمؤدبي أولادهم أنهم كانوا "إذا أدخلوا مؤدباً إلى أولادهم فجلس أول يوم أمروا بعد قيامه بحمل كل ما في المجلس إلى منزله"، حسبما روى الدين جلال السيوطي في "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة".

فعندما أصبح أبو الحسن الأحمر مؤدباً لأولاد الرشيد مكان الكسائي أمر الرشيد بحمل بعض الأثاث إلى منزله، فقال الأحمر: "والله ما يسع بيتي هذا، وما لنا إلا غرفة ضيقة"، فأمر الرشيد بشراء دار له وجارية وحُمل على دابة ووهب له غلام، حسبما نقل الرباصي عن ياقوت الحموي في "معجم الأدباء".

وعندما دخل هارون بن زياد مؤدب الخليفة الواثق (816 – 847) إليه أكرمه غاية الإكرام، فقيل له: مَن هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟، فقال: "هذا أول مَن فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله"، حسبما روى جلال السيوطي في "تاريخ الخلفاء".

وبحسب الرباصي، حصل بعض المؤدبين على مراكز مرموقة في الدولة بفضل صلتهم بالخلفاء، إذ ولى الخليفة المأمون مؤدب ابنه "العباس" محمد بن حسان الضبي (ت. 864) قضاء المظالم في الجزيرة وقنسرين (في الشام).

نقمة التأديب.. قتل المؤدبين واختفائهم

ومع هذه النعم الكثيرة، كان المؤدبون يتعرضون أحياناً لشر النقم، وحصلت لبعضهم كوارث أحاقت بهم من جراء تأديبهم لأبناء الخلفاء. روى قمبر أن أبا يوسف بن السكيت الذي كان مؤدباً لولدي الخليفة المتوكل، طُلب منه ذات يوم أن يقارن بينهما وبين الحسن والحسين، ولدي علي بن أبي طالب، ولم يتحرز ابن السكيت من تفضيل هذين على ولدي المتوكل، فأمر بقطع لسانه فمات.

أما ابن قادم، مؤدب المعتز قبل توليه الخلافة، فلم يكن على وفاق معه في تأديبه، فكره الأمير طريقته وحقد عليه، فلما ولي الخلافة بعث إليه، فخشى ابن قادم من بادرته، فودع عياله وقال لهم: "عليكم السلام"، وخرج فلم يرجع إليهم واختفى سنة 251هـ، حسبما ذكر السيوطي في "بغية الوعاة".

أثر المؤدبين في اتجاهات الخلفاء الفكرية

اتخذ الخلفاء مواقف متباينة تجاه القضايا التي تبلورت في العصر العباسي، مثل الزندقة، وقضية "خلق القرآن"، فضلاً عن حركة الشعوبية التي كانت ترى أن لا فضل للعرب على غيرهم من العجم. ومرد ذلك التباين لأسباب عديدة منها تأثر الخلفاء باتجاهات المؤدبين الفكرية والدينية.

ويذكر محمد عيسى صالحية في دراسته "مؤدبو الخلفاء في العصر العباسي الأول 132هـ - 247هـ/ 750/ 861"، أن المأمون تصدى للزنادقة بالبيان والحجة، ثم بالقوة والسيف، ويعود ذلك في جزء كبير إلى تأثره بمؤدبيه من شيوخ المعتزلة، أمثال ثمامة بن الأشرس، ويحيى بن المبارك، وبشر بن غياث المريسي، وأبو الهذيل العلّاف.

يُروى أنه طُلب من مؤدب ولدي الخليفة المتوكل، أبا يوسف بن السكيت، ذات يوم أن يقارن بينهما وبين الحسن والحسين، ولدي علي بن أبي طالب، فلم يتحرز من تفضيل الأخيرين، فأُمر بقطع لسانه فمات

كما تأثر المأمون بمؤدبيه في فكرتهم التي نادوا بها وهي "خلق القرآن"، وأن صفات الله وحده واحدة لا تقبل التجزئة، وذات الله وصفاته لا يلحقها تغيّر ولا تقوم بها المحادثات.

ورُوي أن المأمون استطاب مجالس المعتزلة حتى دخل في مذهبهم، لذا فإن تعاليمهم لم تبلغ مبلغها من القوة والانتشار في العصر العباسي إلا في عهد خلافته (813 – 833).

وقرّب المأمون أتباع مذهب المعتزلة إليه، ثم وافقهم في ما ذهبوا إليه من أن القرآن مخلوق، وعمد إلى تسخير قوة الدولة في إرغام الناس على القول بذلك.

ومن المؤدبين الذين كان لهم دور كبير في بلاط الخلفاء في العصر العباسي، القاضي أحمد بن دؤاد الإيادي (776 – 854)، والذي حمل الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق على جعل الاعتزال مذهب الدولة الرسمي، ومن ثم امتحان الناس فيه. وحرّض المعتصم على استخدام القوة ضد مخالفي الاعتزال، وذهب الواثق إلى أبعد من ذلك فطلب إلى القضاة ألا يقبلوا شهادة مَن خالف الاعتزال، بحسب صالحية.

ونتيجة لسياسات الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق، انتشر مذهب الاعتزال في مدينة بغداد وسائر أنحاء الدولة حتى دخل بيوت عامة الناس، واعتنقه كثيرون، حتى النساء العجائز وأرباب الحرف.

ويذكر صالحية أن المعتصم اعتمد على أحمد بن أبي دؤاد في كل أمر ولم يرد له طلباً، الأمر الذي شجع الأخير على المضي قدماً في فرض مذهب الاعتزال بالقوة.

أياً كان تأثير المؤدبين في هذا الأمر، فالواضح أن هذه الحركة أحدثت انقساماً في المجتمع الإسلامي، استمرت حتى مجيء المتوكل.

المؤدبون الفرس والشعوبية

كان اصطفاء المؤدبين من العرب منهجاً عاماً عند خلفاء بني العباس، وإنْ كان قد جرى تجاوزه في بعض الأحايين. فقد اختير معمر بن المثني الفارسي لتأديب الرشيد، وعمرو بن عثمان بن قنبر (سيبويه) لتأديب المأمون، ويعقوب بن إسحق السكيت ليؤدب أولاد المتوكل وغيرهم، ما أوجب نوعاً من الصراع الخفي في البلاط العباسي، أيقظه التنافس على الصدارة في العصر العباسي الأول.

وظهر تأثير ذلك في موقف المتفرج الذي اتخذه الخليفة هارون الرشيد تجاه ما يجري في بلاطه من تجاوز بعض الكتاب البرامكة في حق العرب، ومنهم معمر بن المثني (728 – 824) الذي حاول إرجاع منابع الحضارة العربية إلى أصول أجنبية، ووضع العديد من المؤلفات التي يهجو فيها العرب، منها على سبيل المثال كتب "مثالب العرب" و"الموالي"، و"المنافرات"، و"القبائل"، و"لصوص العرب" و"فضائل الفرس".

وكان عبد الملك بن قريب الأصمعي (740 – 828) عدو معمر اللدود، فهجاه وهجا البرامكة الذين يدعمونه، وكان دفاع الأصمعي من قبيل الانتصار لعروبته ضد أعجمي حاول النيل والاستهانة بها.

وبحسب صالحية، لم يتخذ هارون الرشيد موقف الصمت تجاه ما يجري في بلاطه إلا بتأثير مؤدبيه الأوائل من البرامكة، وعلى رأسهم معمر بن المثني، وكذلك يحيى بن خالد بن برمك الذي كان الرشيد يناديه بـ"أبي"، وصار له إصدار الأوامر والنواهي طوال عهد الرشيد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard