كيف تُستنسخ الكاهانية الصهيونية ثم يضعها نتنياهو في جيبه

الجمعة 9 أبريل 202102:16 م

في آواخر عام 1990، وقف الحاخام اليهودي المتشدد مائير كاهانا في قاعة بفندق ماريوت بمانهاتن ليلقي عدداً من الكلمات، جاءت في سياق مشابه لهذا النص المؤسِس لأفكار حركته الإرهابية: "إن تعاسة إسرائيل وجميع متاعبها ناجمة عن الفلسطينيين العرب، واليهود المتغربين عن يهوديتهم. فالفلسطينيون خطر على الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وهم كمجموع يتكاثرون كالبراغيث. وإذا لم يعالج أمرهم، فسوف يصبحون بمرور الوقت أكثرية في البلد، ويغيرون القوانين لينهوا دولة إسرائيل كدولة يهودية. وهم كأفراد يلوثون الشعب اليهودي بملاحقتهم الفتيات اليهوديات، وينتزعون لقمة العيش من أبناء الشعب اليهودي بمنافستهم على أماكن العمل، بأجورهم الرخيصة".

كان هذا قبل أن تنطلق عدة رصاصات صوبه وترديه قتيلاً في الحال. والقاتل كان الأميركي من أصل مصري سيد نصير "أول جهادي إسلامي يرتكب جريمة قتل في الولايات المتحدة"، بتعبير مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي بعد عقود، ولسخرية المصادفة، ستتلاقى أفكاره مع إدارة دونالد ترامب بشأن الإبراهيمية والتطبيع، ولكن لهذا قصة أخرى.

التعبير المعتاد يقول إن الأفكار أشد خطراً من الرصاص، ولذلك لم يكن قتل كاهانا هو نهاية المشهد. فحركة "كاخ" التي أسسها وصُنفت حركة إرهابية داخل إسرائيل نفسها، تعود اليوم إلى صدارة المشهد بصيغة مستنسخة مع حزب "عوتسما يهوديت"- "قوة يهودية. ولكن هذه المرة ليس كحركة متطرفة وإرهابية، وإنما كحركة يمكن أن تعيد صياغة المشهد السياسي في الانتخابات الإسرائيلية. والفضل بالطبع يرجع إلى الداهية بنيامين نتنياهو.

تاريخ الكاهانية

تأسست حركة "كاخ" في نهاية الستينيات. أسسها مائير كاهانا في الولايات المتحدة، لكنها بدأت نشاطها السياسي في إسرائيل مع بداية السبعينيات عندما هاجر كاهانا إليها مع عدد من أتباعه. و"كاخ" بالعبرية تعني "هكذا"، وإلى جوارها قبضة يد بمعنى "هكذا بالقوة". وهي تتبنى الأيدلوجيا العنصرية ضد العرب ككل، وكانت تنادي بتنفيذ التهجير القسري لهم، سواءً من بقوا بعد عام 48 أم الفلسطينيين في أراضي 67.


"كاخ" بالعبرية تعني "هكذا"، وإلى جوارها قبضة يد بمعنى "هكذا بالقوة". وهي تتبنى الأيدلوجيا العنصرية ضد العرب ككل، وكانت تنادي بتنفيذ التهجير القسري لهم

"أذكر وأنا صغير عندما كان كاهانا يقتحم مدينة أم الفحم في الداخل المحتل من أجل استفزاز الفلسطينيين هناك والدعوة لتنفيذ سياسة الترانسفير"، يقول خلدون البرغوثي، الباحث المختص في الشؤون الإسرائيلية، لرصيف22. ولكن حتى إسرائيل، بعنصريتها عبر سياستها الرسمية وعبر ممارستها على أرض الواقع، لم تستطع احتمال العنصرية الفجة والصريحة لدى كاهانا. فمنعت حركته من خوض انتخابات الكنيست عام 1987 بسبب الشعارات الصريحة ضد العرب التي تميز بينهم وبين اليهود على أساس عرقي، يشرح البرغوثي. "وهذا يخالف الأسس التي يقوم عليها النظام الانتخابي الإسرائيلي. لذلك لم يكن هناك خيار أمام لجنة الانتخابات إلا حرمانهم من خوض المنافسة".

مائير كاهانا

بعد مقتل كاهانا، انقسمت حركته إلى قسمين، الأولى أصبح اسمها "كاهانا حي" بزعامة ابنه بنيامين الذي سيلقى مصيراً مماثلاً بالتزامن مع انتفاضة الأقصى، والثانية احتفظت بنفس الاسم "كاخ"، وبرز منها تلاميذه المتطرفين: باروخ مارزل ونوعام فريدمان وباروخ جولدشتاين. أما الأخير من بينهم، فبينما كان يؤدي المصلون الفلسطينيون صلاة الفجر داخل الحرم الإبراهيمي في الخامس والعشرين من فبراير 1994، اقتحم ساحة الحرم وفتح الرصاص على المصلين ليقتل 29 شخصا ويصيب 125 آخرين قبل أن يلقى مصرعه ضرباً على يد المصلين. تحوّل جولدشتاين إلى أيقونة لليمين المتشدد، حتى أنهم يحتفلون به كل عام في مستوطنة "كريات أربع"، وهي من أوائل المستوطنات في الضفة ومعقل حركة كاخ، حيث دُفن باروخ.

وبعد عام واحد من المذبحة، سيقف شاب نحيل أمام عدسات التلفاز وهو يرتدي زي الأطباء الأبيض، وعلى كتفيه رتبة عسكرية كالتي ارتداها جولدشتاين عند ارتكابه المجزرة. ألصق الشاب على وجهه شعراً مستعاراً ليبدو بلحية طويلة تشبّهاً ببطله واستعداداً للاحتفال بعيد المساخر المتزامن مع ذكرى المذبحة. وضع على صدره ورقة كُتب عليها: "باروخ القديس... الذي يطلق النار... ويثق الله به". ثم يقول الشاب في مقابلة: "جولدشتاين يعتبر بطلا بالنسبة لي. لذلك أنا ارتدي زيّا مثل زيه. إنه بطلي".

كان هذا الشاب إيتمار بن جفير؛ زعيم حركة "قوة يهودية"، الذي انضم إلى الكنيست حديثاً "كي يحقق بنيامين نتنياهو هدفه بالبقاء رئيساً للحكومة الإسرائيلية"، يقول خلدون البرغوثي، مضيفاً: "تجلت قمة إرهاب الحركة في مذبحة الحرم الإبراهيمي. وهو ما دفع حكومة إسرائيل لاعتبارها إرهابية وتم بموجب ذلك حظرها. رغم ذلك، استمرت الحركة كفكرة، وظل هناك مريدون لها، مثلاً ما يسمّون بمجموعات "فتية التلال"، والتي جاء منها من قتل عائلة الدوابشة حرقاً في قرية دوما قرب نابلس، كذلك قتلة السيدة عائشة الرابي رمياً بالحجارة قرب نابلس أيضاً".

تختلف التسميات ويبقى النهج

هناك في الخليل بؤر لهؤلاء المريدين، يبرز بينهم باروخ مارزل؛ وهو من قادة الحركة سابقاً لكنه استمر في ممارسة حياته وعنصريته ضد الفلسطينيين في الخليل المحتلة. أنشأ هؤلاء جيلاً جديداً برز منهم قائد حركة "قوة يهودية" أو "عوتسما يهوديت" إيتمار بن جفير. درس بن جفير المحاماة لاحقاً، وأصبح يدافع عن كل من يعتدي على الفلسطينيين. فدافع عن قتلة عائلة الدوابشة وقاتل عائشة الرابي وشخص آخر حاول حرق كنيسة في القدس، وفقاً للباحث في الشؤون الإسرائيلية، وهو الآن يقود حركة يحتاج إليها نتنياهو لدعمه في الكنيست ودفعها للتعاون مع بتسئيل سموتريتش؛ زعيم حزب يمثل الصهيونية الدينية، لضمان فوزهم أو اجتيازهم نسبة الحسم بضمان شراكتهم له في ائتلافه الحكومي بسبب حاجته لأصواتهم في الانتخابات.

يقول الكاتب والناشط الفلسطيني نهاد أبو غوش لرصيف22: "لا يقتصر الأمر على الأفكار، بل امتد إلى مجال العمل الميداني من خلال سلسلة من المجموعات التي نفذت أعمالاً إرهابية ويتغير اسمها بين وقت وآخر، مثل تنظيم "إرهاب ضد الإرهاب" ومجموعات "تدفيع الثمن". ويتداخل عملها الإرهابي العنيف مع أعمال أخرى تسمح بها الحكومة مثل إقامة بؤر استيطانية والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين". ويتابع أبو غوش: "تحتال الحركة على تصنيفها كإرهابية من خلال الظهور بتسميات جديدة، وآخر صيغة ظهرت بها هي حركة "عوتسماه يهوديت". أفكار الحركة ومبادؤها السياسية كانت ولا تزال موجودة ونشطة في المجتمع الإسرائيلي، خاصة في أوساط المستوطنين، وهي أقرب إلى كونها تياراً في المجتمع من كونها حزباً بعضويات محددة. ولذلك، يمكن أن نجدها على هامش حزب الليكود الحاكم أو في وسط حزب يمينا المتطرف، ولدى مختلف الأحزاب اليمينية. وسبق أن عرفنا تشكيلات سياسية متعددة تتبنى أفكار هذا التيار خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية مثل حزب "هتحيا" برئاسة جيؤولا كوهين، و"موليدت" برئاسة رحبعام زئيفي".

"هذه الحركة الدينية تزحف شيئاً فشيئاً، ربما من المبكر الحديث عن قدرتها على تشكيل حكومة، لكن ذلك ممكن على المدى البعيد ما لم تحدث تغيرات في المجتمع الإسرائيلي"

تتبنى الحركة مزيجاً من الأفكار الدينية والقومية الصهيونية المتطرفة، حيث لا يتبنون من الدين إلا الجانب العنيف والاستعلائي الذي يعتبر اليهود فئة منفردة ومتميزة من البشر ووظيفة الشعوب الأخرى القيام بخدمتهم. وينتشرون بشكل خاص لدى الشبيبة الذين تجري تعبئتهم وصياغة وعيهم على أن العرب يمثلون خطراً وجودياً وأن كل مشكلاتهم ومتاعبهم سوف تحل بالخلاص من الذين يلوثون حياتهم ويريدون بهم الغدر وينافسونهم على الأرض والموارد التي منحها الله لهم. "هذه الحركة والمنتسبون إليها هم دائماً رصيد احتياطي لليمين الحاكم. لا يظهرون في صدارة المشهد السياسي، وربما يسببون الحرج للحكومة، لكنهم موجودون دائماً عند الحاجة لدعم أية حكومة يمينية"، يوضح أبو غوش.

إمكانات نتنياهو في تشكيل حكومة

فاز حزب "الصهيونية الدينية"، وهو ائتلاف مكون من ثلاث حركات- حزب "الاتحاد الوطني" برئاسة سموتريتش، وحزب "نوعام" ذو التوجه الديني برئاسة آفي معوز، وحركة "عوتسماه يهوديت" برئاسة بن جفير- بستة مقاعد في انتخابات الكنيست الأخيرة. خاض بن جفير الانتخابات عدة مرات وكان يحصل في كل مرة على ما بين 1-2% من الأصوات، بينما المطلوب هو 3.25% لاجتياز نسبة الحسم؛ والتي تعادل أكثر من 150 ألف صوت.

انتبه نتنياهو إلى أن تفرق هذه القوى سيبدد أصواتها وبالتالي يخسر اليمين عدة مقاعد مضمونة. لذلك، بذل جهوداً استثنائية لتشجيع هذه الأطراف على التوحد. بل وقع معهم اتفاقية لتبادل الأصوات، وهذا لا يجري إلا بين الحلفاء. بات هذا التيار مكون رئيس في الكتلة المسماة كتلة اليمين أو "نعم لنتنياهو"، إذ أن الأخير بحاجة لكل مقعد في هذه الانتخابات بعد حصوله على 52 مقعداً؛ وهي مقاعد حزب الليكود والأحزاب الحريدية: "شاس" و" يهدوت هتوراه"، بالإضافة للمقاعد الست للصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش وبن جفير. يحتاج إذن إلى 9 مقاعد أخرى (إجمالي 61 مقعد من أصل 120) من أجل تشكيل حكومته.

يشير البرغوثي إلى أن نتنياهو لا يمكنه أن يتخلى عن مؤيديه من الصهيونية الدينية رغم الصورة السلبية المتكونة عنهم، فهو "ما زال بحاجة للمزيد من الأصوات. وقد يكون نفتالي بينيت؛ زعيم حزب "يمينا" الذي حصد 7 مقاعد، هو الأول على قائمته لضمه للائتلاف الحكومي. كونه قريب فكرياً من القومية الدينية الصهيونية. نتنياهو بحاجة لكل أصوات بما فيها أتباع كاخ الإرهابية". ويتابع: "كتلة نتنياهو متماسكة ولا يمكن له أن يتخلى عن أحد مكوناتها سواء الأحزاب الحريدية أو قائمة الصهيونية الدينية. لكن هناك عقبات كبيرة لا تتعلق بوجود الحزب المتطرف ضمن كتلته، فالإشكالية باتت شخصية بين قادة الأحزاب المنافسة ونتنياهو. الآن هناك حزبان صغيران: "يمينا" بقيادة بينيت والقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس (5 مقاعد) وهما متأرجحان بين المعسكرين".

طبعا إن أراد نتينياهو ضم الكاهانية إلى حكومته فقد لا يُمنح بن جفير منصباً وزاريا لتجنب الانتقادات الدولية. لكنه قد يُمنح منصباً في لجان الكنيست كلجنة اختيار القضاة مثلاً كونه محام، كما يتوقع البرغوثي. "لكن سموتريتش مثلاً؛ رئيس القائمة، كان وزيراً في حكومة نتنياهو السابقة. والقضية تتعلق بشخص إيتمار بن جفير لخلفيته السياسية القادمة من التنظيم الإرهابي".

تحول هذه الحركات من هامش الصورة إلى المركز كان له أسبابه التي فسرها أبو غوش لرصيف22، فهذه الحركات كانت دائماً على الهامش، وكانت سبباً في إحراج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تحاول أن تلمع صورتها الخارجية وأن تبدو مثل الديمقراطيات الأوروبية الغربية. لكن مع الانزياح الإسرائيلي المستمر نحو اليمين، وبروز المنحى العنصري والفاشي الذي ينسجم مع تحولات نحو نظام الأبارتهايد، خاصة بعد التنصل من حل الدولتين وإقرار قانون القومية العنصري، أخذت هذه الأحزاب تنتقل من هامش المشهد إلى مركزه وأصبحت تشارك في الحكومة. "لكنها حتى الآن ما زالت تلعب دور الرديف الداعم لليمين الحاكم الحريص على صورته الديمقراطية والعلمانية على الرغم من اعتماده على الأحزاب الدينية واليمين الفاشي"، يقول أبو غوش.

يدعون أن مناطق الأراضي المحتلة مثل الخليل وبيت لحم ونابلس وأريحا هي مراكز مقدسة لليهود ولا يمكن أن يتخلوا عنها لأسباب سياسية متعلقة بأي حل، واستلامهم الحكم يعني حرب سياسية وفعلية

مآلات المستقبل وصورة إسرائيل

ربما لن تستطيع هذه الحركات المتطرفة الوصول للسلطة في المستقبل المنظور. لكن الحركات الصهوينية الدينية القومية في صعود مستمر. حتى في الليكود نفسه هناك زحف للتيار الصهيوني المتدين وتعاظم لحركات شاس الحريدية، وتصاعد سياسي لتوجهها الصهيوني.

"يدعم اليمين الشعبوي في العالم بعضه بعضاً. وقد رأينا ما قدمه ترامب لإسرائيل. وكذلك بولسينارو البرازيل الذي يقدم دعماً مفتوحاً لسياسات الاحتلال. حكم نتنياهو هو النموذج الإسرائيلي لليمين الشعبوي وذلك ينعكس من خلال سياسات عنصرية وقمعية تجاه الفلسطينيين سواء في الأراضي المحتلة عام 1967 أو مناطق 1948. كما يترجم هذا اليمين عنصريته في سياسات خارجية عدوانية بدءاً من الفلسطينيين، ومروراً بكل العرب وإيران"، يقول أبو غوش.

الآن جاء سموتريتش وبن جفير وحصلا على 6 مقاعد رغم أن الاستطلاعات أشارت إلى صعوبة اجتيازهم نسبة الحسم، لكن بحسب البرغوثي لا تزال هناك قوة أخرى منافسة حتى من اليمين، "فالليكود يعتبر حزباً علمانياً، وهناك أفيجدور ليبرمان؛ زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، وهو علماني جداً يرفض الشراكة السياسية مع الأحزاب الدينية. لذلك هذه الحركة الدينية تزحف شيئاً فشيئاً، ربما من المبكر الحديث عن قدرتها على تشكيل حكومة، لكن ذلك ممكن على المدى البعيد ما لم تحدث تغيرات في المجتمع الإسرائيلي".

صعود هذا اليمين يتسبب في الوقت نفسه بتأثيرات جوهرية على الدولة الإسرائيلية: العسكرة وتراجع استقلالية الجهاز القضائي وانحسار مساحات حرية التعبير والتعدي على الحريات المدنية وانتشار خطاب الكراهية والإكراه الديني وبروز ظاهرة الزعيم الفرد نتنياهو، يعدد أبو غوش، ثم يؤكد "لا شك أن كل ذلك ينعكس سلباً على الدولة الإسرائيلية، ويمس بعناصر قوتها مثل الديمقراطية ودولة المؤسسات".

"طالما أن الاحتلال مربح ومريح ولا يكلف شيئاً، فسوف تنتعش الأفكار والحركات العنصرية، وسوف تتراجع وتنحسر فقط حين يصبح الاحتلال مكلفاً"

هل سيكون حلّ القضية الفلسطينية أكثر استعصاءً؟

أما فيما يخص القضية الفلسطينية، فسيقضي صعود هذه التيارات تماماً على فرص أي حل للقضية الفلسطينية، ذلك لأنهم، بحسب البرغوثي، ينظرون إلى رام الله وتل أبيب بنفس النظرة. إذ يدعون أن مناطق الأراضي المحتلة مثل الخليل وبيت لحم ونابلس وأريحا هي مراكز مقدسة لليهود ولا يمكن أن يتخلوا عنها لأسباب سياسية متعلقة بأي حل، واستلامهم الحكم يعني حرب سياسية وفعلية.

لكن على المستوى الدولي، قد يشكل هذا الصعود ضربة قوية لصورة إسرائيل التي تطرح نفسها على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وعندما يحكمها من يريدون إقامة الدولة الدينية أو التوراتية، سيمس ذلك كثيراً بإدعاءات إسرائيل، وقد ينعكس على علاقاتها وتحالفتها الإقليمية والدولية. أما داخلياً، فقد يقودوها ذلك إلى مواجهة مع العلمانيين الرافضين لحكم الدين.

ينظر الكاتب والناشط أبو غوش إلى زاوية أخرى متعلقة بالموقف من الانتخابات الفلسطينية، وهي أن الكهانية وامتداداتها لا تعبأ بالرأي العام العالمي وتجاهر بآرائها العنصرية. لذلك، هذه الحركات لا تبالي بالانتخابات الفلسطينية إلا من زاويتين: ألا تأتي بقوى مؤيدة للمقاومة والكفاح المسلح، وألا تجرى في القدس من حيث أن إسرائيل تعتبرها عاصمة لها ولا تقبل بأي شكل من أشكال ازدواجية السيادة على المدينة.

ويعتبر أن مجابهة هذه الحركات ومجابهة الاحتلال عموما تتطلب أولا إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي اعتبره نتنياهو مصلحة استراتيجية لإسرائيل، واعتماد سياسات واستراتيجية موحدة، وأشكال نضالية متفق عليها بما في ذلك استخدام أدوات القانون الدولي المتاحة، وتفعيل سلاح المقاطعة، وإعادة بناء الموقف العربي، ليصبح الاحتلال على إثر ذلك أمراً باهظ التكاليف، سواء على اقتصاد إسرائيل أو على أمنها وراحة أفرادها ووحدتها الداخلية وعلى سمعتها ومناخ الاستثمار فيها. يختتم أبو غوش حديثه قائلاً: "طالما أن الاحتلال مربح ومريح ولا يكلف شيئاً، فسوف تنتعش الأفكار والحركات العنصرية، وسوف تتراجع وتنحسر فقط حين يصبح الاحتلال مكلفاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard