خذوا "السايبورغ" للعلم واتركوا الأدب للبشر

الاثنين 14 يونيو 202109:18 ص

عام 2008 نُشرت في روسيا أول رواية طويلة (320 صفحة) مكتوبة بالكامل من قِبل برنامج كمبيوتر. حملت الرواية عنوان "حب حقيقي"، ومزجت بين رواية "آنا كارنينا" لتولستوي وأسلوب موراكامي. المثير أنه، وبعد إحصائيات ودراسات عدة، تم التأكيد على أن القراء لم يتمكنوا من تمييزها كرواية لم يكتبها البشر. البشرية إلى أين، إذاً؟

إن رواية مكتوبة من غير بشري، لا تستدعي هذا السؤال الفضفاض طبعاً. كان يمكن أن أسأل: الأدب إلى أين؟ أو الأدب لم يعد حكراً على الموهوبين مثلاً. لكن القفزات النوعية في مجال الذكاء الصناعي، والتي كان آخرها في مجال الأدب، تحيلنا إلى السؤال الأهم: ما هو مستقبل البشرية بعد 50 عاماً؟

في إجابة عن هذا السؤال، توقع العديد من المستقبليين أن يندمج البشر والآلات في المستقبل، ويصبحوا "سايبورغ"؛ نظام يمزج بين صفات طبيعية، وصفات اصطناعية، فيكون بذلك أكثر قدرة وقوة من كليهما. تُسمّى هذه الفكرة بـ"ما فوق الإنسانية". مُثّلت هذه الفكرة للمرة الأولى في سلسلة الخيال العلمي "سلسلة الكثيب" لفرانك هربرت، عام 1965.

ماذا يمكن لآلة أن تستفيد من تجاربها السابقة؟ كيف ستستفيد أصلاً؟ هل ستكون لديها طقوس خاصة بالكتابة؟

عُرّف الذكاء الصناعي وفق موسوعة "BRITANNICA" بأنه قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري، وطريقة عمله، مثل قدرته على التفكير، والاكتشاف، والاستفادة من التجارب السابقة. وظهرت آلات التفكير، والكائنات الاصطناعية، قبل آلاف السنين في العديد من المجتمعات القديمة: TALOS في كريت/ اليونان، بطل الإسكندرية والتماثيل المقدسة في مصر، وآلهة YAN SHI في الصين، في دليلٍ واضح على سعي البشرية دائماً نحو كائن كامل شبيه بالآلهة التي عبدوها على مر العصور. في عصرنا الحالي، تم التعامل مع كائنات "السايبورغ" في الكثير من أفلام الخيال العلمي "Star War-khnight"، و"Rider"، وغيرها... الأمر الذي جعل الكثيرين يعيدون النظر في تعريف الهوية الإنسانية الجديدة. هذا كله مجرد مقدمة طويلة جداً بالنسبة إلى مقال يريد أن يعرف أين يقف الأدب من هذا كله، وما هو تأثيره عليه.

في قصة "شخص مثلك" للروائي البريطاني رولد دال، يتسبب رجل في فوضى أدبية شاملة عندما يكون قادراً على بناء آلة عملاقة تستطيع كتابة رواية في 15 دقيقة تقريباً. تنتهي القصة التي كُتبت في بداية خمسينيات القرن الماضي بنبرة مخيفة، إذ تم إجبار جميع كتاب العالم على الاستغناء عن أسمائهم، وأصبح أمل الإبداع البشري كله محصوراً في إنتاج "الآلات".

في العودة إلى تعريف الذكاء الصناعي، أليس فيه ما يقاطع الأدب؟ أي نص أدبي سببه التفكير، وغايته الأساسية الاكتشاف، وأساسه الاستفادة من التجارب السابقة. ماذا يمكن لآلة أن تستفيد من تجاربها السابقة؟ كيف ستستفيد أصلاً؟ هل ستكون لديها طقوس خاصة بالكتابة؟ هذه الأسئلة إجابتها بسيطة. ستقول: يمكنها تحميل تجارب سابقة لبشر عاديين، وكونها قادرة على محاكاة العقل البشري، ستتمكن من إنجاز مهمتها بنجاح. ليس بنجاح فحسب، إنما بسهولة أيضاً. أسئلة أخرى تتبادر إلى الذهن الآن: كيف يمكنها أن تصف التعب؟ يمكننا وضع ديوان بسام حجار "مجرد تعب" كنقطة علام هنا فيما يخص وصفها، ومقارنتها به، ما رأيها في طعم النبيذ؟ المجال مفتوح هنا لتتفوق على نزار قباني. لكن ماذا ستفعل حين تقف أمام أراغون مثلاً؟ بماذا تشبه زجاجة مغلقة قرب حاوية، أو مفتوحة؟ بوكوفسكي يرتدي قفازاته الآن. ماذا ستقول حين يسقط المطر بعد صيف طويل، فتعبق رائحة الأرض بالمكان؟ هنا أرض ويتمان، وملعبه، وجمهوره. ماذا ستقول عن الخير والشر، ونحن كبشر لم نتفق عليهما حتى الآن؟ لا بأس بجمهورية أفلاطون هنا. كيف تصف التأتأة، والزوغان، واختلاط المشاعر، حين نقف أمام من نحب؟ يمكنك أن تتخيل وورد ورث وهو يرفع راية النصر الآن.

على الرغم من حماسي لما ستكون عليه البشرية بعد 50 عاماً، إلا أنني أتمنى أن يكون التطور محصوراً في العلوم، ومجالاتها الشاسعة. وليبقَ الأدب مقتصراً على البشر

أستطيع تبرير ذكر من ذكرتهم كلهم، وانجررت إليهم لا إرادياً، على الرغم من أن التبرير يبدو بلا مبرر. كل منهم له أسلوبه، ومفرداته، وتكتيكه. لكل مذاقه الخاص، وهذا سبب تمايز كاتب عن آخر. النقطة الأخرى هي أنك لن تستطيع توقع ماذا سيكتب شكسبير مثلاً، إن كنت معاصراً له، في مسرحيته التالية، وما هو موضوعها، وكيف ستنتهي. الميزة في المفاجأة، وفي القدرة على الإدهاش، وفي أن تكون غيرك في كل عملٍ جديد. ثم في النهاية تعود أنت. الميزة في هامش الأخطاء الممكن حدوثها، وفي نكسات الكتاب، وتكرارهم لأنفسهم، ولمفرداتهم، وفي عدم قدرتهم على الخروج من روايةٍ ما كانوا قد كتبوها سابقاً، فأخذوا ينوعون عليها، وفي سكاكين النقاد الباردة حين يأخذون دور الجرّاحين. الميزة هنا وهناك، هي في أن تكون بشرياً. في ألا تقدر على الاستمرار، وتقول: يكفي، لقد انتهيت، أنا لست آلة، أريد أن أُكمل حياتي كأي إنسان عادي. عادي جداً فحسب. ثم كيف يمكننا تحمل صدور خمسين رواية لأحلام مستغانمي خلال ثلاث سنوات كما لو كانت "سايبورغ"؟

على الرغم من حماسي لما ستكون عليه البشرية بعد 50 عاماً، إلا أنني أتمنى أن يكون التطور محصوراً في العلوم، ومجالاتها الشاسعة. وليبقَ الأدب مقتصراً على البشر. ربما، وأقول ربما، سيبقى مخلصاً لإحدى أهم وظائفه على مر العصور: تذكيرنا بالأشياء التي لا نقدر على قياسها. وهذا ليس بالقليل.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard