أفلاطون في رحلة إلى صقلية... محاولة الفيلسوف في السياسية

الأحد 20 يونيو 202110:17 ص

في كتاب "السياسية والأداء في غرب اليونان" يذكر إفانجيليو أن أفلاطون في منتصف عمره، قام بالسفر إلى أماكن عديدة، منها جزيرة صقلية حيث تقع سيراكيوز الناطقة باليونانية، والتقى ديون "المراهق الناضج"، ونسيب الطاغية ملك سيراكيوز، ديونيسيوس الأول. قدّم ديون لأفلاطون فرصةً لدخول عوالم السياسة ومقابلة الملك، واضعاً الفيلسوف في مواجهة صارمة مع الطاغية، عادت بفشل ذريع على الأوّل، لكن أثمرت صداقة طويلة بين أفلاطون وديون معتمدة على المراسلة المستمرة.

يقال إنه كان من المُربك لأفلاطون أن يكون فاعلاً في المجال السياسي في أثينا، لاعتقاده أنها تمرّ بفترة من عدم الاستقرار، ويقول بعض المؤرخين إنه عانى ربما اضطراباً نتيجة إعدام معلمه سقراط. لذلك استجاب للفرصة السياسية في صقلية؛ فرصة بمثابة منفذ يأخذه إلى شؤون الحكومة لاختبار- أو ربما تحقيق- نظريته في الحكم وتحقيق العدالة.

نظرية "الملك الفيلسوف"، ذلك التصور للحاكم العاشق للحكمة، الذكي والقادر على عيش حياة بسيطة، المتمكّن من المعارف الفلسفية؛ المكرّس حياته للتأمل الفكري والتمعّن التجريدي في الموضوعات؛ ما يؤهله لقيادة الجمهورية نحو العدالة والخير. بالتالي، من المجدي أن يُمسي الفيلسوف حاكماً أو الحاكم فيلسوفاً.

بعد وصوله، بدأ أفلاطون بنقد مذهب المتعة المعتمد من الملك وحاشية القصر، ظانّاً أنه بنقده هذا يستطيع أن يبعد الحاكم عن الملذات الحسية، فاتحاً الأفق لأن يعلّمه حب الحكمة المتمثلة بالروح العادلة والجمال والحقيقة، مقترحاً أن حياة الفضيلة تتمثّل بالعبد القابض على السعادة بتحقيقه لروح عادلة. وإثر نقده انتهى الحال بأفلاطون في سوق العبيد، محتجزاً بمرافقة الملك، إلى أن حرره أحد أصدقائه.

بعد مرور عشرين سنة تلقى أفلاطون رسالة من ديون تقول إن الملك الجديد ديونيسيوس الثاني يرحب به راغباً تعلم الفلسفة، مشيراً إلى إمكانية تحقيق الملك الفيلسوف في الملك الصغير. يذكر في كتاب الرسالة السابعة أن ديون حاول جاهداً إقناع الملك الجديد بعودة فيلسوف أثينا، ويشير أفلاطون إلى أن الحماس كان يغمر ديون، مفترضاً أن الشاب الصغير يحمل احتمالية تحقيق "الملك الفيلسوف"، بالرغم من كون الملك الصغير تربى على مذهب اللذة، وكبر مع حاشية القصر الغارقة بالمتعة والخمور.

يرى أفلاطون في كتاب الرسالة السابعة، أن الفلسفة، وإن طال عمرها في التعلّم والجدل، ليست محصورة في حياة العزلة والخلاء فقط، إنما تطلب نوعاً من الصداقات والتعاون لتعزيز ازدهار المجتمع وتحقيق العدالة

أثمرت جهود ديون بإقناع الحاكم أن يراسل أفلاطون بنفسه فيشجّعه على الزيارة. ليسافر أفلاطون العجوز في ستينيات عمره، بعد أن أسس الأكاديمية في أثينا، منطلقاً لدمج الفلسفة بالحوكمة والتفكير بالفعل. لكن مع الأسف، بعد مرور بضعة شهور، انقلب الملك الجديد أيضاً على ديون وأفلاطون، حيث حوكم الأول بتهمة التآمر، وانسحب الثاني بدوره.

يذكر أفلاطون في كتاب الرسالة السابعة، بلغة لا تخلو من الإحباط، أن المفارقة كانت كبيرة بين رذيلة ديونيسيوس الشاب وفضيلة ديون الحكيم، أراد الأول من أفلاطون المديح والثناء، وأن يأخذ منه صديقاً بدلاً من ديون، رغم أنه لم يستجب لأهم أهداف الصداقة "بتلقي تعليماتي وسماع خطابي الفلسفي"، حيث كان الثاني مثابراً على الفعل والجهد في المعرفة والخير. وعندما لم يستجب أفلاطون لرغبة الملك الصغير، كان للأمور أن تنتهي بنفي ديون؛ حكماً أطلقه الملك يدلّ على انتقام صبياني من ديون كمنافس على صداقة الفيلسوف.

فيلسوف "الكهف" وظلال الملك

في كتاب "الجمهورية" يحاول أفلاطون إظهار الفرق بين الوهم بالمعرفة والمعرفة، مستعيراً بالكهف كصورة مجازية، حيث من يجلسون في داخله مقيدون بسلاسل، لا يستطيعون تحريك حتى رؤوسهم، يشاهدون ظلال دمى تتحرك خلفهم، يخلطون الظاهر مع الحقيقة؛ معتقدين أن ما يرونه من ظلال للدمى هو حقيقة العالم. بينما العالم الحقيقي، عالم الموضوعات الأبدية كالشمس والسماء، هو خارج الكهف في النور، وما يشهدونه على حائط الكهف هو عبارة عن انعكاس جزئي لظلال الموضوعات من العالم الحقيقي في الخارج حيث الحقيقة اللانهائية.

يريد أفلاطون أن يشير في استعارة الكهف إلى أن الفيلسوف فقط هو القادر على الخروج من الكهف ليرى ضوء الشمس، وهو ذاته من يعود إلى ظلام الكهف، رسولاً للحقيقة القصوى؛ ساعياً لفكّ قيود الناس في الداخل وتحريرهم من الأوهام.

لم يكتب لنا سقراط الفلسفة في أي مخطوط أو كتاب، فكان له أن انخرط في المخاطبة بوصفها فعل سياسي في المجال العمومي، محيطاً نفسه بالشباب ومحيطاً للشباب بفلسفته

في رحلته إلى صقلية، نكتشف أن الفيلسوف خطى نحو ظلام كهف الحاكم، وحسب ما نقرأ في مجاز الكهف، هناك تقبع الظلال وما يراه الحاكم على أنه حقيقة هو ضرب من الظاهر في عالم الأشياء، وعلى أفلاطون أن يعلمه قراءة التصورات والمفاهيم وجوهر الأشياء، حيث ربما يستطيع أن يخرجه من ظلال أوهامه إلى نور التفلسف.

لم ير أفلاطون عطباً جوهرياً في رحلته إلى كهف أو قصر الحاكم، بالرغم من أن الملك الأب كان واعياً أن عليه أن يحمي ابنه من التعليم الفلسفي الذي أراده ديون أن يتعلمه. كان من الممكن أن يلاحظ أن الأب الملك كان واعياً لخطورة الفلسفة وحضور أفلاطون، لأنه غارق في بحار الظلمات واللذة الدائمة، ما أضاع الحقيقة والخير الذي يقبع خلفها. لكن ما لم يلاحظه أفلاطون، لكونه مخلصاً لمذهبه الفلسفي -ولو استعنا بأدوات النظرية النقدية- فإن الملك ذاته هو منتج للحقيقة/الوهم، ولو أتاح لنفسه أو من حوله بظهور فلسفة ترسم حدود وتعاريف للحقيقة والوهم لظهرت التناقضات وتداعى عالم السلطان.

من العزلة إلى الفضاء العمومي ثم قصر السلطان

تقول حنا أرندت إن مفهوم "حياة الفعل" قد استوحى من فاعلية نشاط سقراط في أثينا، وتقول لاحقاً في كتابها "الشرط الإنساني" إن على صاحب الخطاب أن يلحق كلماته بالفعل، لنتأكد أنه لا يخفي خلف كلماته نوعاً من النفاق أو الكذب. وعطفاً على هذه الرؤية للفيلسوفة الألمانية، رغم توقع أفلاطون أن الملك الجديد شبيه أبيه، أصرّ على خوض التجربة، ذلك لأنه لم يرد لنفسه أن يكون رجل كلام فقط، بل فاعلاً بجانب كلامه، وقد ذكر ذلك في كتاب الرسالة السابعة، أن سفره كان يعني أنه إنسان فعل بجانب الحكمة، خائفاً من أن يُوصف يوماً بالجبن.

يزيد أفلاطون في كتاب الرسالة السابعة، أن الفلسفة، وأن طال عمرها في التعلّم والجدل، ليست محصورة في حياة العزلة والخلاء فقط، إنما تطلب نوعاً من الصداقات والتعاون لتعزيز ازدهار المجتمع وتحقيق العدالة. يحمل هذا القول، كما تحمل القصة، دلالات متعددة، حيث أن رحلة أفلاطون كانت كفيلة بنقله من حياة التأمل إلى حياة الفعل السياسي، وكأنه ينتظر الوقت المناسب لتقليد ما قام به معلمه سقراط من فعل سياسي في فضاء المدينة، "أفسد الشباب" بتعليمهم التفلسف والسؤال الفلسفي، لينتهي به المطاف معدوماً لكن خالداً بنشاطه.

يقول نيتشه إن السمعة والمجد، كصفتين مكملتين لبعضهما، كانا من أسمى الصفات في الثقافية اليونانية القديمة

لم يكتب لنا سقراط الفلسفة في أي مخطوط أو كتاب، فكان له أن انخرط في المخاطبة بوصفها فعل سياسي في المجال العمومي، محيطاً نفسه بالشباب ومحيطاً للشباب بفلسفته. وما نقرأ عن سقراط، بموجز قصة أفلاطون عن محكمته وإعدامه ومحادثاته، نستخلص أنه كان ناشطاً فاعلاً في فضاء المدينة، يستهدف البشر في أسئلته. هنا تجدر الإشارة إلى أن سقراط لم يكن ذلك الثوري، على الطريقة المثقف المعاصر المحرّض على الثورة ضد النظام السياسي، إنما شدّد على احترام القانون، ورفض الهروب من زنزانته لأنه يحترم القانون، حتى لو كان يقضي بإعدامه.

لكن المثير للاهتمام أنه عوض التأمل والكتابة في العزلة كسائر الفلاسفة، انخرط في تفعيل التفكير الفلسفي بشكل مباشر؛ ساعياً لأن يكون هداماً لبديهيات الأفكار ذات البنية الثقافية غير المحاكمة عقلياً. بهذا كان مشيداً للفضاء العمومي، حيث يستطيع الجميع أن يمسوا فاعلين في شبكة علاقات بشرية مهتمة بشأن الإنسان وقضاياه، بموازاة قوة وإدارة الحكومة وعملها.

انشغال سقراط بمخاطبة الشباب يُعرّف بأنه فعل سياسي في أدبيات وأبحاث اليونان القديمة. فعل ينعتق فيه المرء من المجال الخصوصي، فضاء المنزل، حيث ضروريات الحياة للعيش والاستمرار. كان للإغريق، على نحو فلسفي ما، أن يعللوا وجود العبيد لكونه الوسيلة الوحيدة لأن يتحرّر الأثيني من فضاء المنزل إلى العموم، حيث ينغمس العبد في ضروريات الحياة العائدة على المنزل، ويذهب مواطن أثينا إلى المجال العمومي، فاعلاً وشاهداً.

ذلك لأنه، كما جادلت حنا أرندت، لا سياسية في الخصوصي، فالفعل السياسي يتطلب شاهداً وسامعاً، وفاعلين يستكملون أو يستنكرون أفعالاً أخرى. إذن، هناك في فضاء أثينا العمومي، انشغل سقراط بالكلام الفلسفي، حيث شوهد وسُمع، ثم استُنكر من السلطات ونُفّذ فيه حكم الإعدام.

في رحلة أفلاطون لتحقيق نظرية الملك الفيلسوف، يرتقي لأن يبدّل الشباب الذي استهدفهم سقراط بالملك الطاغية وحاشيته، والفضاء العمومي بفضاء ليس بخصوصي، بل مزعوم العمومية، متحيّز ومُحكم القبضة من قبل الملك، لكونه أعلى تمثيلات السيادة الملكية العمرانية والرمزية.

خيار استراتيجي لربما يفتقد للجذرية، يميل ليكون إصلاحياً ينير الطريق نحو العدالة التي يفترض ظهورها عند القضاء على رذيلة "المتعة الحسية" وظلال الأوهام. لكن في بلاط الملك، لم يكن أفلاطون فاعلاً سياسياً، بل لربما كان شبيهاً بمدرّس طموح في مهمة خاصة، على عكس فضاء أثينا العمومي، لم يُسمع أفلاطون ولم يُرى فعله، إنما، وبخيبة أمل كبيرة يمكن ملاحظتها في كتابه ذاته الرسالة السابعة، عاد أفلاطون خائباً مهزوماً. وكأنه دخل غرفة صدى لا يسمع فيها إلا صوتاً واحداً يكرّر نفسه حتى اللانهاية: صوت السلطان وأتباعه.

الفيلسوف في حضن السلطة

يقول نيتشه إن السمعة والمجد، كصفتين مكملتين لبعضهما، كانا من أسمى الصفات في الثقافية اليونانية القديمة؛ أن يُفنى الجسد ويبقى المرء حاضراً بسمعته يعني أن ينتهي به المطاف بفعل بطولي لا يكف اللسان عن الحديث بأمره وتمجيده. ذلك ما اعتقده المعلم سقراط، عندما تسنّت له الفرصة من الهروب من حكم الإعدام لكنه رفض، فسادت على سمعته بطولة حكيمة عابرة للتاريخ. يبدو أن تلميذه المخلص أفلاطون ساء التقدير، حيث ارتقى له أن يدخل الفعل السياسي من باب السلطة، باب من أعلى هرم المجتمع، على عكس سقراط الذي أدرك منزلة فعله بين الشباب والعموم.

في أحضان السلطان، كان على الفيلسوف أن يكيل المديح والثناء على الطاغية، لا النقد وذكر الرذيلة. وما إن قام بالانتقاد حتى كان مصيره أن يُستبعد من المشهد، ويُقصى شريكه ديون خارج حدود السيادة الملكية

من المجحف القول إن أفلاطون كان حاملاً تصوراً لنفسه على أنه رجل سلطة، وبيان ذلك فيما ذكره في كتابه بأن دوافعه كانت قائمة على عدم خذلان صديقه ديون، وعدم التواطؤ مع الممارسة على حساب النظرية والبقاء في مجاز الكلمة.

إنها لدوافع أخلاقية، لكنها تحيي لنا درساً بأن الفلسفة لا تعيد إنتاج السلطة ذاتها إلى ما هو أكثر عدالة. وما يدّعيه أفلاطون من عمل الفيلسوف المُنير في الكهف المُظلم، لا يُحبذ أن يكون في أحضان السلطة -وبالتأكيد ليس في عزلة الكتابة والتأمل فقط- إنما في فضاء المدنية، أسفل هرم المجتمع، وفي الهوامش بين اختلاف الجماعات وتفاوت آرائهم، يتحرك هناك كقوة موازية للسلطة السياسية القائمة.

ففي أحضان السلطان، كان على الفيلسوف أن يكيل المديح والثناء على الطاغية، لا النقد وذكر الرذيلة. وما إن قام بالانتقاد حتى كان مصيره أن يُستبعد من المشهد، ويُقصى شريكه ديون خارج حدود السيادة الملكية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard