دراسة تحدد موقعاً في سوريا كـ"أقدم نصب تذكاري للحرب في العالم"

الجمعة 28 مايو 202102:25 م

فيما سوريا اليوم ساحةً لحرب أهلية مستمرة منذ أكثر من 10 سنوات خلّفت العديد من المقابر الجماعية، رجحت دراسة كندية أن يكون موقع بمحافظة حلب، شمال البلاد، "أقدم نصب تذكاري معلوم للحرب في العالم"، باحتوائه على عدد "غير عادي" من جثث ضحايا حرب دارت، على ما يبدو، رحاها في الألفية الثالثة قبل الميلاد.

بحسب الدراسة التي شارك فيها عدد كبير من علماء الآثار تقودهم البروفيسورة آن بورتر من جامعة تورنتو الكندية، يُعتقد أن موقع "النصب الأبيض" في قرية "تل البنات"، قرب مدينة عين العرب بحلب، كان بمثابة تكريم لقتلى الحرب في الألفية الثالثة قبل الميلاد.

اكتشاف أقدم نصب تذكاري للحرب في العالم في سوريا

علام عثروا في الموقع؟

سابقاً، كان الموقع المعروف بـ"النصب التذكاري الأبيض"، يُعتبر مقبرة جماعية قديمة لمقاتلي الأعداء. لكن الدراسة المنشورة في مجلة "أنتيكوتي"، الجمعة 28 أيار/ مايو، ترجح أنه كان نصباً تذكارياً لتكريم قتلى المجتمع خلال حرب في الألفية الثالثة قبل الميلاد.

كأن الموت والحروب قدر السوريين منذ فجر التاريخ... دراسة كندية تحدد تلاً في سوريا على أنه "أقدم نصب تذكاري معلوم للحرب في العالم" ونتائجها تتحدى "بعض الأسس التقليدية لعلم آثار الشرق الأدنى"

ويصل ارتفاع "النصب الأبيض" إلى 22 متراً وقطره يبلغ 100 متر. وتلفت الدراسة إلى أن التل الشاهق الموجود منذ عام 2700 قبل الميلاد على أقل تقدير، قد أُضيفت له سلسلة من الطبقات تحتوي كل منها على نحو 30 مقبرة مختومة بالجص.

ويشبه الموقع هرم سقارة المصري المدرج، وترجع تسميته إلى اللمعان الأبيض الذي أعطته إياه المواد المستخدمة في بنائه. وكان علماء الآثار قد نقّبوا عن التل الاصطناعي لأول مرة قبل عدة عقود.

ويقول معدو الدراسة إن الوضع المنهجي للقتلى يشير إلى أن كومة الجثث كانت على الأرجح نصباً تذكارياً لجيش نظامي، جيش الدولة، إذ استخدم العربات في المعركة وحمل عليها الجثث إلى مسافة بعيدة لاحقاً.

بارتفاع 22 متراً وقطر 100 متر، أنشأ سكان بلاد ما بين النهرين، في سوريا الآن، نصباً تذكارياً لقتلاهم في الحرب يشبه إلى حد كبير هرم سقارة المدرج في "رسالة إلى المجتمعات المجاورة"

وتركز الدراسة على كيفية وضع المدافن في النصب التذكاري الأبيض بعناية في مكان طقسي جنباً إلى جنب مع معدات القتلى العسكرية. وقد اعتبرت إعادة دفن القتلى بعناية ومع معداتهم العسكرية، في إضافة خاصة إلى نصب تذكاري قائم، دليلاً قوياً على جهود المجتمع للاحتفال بمحاربيه.

ما أهمية الكشف؟

وتنتشر مواقع مشابهة في جميع أنحاء شمال سوريا، إذ يُعتقد أن بعضها كان أنصاباً تذكارية للفتوحات في المعارك حيث يُدفن قتلى الجيوش المهزومة عشوائياً في مقابر جماعية. وتوجد العديد من النصوص الأثرية من بلاد ما بين النهر تتحدث عن هذه المقابر الجماعية للأعداء دلالةً على النصر، وإن لم يُعثر على أي منها فعلياً.

ويشدد العلماء في الدراسة الأخيرة على أن موقع تل بنات يختلف من حيث تنظيم الموقع وتكوين كومة الجثث؛ يشير تجميعها الدقيق إلى تقدير قتلى الحرب.

يثير الاكتشاف المهم احتمال أهمية المواقع الأخرى في شمال سوريا ووسطها، والتي لم يتم فهمها بشكل كامل إلى الآن وقد توفر أرضاً خصبة للبحث الأثري مستقبلاً

وأوضحت المؤلفة الرئيسية، بورتر: "لقد كرّم القدماء أولئك الذين قتلوا في الحروب، تماماً كما نفعل نحن. لا نعرف ما إذا كانوا هم (الجثث) المنتصرين أو الخاسرين في تلك المعركة. نحن نعلم أنه (جيش الدولة) أخذ جثث الموتى من مكان آخر، ربما بعد فترة طويلة من المعركة، ودفنها في كومة ضخمة يمكن رؤيتها لأميال من جميع الاتجاهات".

وفي حين يُعتبر الاكتشاف بمثابة أول نصب تذكاري معروف للحرب في أي مكان في العالم، تشير الدراسة إلى أن بناءه - كمشروع كبير في ذلك الوقت- كان من شأنه أن يبعث برسالة إلى المجتمعات المجاورة.

في غضون ذلك، يثير الاكتشاف المهم أهمية المواقع الأخرى في شمال سوريا ووسطها، والتي لم يتم فهمها بشكل كامل إلى الآن وقد توفر أرضاً خصبة للبحث الأثري مستقبلاً.

وتختم بورتر: "هذه النتائج لم تتحدَّ فقط بعض افتراضات المنقبين، ولكن أيضاً بعض الأسس التقليدية لعلم آثار الشرق الأدنى. كان هذا يشبه إلى حد كبير هرم سقارة المدرج، وكان بنفس الحجم تقريباً، لكنه كان مصنوعاً من التراب لا من الحجر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard