عادى الربيع العربي واعتبره حدثاً شبيهاً بالثورة الإيرانية... هل يمكن أخيراً أن نقول وداعاً لنتنياهو؟

الجمعة 11 يونيو 202110:58 ص
Read in English:

He Compared Arab Spring to Iran’s Revolution. Farewell to Netanyahu?

في نظرة سريعة على تاريخ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرجل الذي ورث عن أبيه، المؤرخ الصهيوني، تشبّعاً بنظريات القومية المتطرفة، يبدو بشكل أساسي أنه يتمتع بمكر سياسي مكّنه من توظيف الظروف في خدمة طموحاته الشخصية.

وعلى الرغم من رحيله المرتقب، تصعب كتابة نعي سياسي لـ"بيبي" الذي شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين، 1996-1999 و2009-2021، فعلى الأرجح سيجد طريقة لتوظيف خروجه من لحكم بشكل يجني منها مكاسبَ شخصية.

تنتظر نتنياهو أربعة سيناريوهات وهي السجن بسبب تهم الفساد التي تلاحقه، أو العودة مرة أخرى إلى الحكم وهو ما يعتمد على النجاة من السيناريو الأول، أو التخلي عن شغل منصب سياسي رسمي والاتجاه نحو عالم الاستشارات السياسية والعلاقات العامة على غرار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، أو التقاعد.

الأب الصهيوني

كان نتنياهو، المولود في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1949، في تل أبيب، أصغر شخص على الإطلاق يتولى منصب رئيس وزراء إسرائيل، وهو الأكثر بقاءاً في هذا المنصب، وأول مَن وُلد بعد قيام الدولة يتولى رئاسة الحكومة، وأول مَن يُحاكم جنائياً أثناء وجوده في منصبه.

عام 1963، انتقل الشاب بنيامين، نجل المؤرخ والناشط الصهيوني البولندي بن صهيون نتنياهو، إلى فيلادلفيا في الولايات المتحدة، بعد أن زرع والده في نفسه إحساساً بأنه في مهمة تاريخية لحماية إسرائيل، ثم عاد إلى إسرائيل ليلتحق بالجيش عام 1967، ويصير جندياً في وحدة النخبة للعمليات الخاصة "سايريت ماتكال".

يفتخر نتنياهو بأنه كان ضمن الفريق الذي أغار على مطار بيروت عام 1968، وبأنه شارك في اقتحام طائرة مخطوفة في مطار تل أبيب عام 1972، كما شارك في حرب 1973 ضد مصر وسوريا.

لكن بعد هدوء القتال، عاد نتنياهو إلى الولايات المتحدة ودرس في معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا"، وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال، عام 1976.

أخ "البطل"

بدأ نتنياهو حياته السياسية على خلفية قصة هيمنت على أسرته، إذ قُتل شقيقه جوناثان عام 1976 أثناء عملية عسكرية لإنقاذ رهائن في مطار عنتيبي في أوغندا، فاعتُبر "بطلاً قومياً"، وسرعان ما صار اسم نتنياهو أسطورياً في كل إسرائيل.

في أعقاب هذا الحادث، اتجه نتنياهو إلى العمل في وزارة الخارجية، وشغل منصب مبعوث بلاده إلى الأمم المتحدة. في تلك الفترة، ظهر بشكل مكثف في وسائل الإعلام الأمريكية للدفاع عن إسرائيل والترويج لسياساتها، فأصبح وجهاً مألوفاً في الأروقة السياسية في الولايات المتحدة.

وعندما عاد إلى إسرائيل، انتُخب عضواً في الكنيست عن حزب الليكود، عام 1988. وانخرط في تلك الحقبة في السياسة الداخلية، مدفوعاً بطموح كبير للوصول إلى أعلى المناصب.

حياته الشخصية

عام 1993، وجد نتنياهو نفسه في وضع لا يُحسد عليه، بسبب انتشار شريط جنسي له مع امرأة يُعتقد أنها مساعدة له وليس زوجته. حينذاك، ظهر في بث تلفزيوني مباشر ليتحدث عن أنه تعرض للابتزاز.

وقال نتنياهو الذي كان مرشحاً لمنصب رئيس حزب الليكود، إنه كان مستهدفاً من قبل "رجل واحد، محاط بمجموعة غير صغيرة من المجرمين".

اعتقد كثيرون أن ما فعله كان تكتيكاً ليجعل نفسه يبدو كضحية بدلاً من زوج يخون زوجته الشابة سارة، أم طفليه الصغيرين.

وسرعان ما انتشرت أخبار الفعل الفاضح للسياسي الشاب في جميع أنحاء البلاد، في فضيحة عُرفت باسم "قضية الشريط الساخن"، واعتذر في ما بعد لزوجته.

عام 1993، وجد نتنياهو نفسه في وضع لا يُحسد عليه، بسبب انتشار شريط جنسي له مع امرأة يُعتقد أنها مساعدة له وليس زوجته، في فضيحة عُرفت باسم "قضية الشريط الساخن". حينذاك، ظهر ليتحدث عن أنه تعرض للابتزاز. أظهر نفسه كضحية بدلاً من خائن

جاء اكتشاف تلك الفضيحة في أعقاب سلسلة زيجات فاشلة أفسدتها خيانات مماثلة. خلال فترة وجوده في الجيش، التقى نتنياهو بزوجته الأولى، ميريام وايزمان، وتزوجها وانجب ابنه نوا. وأثناء حمل وايزمان، التقى بطالبة بريطانية غير يهودية تُدعى فلور كيتس في جامعة كانت تدرس فيها زوجته، وبدأ معها علاقة غرامية. وبعد اكتشاف ميريام الصادم لهذا الفعل الفاضح، انتهى زواجه بالطلاق.

وعام 1981، تزوج نتنياهو من كيتس، بعد أن تحوّلت إلى اليهودية، لكنهما انفصلا بعد ثلاث سنوات فقط.

زوجته الحالية سارة ظلت إلى جانبه على الرغم من الفضحية. بدورها، سُمعتها ملطخة بالفساد، وتلاحقها اتهامات بالاحتيال وبإساءة استخدام الأموال العامة.

رئاسة الليكود

في بعض الأحيان، لا تؤدي الفضائح الجنسية إلى سقوط السياسيين، بل تأتي بنتائج عكسية، وهو ما حدث بالفعل مع نتنياهو. فاز بسهولة عام 1993 في انتخابات رئاسة حزب الليكود، خلفاً ليتسحاق شامير الذي كان يشغل منصب رئيس وزراء إسرائيل.

اشتهر نتنياهو في تلك الفترة بمعارضته الشديدة لاتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية التي وقّعت عام 1993 ولما نتج عنها من انسحابات إسرائيلية من الضفة الغربية وقطاع غزة.

مهدت معارضته الشديدة لاتفاقات أوسلو الطريق أمامه للفوز برئاسة وزراء إسرائيل في انتخابات عام 1996، بعد اغتيال زعيم حزب العمل ورئيس الحكومة إسحاق رابين، في 1995.

على الرغم من معارضته الشديدة لاتفاقيات أوسلو، وقّع نتنياهو اتفاق برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، على تسليم ما يقرب من 90% من الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية.

وعليه، خسر الانتخابات بشكل سيئ عام 1999، بعد فترة ولاية واحدة فقط، وأبعد عن الحياة السياسية بعد فوز أرييل شارون بزعامة حزب الليكود. لم يتوقع أحد أن يعود إلى الحياة السياسية بقوة عام 2005 من بوابة زعامة الحزب ذاته، بعد انشقاق شارون عنه، إثر اندلاع خلاف داخلي حول الانسحاب من قطاع غزة. ولكن هذا ما حصل.

كانت عودته إلى مكتب رئيس الوزراء عام 2009 شهادة على مهارات نتنياهو الرائعة في التجدّد السياسي والبقاء في السلطة، وقدرته على التعلم من أخطائه لدرجة أنه لا يوجد أحد مستعد تماماً لكتابة نعي لنتنياهو السياسي حتى الآن.

في عهده، لم تتقدم قضية السلام مع الفلسطينيين. ويدّعي أن ذلك بسبب عدم وجود شريك حقيقي للسلام بين القادة الفلسطينيين.

إسرائيل قضية حزبية

لطالما حرص رؤساء الحكومات الإسرائيلية على بناء علاقة متينة مع شاغل البيت الأبيض بعض النظر عن حزبه. ولكن نتنياهو قرّر كسر هذه القاعدة والسفر إلى واشنطن حيث ألقى كلمة في الكونغرس، بدعوة من الحزب الجمهوري، دون موافقة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، وخطب ضد الاتفاق النووي مع إيران.

استمرت خطيئته بالانحياز الواضح للحزب الجمهوري في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وهو ما فاقم غضب عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي تجاه تل أبيب ومعسكر نتنياهو اليميني.

كان نتنياهو يعادي تماماً الربيع العربي. صوّره كـ"موجة إسلامية معادية للغرب والليبرالية وإسرائيل وغير ديمقراطية". وكان يعتبره خطراً يؤدي إلى انتخابات حرة تأتي بحكومات تعبّر عن إرادة الشعوب التي ترفض التطبيع مع إسرائيل

يقول الصحافي ورئيس تحرير مجلة "ذا أتلانتك" الأمريكية جيفري غولدبرغ إن العديد من اليهود الأمريكيين الليبراليين ومعظم قادة الحزب الديمقراطي يكرهون نتنياهو بسبب عدم احترامه لباراك أوباما وبسبب تبجيله لدونالد ترامب.

وينقل عن زعيم حزب هناك مستقبل الإسرائيلي يائير لابيد قوله: "نتنياهو يلعب بالنار مع الديمقراطيين. لا يمكنك أن تضم دولة إسرائيل إلى الحزب الجمهوري فقط، أو فقط إلى مجموعة معيّنة من الحزب الجمهوري".

الربيع العربي

كان نتنياهو يعادي تماماً الربيع العربي، بحسب الأكاديمي والكاتب الأردني محجوب الزويري، إذ كان يعتبره خطراً يؤدي إلى انتخابات حرة تأتي بحكومات تعبّر عن إرادة الشعوب التي ترفض التطبيع مع إسرائيل. لذلك كان محوراً هاماً في الثورات المضادة.

في تشرين الأول/ نوفمبر 2011، كشف نتنياهو أنه حذّر باراك أوباما والقادة الغربيين الآخرين من دعم الثورة ضد نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، معتبراً أن الدول العربية "لا تتحرك إلى الأمام، بل تتراجع" وأن دعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية للربيع العربي كان ساذجاً.

صوّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الربيع العربي كـ"موجة إسلامية معادية للغرب والليبرالية وإسرائيل وغير ديمقراطية".

في هذا السياق، لم يدعم إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وقال ذات مرة: "لم نواجه مشكلة مع نظام الأسد. خلال 40 عاماً، لم تطلق رصاصة واحدة على مرتفعات الجولان".

ويقول محجوب لرصيف22 إن موقف نتنياهو من الأنظمة العربية تحكمه أيضاً المؤسسة الأمنية، وهو اتجاه عام في تل أبيب.

في هذا السياق، يحكي غيورا إيلاند، مستشار الأمن القومي السابق في عهد شارون، أن الأخير انتقد ذات مرة إسرائيلياً اقترح تغيير النظام في سوريا، وقال له: "هل أنت مجنون؟ الأفضل في الوقت الحالي هو وجود بشار الأسد الذي يقاتل من أجل شرعيته".

وقال مسؤول إسرائيلي آخر: "عندما يرى بعض الناس في الغرب ما يحدث في مصر، فإنهم يرون أوروبا 1989، لكننا نحن نراه مثل طهران 1979".

وكان نتنياهو قد عبّر ذات مرة عن فكرة أن يكون نظام الحكم في العالم العربي نصف رئاسي ونصف برلماني، إذ دعا بالفعل، خلال زيارة إلى رومانيا، الدول العربية إلى تبني التجربة الرومانية.

نفسي أولاً

في ظل قيادة نتنياهو، حققت العلاقات الإسرائيلية العربية أكبر قفزة لها منذ ثلاثين عاماً، حين دشنت أربعة الدول العربية، الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، عام 2020.

يقول الباحث والمحاضر في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والسياسات الدفاعية المقارنة وقضايا الأمن الدولي أنس القصاص لرصيف22 إن نتنياهو أراد أن يكون فارس التطبيع الأول في إسرائيل مع الدول العربية، وقد ساعده على ذلك عدم فرز انتخابات الكنيست خلال العامين الماضيين بديلاً له، حتى أنه تصرف من خارج "الكتالوغ الإسرائيلي" في بعض الملفات، واضعاً الأمن القومي الإسرائيلي في خطر، على الأقل بحسب االبعض.

فعام 2014، أبلغ ألمانيا أن تل أبيب لا تمانع في حصول مصر على غواصات حديثة، وهي واقعة شهيرة حشدت رجال الأمن في الدولة العبرية ضده، كونها تمثل تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي لأنها تخل في ميزان التسلح، وتبيّن أنه مرر هذه الصفقة في شبهات فساد وتربح مالي.

كما وافق نتنياهو على بيع الولايات المتحدة مقاتلات أف-35 لدولة الإمارات في سبيل توقيع اتفاق سلام مع أبوظبي يعزز حظوظه هو والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ولاية جديدة، على الرغم من موجة اعتراضات هائلة في تل أبيب كانت تحذّر من خطورة وصول هذه المقاتلات إلى دولة عربية.

وربما، ما كان لرئيس وزراء إسرائيلي آخر أن يوافق على وصول ملايين الدولارات، نقداً في حقائب، إلى حركة حماس في غزة، في سبيل أن تحافظ الحركة على الهدوء والأمن للإسرائيليين ويستمر هو في حكمه.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان قد قال: "مصر وقطر غاضبتان من حماس وتعتزمان قطع العلاقات معها. فجأة يظهر نتنياهو كمدافع عن حماس وكأنها منظمة بيئية... إسرائيل كانت تدفع لحماس للحفاظ على الهدوء".

وضغط نتنياهو على الولايات المتحدة للاعتراف بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية عدة مرات منذ عام 2018 حتى نجح في في ذلك خلال عام 2020.

وبخصوص اندفاعته نحو توقيع اتفاقيات سلام مع دول عربية، كانت صحيفة هآرتس قد أشارت إلى أنه يريد من التواصل مع القادة العرب أن يظهر في صورة تمهد له الطريق للفوز بالانتخابات البرلمانية. ولكن هذا لم يحصل.

يتوقع القصاص أن مصير نتنياهو سيكون على الأرجح السجن، وإذا نجا منه سيتجه إلى العمل كمستشار سياسي بحال لم ينجح في استغلال حدث ما للعودة إلى رئاسة الحكومة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard