عن مدن سورية طالها النسيان والخراب ودمار الحرب

الجمعة 13 أغسطس 202110:54 ص

ضمن منطقة جغرافية واسعة مستطيلة الشكل مساحتها نحو 5600 كيلومتر مربع، وبين محافظتي حلب وإدلب شمال سوريا، تتموضع مدن يقارب عددها 780، وتتضمن الكثير من المواقع الأثرية التي تنتمي إلى حضارات مختلفة يعود تاريخها لآلاف السنين.

من هذه المواقع 135 موقعاً تقوم على خرائب مسكونة، و322 موقعاً قامت على أنقاضها تجمعات سكنية حديثة، و321 موقعاً محفوظاً بشكل مناسب، إلاّ أن تغيرات كثيرة طرأت على هذه المنطقة، ولم يبق من هذه المدن إلا 60 موقعاً، هي التي يسميها علماء الآثار المدن المهجورة أو العتيقة أو المنسية، بسبب خلوّها من السكان.

يعود بناء هذه المدن إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والسابع الميلادي وحتى القرن العاشر، وقد بدأ الاستيطان والاستقرار فيها منذ القرون الأولى للميلاد. حدودها من الجهة الشمالية قورش (النبي هوري) ومن الجهة الجنوبية أفاميا، ويحدّها من الجهة الشرقية طريق حماة حلب إعزاز، ومن الغرب وادي العاصي ووادي عفرين.

بين محافظتي حلب وإدلب شمال سوريا، تتموضع مدن يقارب عددها 780، تنتمي لحضارات قديمة مختلفة، وتسمى "المدن المنسية".

تتربّع المدن المنسية على سلسلة مكونة من سبعة جبال قليلة الارتفاع، هي جبل سمعان، الحلقة، الأعلى، الدويلة، باريشا، أريحا والزاوية، وتتكون من كتلتين تفصل بينهما مدينة البارة.

وقد أضافت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم اليونسكو في شهر حزيران من العام 2011 المدن المنسية إلى قائمة التراث العالمي، وأطلق عليها منذ ذلك التاريخ اسم القرى الأثرية أو القديمة في شمال سوريا.

فنّ العمارة الإسلامية هو الاسم الذي أطلقه علماء الآثار على الأسلوب الموحد الذي بنيت عليه المدن المنسية، تميزاً عن فن العمارة الكلاسيكية اليونانية والرومانية، ويتميز هذا الفن بأسلوب زخرفة جميل لا مثيل له في العالم من الداخل والخارج.

وعن هذه المدن وتسميتها، يقول الدكتور عماد الدين عساف، عضو مجلس إدارة اتحاد غرف السياحة السورية ورئيس شعبة الأدلّاء السياحيين سابقاً، في حديث لرصيف22: "أطلقت عليها تسمية القرى نظراً لشكلها وخاصيتها، إذ إنها مصفوفة بلا ترتيب مع مبانٍ عامة وحيدة لمعابد وثنية ثم مسيحية. وفيها حمامات أحياناً، دون وجود أي شارع أو ساحة عامة تفصل ما بينها، بل هناك مساحات غير واضحة الحدود مقسمة بصورة غير متجانسة تضيع في الفراغ أو تشبه الأرض البور.

وعليه، فإن القرى والمدن الأثرية المنسية أو الميتة، كما اصطلح على تسميتها سابقاً تمييزاً لها عن بقية المواقع الأثرية الأخرى، تتخذ من الجزء الشمالي الغربي من سوريا جزءاً غنياً بمعالمه المتعددة، وقد حافظت على طابعها الكلاسيكي الممتد من الفترة الرومانية وحتى الإسلامية مروراً بالفترة البيزنطية وهي فترة نشوء المسيحية، ولما شكلته تلك المناطق فيما بعد من مراكز تنوير وإشعاع ديني للعالم الغربي".

من هذه المواقع 135 موقعاً تقوم على خرائب مسكونة، و322 موقعاً قامت على أنقاضها تجمعات سكنية، و321 موقعاً محفوظاً بشكل مناسب. اليوم لم يبق من هذه المدن إلا 60 موقعاً، هي التي يسميها علماء الآثار المدن المهجورة أو العتيقة أو المنسية، بسبب خلوّها من السكان

البارة

"كايروبارا" هو الاسم الذي أطلقه الرومان على قرية البارة الأثرية الواقعة بين ثنايا جبل الزاوية في محافظة إدلب. تعود هذه المدينة للقرن الثاني الميلادي، وقد وجد اسمها منقوشاً على حجر عثر عليه في بناء يسمى الدير، حيث عرفت باسم كفر أدبرتا، وفيها العديد من الآثار التي تعود إلى عصور مختلفة.

ومن قلاعها قلعة أبو سفيان وتعتبر من أهم القلاع في سوريا، وقد بنيت في زمن الحروب الصليبية ولعبت دوراً كبيراً في حماية البارة.

أنقاض قرية البارة

أنقاض قرية البارة

الرويحة

قرية أثرية تقع شمال غرب مدينة المعرة في ريف إدلب ويعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي واستمرت حتى القرن السابع، وتتميز بِدُوْرِها ذات الباحات الفخمة والواسعة ومداخلها الجميلة الغنية بالزخارف والنقوش، فيها كنيستان تعودان للقرن الخامس الميلادي، وتتسم مدافنها بطراز معماري فريد، خاصة المدفن الروماني.

جرادة

وتقع شمال معرة النعمان، ومن أهم أوابدها البرج الذي يتكون من خمسة طوابق بارتفاع 15 متراً، وفيها كنيسة تعود للقرن الخامس الميلادي.

قرية جرادة

قرية جرادة

سرجيلا

عرفت سرجيلا باسم "شنشرا"، وتقع غرب معرة النعمان. تعود إلى الفترة الرومانية البيزنطية، وفيها كنائس ومدافن سطحية ذات نقوش جميلة ومعاصر تعود للقرن الرابع الميلادي.

أنقاض قرية سرجيلا

أنقاض قرية سرجيلا

حمام الشيخ عيسى

سمي بذلك نسبة الى أحد الصالحين، وهو الشيخ عيسى الذي يقع مزاره في الجهة الشرقية من الحمام، ويقع إلى الشمال الغربي من جسر الشغور. يتميز بمياهه الكبريتية المفيدة لعلاج الأمراض، ويرتاد الزوار هذه المنطقة في كل فصول السنة طلباً للعلاج.

النبي هوري سير هوس

اسمها اليوناني سيروس، تقع شمال شرق مدينة عفرين، ويمر إلى الشرق منها نهر سابون. كما سميت أجيابولس، أي مدينة القديسين كوزما ودميانوس، وقد بنيت كنيسة حول قبريهما، وكنيسة سمعان الغيور التي بناها ودفن فيها بعد موته.

مدينة النبي هوري

مدينة النبي هوري

قلب اللوزة

تعتبر من روائع الفن السوري في العهد البيزنطي، وتبعد 60 كيلومتراً غرب حلب، وفيها كنيسة الثالوث الأقدس وأربع لوحات أثرية تعود إلى عام 480 ميلادي.

وعن هذه الكنيسة يقول عماد الدين عساف: "تقع ضمن مدينة قلب اللوزة الأثرية في جبل باريشا، شمال مدينة إدلب، وتعتبر من أجمل الكنائس البيزنطية في سوريا، ويعود تاريخها إلى القرن الخامس وبداية السادس الميلادي، وقد تأثر بناء كنيسة قلب اللوزة بفن العمارة السورية القديمة، وسميت بقصر لوزة، وأحياناً قلب لوزة، أما المؤرخ الغزي فقد ذكرها باسم قلب لوزة، ولكن بعض الباحثين أطلقوا عليها تسمية كاتدرائية. يبلغ طول بنائها 25 متراً وعرضه 15 متراً، وهي ذات صحون ثلاثة، وتتألف من أروقة على الجانبين مزينة بزخارف جميلة، وتعلوها أعمدة وتيجان، ويحيط بها سور من الحجر الكلسي".

كنيسة قلب اللوزة

كنيسة قلب اللوزة

خراب الشمس

في الشمال الشرقي من قلعة سمعان، وبقلب مجموعة من الخرائب والآثار المختلفة تقع مدينة خراب الشمس، وفيها كنيستان تعودان إلى القرن السادس الميلادي ودير لسكن الرهبان يعود للفترة الرومانية.

من أهم آثارها البرج الخاص وارتفاعه 11 متراً، وتشير الكتابات على الجدار الشرقي للبرج إلى اسم الناسك الذي كان يقيم عليه وهو العازر، وفي القرون الوسطى تم تحويل هذا البرج إلى حصن دفاعي.

خراب الشمس

خراب الشمس

باقرة

تعود للقرن الخامس الميلاد، وهي قرية أثرية مهجورة فيها دور وأسواق وكنائس.

دار قيتا

يعود تاريخها إلى القرن الأول الميلادي. فيها أيضاً عدد من البيوت والمعاصر والعديد من الإسطبلات لتربية المواشي، وآثار ثلاث كنائس. لم يتبق من المدينة الأثرية والكنائس الثلاثة سوى بقايا حجارة متناثرة هنا وهناك، وكتابات تدل على تاريخ بناء عدد من تلك المعالم الأثرية فيها.

قرقبيزا

تعود إلى أواسط القرن الرابع الميلادي وتبعد 50 كيلومتراً عن إدلب. فيها كنيسة ومعابد.

بنصرة

فيها كنيستان متجاورتان وتشرف على وادٍ شديد الانحدار. مغاراتها محفورة في الصخر ومعاصرها وأبنيتها مخربة.

تأثرت هذه المواقع بالحرب، وتشير التقديرات إلى أن حوالي خمسمئة منها تعرّضت لأضرار مختلفة جراء القصف، والتنقيب غير القانوني، وتحولها لمساكن للاجئين، وفتح الطرقات وبناء الأنفاق والتحصينات، واستخدامها كمقرات عسكرية، والتدمير المتعمّد بدوافع عقائدية

الفاسوق

تعود المدينة إلى القرن الأول الميلاد، وفيها بعض الآثار الوثنية التي تعود إلى القرن الثاني الميلادي، وأيضاً كنيستان تعودان إلى العهد البيزنطي.

كيمار

تنتشر فيها المغارات وهي من أهم المدن في الحقبة الرومانية البيزنطية من القرنين الخامس والسادس الميلادي، فيها دور سكن وكنائس وصهاريج لجمع المياه.

قلعة نجم

قلعة أثرية تقع بالقرب من مدينة منبج، في منطقة زراعية خصبة فوق تل، بجوار نهر الفرات شمال شرق مدينة حلب. تعود إلى القرنين الثامن والتاسع الميلادي. القلعة مؤلفة من ثلاث طبقات، تحتوي الأولى على ممرات سرية ومستودعات وأبراج دفاعية، أما الثانية فتضمّ قصر الإمارة والحمامات والقاعات العديدة، أما الطبقة الثالثة فتشكل الطبقة الأولى فوق الأرض، فيها مسجد القلعة وبعض الأبنية والمرافق التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي.

كنيسة مهجورة تعود للقرن الرابع الميلادي في شمال سوريا

كنيسة مهجورة تعود للقرن الرابع الميلادي في شمال سوريا

ومثلها مثل بقية المدن، أصابها الجمود والتراجع لعدة أسباب يذكرها الدكتور عماد الدين عساف: "أصابها الجمود لا بل التراجع بدل النمو والإنتاج الاقتصادي ما بين العامين 230-350 ميلادي، وهو أمر يمكن ربطه بعواقب وباء الطاعون الذي وقع عام 250 وبانعكاساته، وبسبب الحروب التي قام الفرس بوساطتها بإخضاع الإمبراطورية الرومانية، وبسبب الانشقاقات التي خلفتها تلك الحروب في المنطقة، والتي أثرت سلباً على عدد من طرق التجارة القريبة من تلك القرى، التي كانت لها الأهمية الكبيرة في نقل فائض الإنتاج المحلي من القرى والمدن المجاورة إلى مناطق أخرى نحو أوروبا".

بقي أن نقول إنّ هذه المدن تأثرت أيضاً بالحرب على سوريا، وتشير التقديرات إلى أن حوالي خمسمئة من هذه المعالم والمواقع وربما أكثر، قد تعرّضت لأضرار مختلفة جراء عمليات القصف بالأسلحة الثقيلة، أو التنقيب غير القانوني وانتشال وبيع حجارتها الأثرية، أو مخالفات البناء، وتحولها لمساكن للاجئين من المدنيين، أو عمليات التجريف وفتح الطرقات ضمن حرم بعض هذه المواقع أو بناء شبكات الأنفاق والتحصينات، أو نتيجة استخدامها كمقرات عسكرية أو معسكرات للتدريب، ناهيك عن التدمير المتعمّد لبعض هذه المعالم بدوافع عقائدية، كما حدث لموقع دير سمبل، من قبل التنظيمات المتشددة.

*مصدر الصور مواقع انترنت مختلفة وموقع وزارة السياحة السورية

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard