"يدفعون الناس نحو الانفجار"... الزيادات في الأسعار تنهك التونسيين

الاثنين 14 يونيو 202104:13 م

غمرت الخالة عائشة الدهشة وهي تشتري رطلاً من السكر بعد أن أخبرها البائع أن الأخير قد زاد سعره. دفعت وهي تتمتم قائلة: "في كل مرة زيادة جديدة. يريدوننا أن نموت جوعاً، ولا أحد يشعر بمرارتنا نحن البؤساء المنسيين دائماً في هذه البلاد".

والخالة عائشة امرأة في العقد الخامس من عمرها، تصحو يومياً باكراً جداً لتجمع قوارير البلاستيك من الشوارع وتبيعها بسعر زهيد، وهو موردها اليومي الذي تقتات منه وعائلتها الصغيرة المكونة من ابن وابنة. بهذا الوضع الاجتماعي الصعب، تجد نفسها غير قادرة على مجاراة زيادات الأسعار التي تفرضها الحكومة التونسية تباعاً.

ورفعت الحكومة التونسية مؤخراً أسعار عدد من المواد الأساسية، ومنها السكر السائب الموجّه للاستهلاك العائلي، إذ أصبح سعر الكيلوغرام الواحد منه 1400 مليم (نصف دولار) بعد أن كان 1150 مليم، والماء الصالح للشرب بزيادة تقارب 20%، وهي الثانية خلال عام، رغم شكاوى التونسيين من الانقطاع والاضطراب في توزيع المياه دون وجود مخطط رسمي للحدّ من ذلك، كما تم رفع تعريفة النقل العمومي بنسبة 20%، رغم التراجع المستمر في خدمات هذا القطاع وتدهور حالة أسطول الحافلات والقطارات.

رفعت الحكومة التونسية مؤخراً أسعار عدد من المواد الأساسية تمهيداً لرفع الدعم نهائياً عنها.

وتم أيضاً رفع أسعار مواد البناء كمادة الحديد بنسبة 15% لتكون بذلك الزيادة الثالثة منذ بداية السنة، ومن المرجّح الإعلان في الفترة القادمة عن زيادات أخرى ستشمل مواد أساسية كالمعجنات، ومنها الخبز والمعكرونة والكسكسي، وكذلك المحروقات، تمهيداً للدخول في إجراءات رفع الدعم نهائياً عن هذه المواد.

تقول الخالة عائشة لرصيف22: "ماذا سيحلّ بنا نحن الفقراء الذين بالكاد نستطيع تأمين لقمة عيشنا؟ لقد أجبرتنا الزيادات المتتالية على مدار السنوات الماضية على التخلي عن الكثير من الضروريات، وعلى رأسها اللحوم والأسماك، والاكتفاء بالقليل، ورغم ذلك يواصلون رفع الأسعار دون أن يقلقوا بشأن مصيرنا. لقد جعنا وأُنهكنا ولم يعد بوسعنا تحمل المزيد، ولا أحد يبالي، بل يريدون أيضاً رفع الدعم عن الخبز وبقية المواد الأساسية كما سمعت قبل أيام".

خطة لكسب ودّ المانحين

تواجه تونس أزمة اقتصادية خانقة فاقمتها تداعيات جائحة كورونا، وتشكّل الديون الخارجية معضلة كبرى اليوم، فضلاً عن التراجع الكبير في الناتج المحلي. فهي مطالبة بسداد ديون قيمتها 4.5 مليار يورو خلال العام 2021، كما أنها بحاجة إلى 19 مليار دينار (حوالي 5.7 مليار يورو) للإيفاء ببنود ميزانيتها للعام 2021. في حين سجّل الاقتصاد التونسي خلال 2020 تراجعاً غير مسبوق للناتج المحلي الخام، ناهز 8.9%، علماً أن تونس تسجّل لأول مرة، منذ عام 1962، هذا التدهور في الناتج المحلي.

وأمام هذه الأزمة، يسعى رئيس الحكومة هشام المشيشي، لتقديم تنازلات لصندوق النقد الدولي حتى يوافق على منح تونس أكثر من ثلاثة مليارات دولار كقرض جديد. ونظراً لفشل المحادثات الأولية التي أجراها الوفد التونسي مع الصندوق، يقرر المشيشي الذهاب إلى الخطوات القصوى من أجل دفع هذه الجهة المانحة لإعادة النظر في الطلب التونسي.

بذلك، تعتزم الحكومة التونسية الشروع في رفع الدعم على جملة من المواد الأساسية والمحروقات بدءاً من شهر تموز/ يوليو، في خطوة تهدف من خلالها لكسب ودّ المانحين الدوليين، وعلى رأسهم صندوق النقد، وتقول الحكومة إنها ستعتمد خطة تتجه بمقتضاها لدعم العائلات عوضاً عن دعم البضائع، ولكن يسود اعتقاد أن تنفيذ هذه الخطة يكاد يكون مستحيلاً في ظل عدم توفر آليات تطبيقها على الأرض.

والخالة عائشة بين هؤلاء الذين يتخوّفون من هذه الخطة ومدى فاعليتها والقدرة على تطبيقها. تقول: "عند الحجر الصحي الأول أخبرونا أنهم سيمكّنوننا من مساعدات مالية، باعتبارنا فئة فقيرة لن تحتمل البقاء في المنزل دون عمل، ولكن ما حدث هو أن جزءاً من هذه المساعدات ذهب إلى غير المستحقين، في حين بقينا نحن نعاني الجوع، فهل سيتغير الأمر فجأة؟ إنهم يراهنون على ضعفنا وعجزنا لا غير".

ويتفق الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان مع ما ذهبت إليه الخالة عائشة، معتبراً أن الحكومة التونسية تُقْدِم على إجراءات انتحارية دون أن تدرس جيداً قدرة التونسيين، وخاصة الطبقتين الوسطى والفقيرة، على تحمّلها، ولا سيما مسألة رفع الدعم.

ماذا سيحلّ بنا نحن الفقراء الذين بالكاد نستطيع تأمين لقمة عيشنا؟ لقد أجبرتنا الزيادات المتتالية على مدار السنوات الماضية على التخلي عن الكثير من الضروريات، وعلى رأسها اللحوم والأسماك، والاكتفاء بالقليل

وقال سعيدان لرصيف22: "تدّعي الحكومة الاستعداد لتنفيذ خطة رفع الدعم في زمن قياسي لا يتجاوز السنتين، والحال، إن إصلاح منظومة يتجاوز عمرها وتراكماتها خمسين سنة يحتاج زمناً أطول وآليات أنجع وأكثر جدية. أيضاً تقول الحكومة إنها ستتجه للدعم المباشر بدل دعم المنتوجات، وهنا نتخوّف من القدرة على ضبط قائمة دقيقة بمستحقي هذا الدعم المباشر، كي يحصلوا على تعويض لما سيخسرونه جراء رفع الدعم وتعديل أسعار المواد الأساسية".

ويعزو سعيدان هذه التخوفات لما حدث أثناء عملية توزيع المساعدات في فترة الحجر الصحي الأول، وما شابها من مشاكل، إذ ذهبت كميات كبيرة من المساعدات لغير مستحقيها، ما أثبت وجهة نظره بأن الدولة لا تملك جرداً صحيحاً لعدد العائلات المعوزة، ولا تملك ضمانات وصول الدعم لمستحقيه فعلاً.

وانتقد الخبير الاقتصادي عدم تقديم الحكومة لتصوّرات بشأن مصير الطبقة الوسطى في ظل رفع الدعم، لا سيما أمام فقدانها لقرابة 50% من قدرتها الشرائية منذ سنة 2011، ونزول قرابة 30% من هذه الطبقة إلى الطبقة الفقيرة، على حد تعبيره.

وتجدر الإشارة إلى أن تونس قد تبنّت سياسة الدعم كخيار استراتيجي منذ عقود، إذ أرست في أواخر الستينيات "الصندوق العام للتعويض" كمخطط لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة المتعلّقة بالمواد الأساسية، بهدف التخفيف من وطأة تقلبات الأسعار العالمية واحتواء نسب التضخم. وقد استطاعت تونس عبر هذه المنظومة تحقيق الاستقرار الاجتماعي لعقود، وحافظت على تماسك الطبقة الوسطى ومكافحة الفقر.

تخوف واستنكار

أعربت أحلام علوي، وهي موظفة أرشيف في محافظة سوسة وأم لطفل، عن استنكارها لنسق الزيادات الذي تتبعه الحكومة دون أن تخفي خوفها من تطبيق رفع الدعم كما تم الإعلان عنه.

وتقول لرصيف22: "هناك توجّه نحو التضحية بنا، نحن أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة. يريدون تجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تفاقمت بسبب سوء إدارتهم وضعف خياراتهم السياسية على حساب قوتنا ومقدرتنا الشرائية. والأدهى والأمرّ أنهم يتحدثون عن رفع الدعم دون الإشارة ولو عرضياً لمصير الطبقة الوسطى. هل يعتقدون أنه سيكون بوسعها مثلاً اقتناء رغيف الخبز الواحد بـ900 مليم (33 سنتاً) بعد أن كان بـ200 مليم؟ وقسْ على ذلك بقية المواد. إنهم يدفعون الناس نحو الانفجار لأنهم يريدون تحميل الشعب فاتورة فشلهم".

ويقدر متوسط صافي الأجر الشهري في تونس بـ822 دينار (حوالي 300 دولار)، في حين تقول دراسة أجرتها مؤخراً منظمة "انترناسيونال ألارت" ومعهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الفرنسي ومؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، بأن العائلة التونسية المكوّنة من طفلين وأبوين تحتاج إلى 2400 دينار (873 دولار) شهرياً لضمان حياة كريمة.

واستنفرت هذه الإجراءات الجديدة مكوّنات المجتمع المدني، ولا سيما الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك، اللذين وصفا الزيادات بأنها "غير عقلانية وغير مدروسة، وتتجه نحو مزيد من تفقير التونسيين"، ومن المرجّح أن تقود بعض المنظمات تحركات احتجاجية بهذا الشأن في الأيام القادمة.

لقد دخلنا في نسق محموم من ارتفاع الأسعار بصفة عشوائية يدفع المواطن التونسي ضريبتها غالياً. لقد تبيّن لنا سابقاً أن الزيادة بقيمة 60 مليماً في سعر الحليب مثلاً تكلف التونسي 76 ديناراً في السنة، وهذا أمر غير مقدور عليه بالنسبة لعموم التونسيين الذين أنهكتهم الزيادات المتتالية

وأكدت نائبة رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، ثريا التباسي، أن الظروف الاقتصادية الصعبة أرهقت القدرة الشرائية للتونسي الذي لم يعد قادراً على تلبية كل احتياجاته، وبات يلجأ للتداين المستمر حتى يتسنّى له تلبية ضرورياته.

وقالت التباسي لرصيف22: "لقد دخلنا في نسق محموم من ارتفاع الأسعار بصفة عشوائية يدفع المواطن التونسي ضريبتها غالياً. لقد تبيّن لنا سابقاً من خلال دراسة أجرتها المنظمة، أن الزيادة بقيمة 60 مليماً في سعر الحليب مثلاً تكلف التونسي 76 ديناراً في السنة، وهذا أمر غير مقدور عليه بالنسبة لعموم التونسيين الذين أنهكتهم الزيادات المتتالية".

وحذّرت من المزيد من تآكل الطبقة الوسطى في تونس وتفاقم الفقر أكثر مما هو عليه الآن، وأن يصل التونسيون لمرحلة يكونون فيها عاجزين فعلاً عن مجاراة هذا النسق في ارتفاع الأسعار.

وتجدر الإشارة إلى أن عدد التونسيين تحت عتبة الفقر يقدر بنحو 1.7 مليون تونسي من جملة 11 مليون نسمة، وأن نسبة الفقر بلغت مستويات قياسية في بعض المناطق لتتجاوز عتبة الـ53% وبنسبة 21% عموماً. فيما تراجعت نسبة الطبقة الوسطى في تونس من 70% عام 2010 إلى 55% عام 2015، لتصل في عام 2018 إلى حدود 50%، والرقم في ازدياد، خاصة بعد جائحة كورونا، إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة لتصل خلال الثلث الأخير من سنة 2020 إلى 20%، وذلك حسب أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard