قلمي ذهب، أرفض أن يضيع في القتال: قصيدة غير معروفة لأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا

السبت 5 يونيو 202110:15 ص

 فسحة الضلال والخطيئة والغواية لرصيف22. لا نبكي ولا نتفجّع، لا نتهم ولا نقاوم، لا نتشفّى ولا نصمت، بل ندوّن الأبدية على أبدان محروقة


هذه هي القصيدة  المشتركة الثانية لأنسي الحاج، والتي كتبت بعد هزيمة 1967، ونشرت في نفس العدد مع القصيدة السابقة لأنسي الحاج وناديا تويني.

يظهر فيها الشعور باليأس الممزوج بالخيبة، وبنفس الوقت لا يتخلّى الشاعران الحاج وأبي شقرا، عن أسلوبهما السوريالي الطريف أحياناً والحزين أحياناً، والمدهش في كل الحالات.

تبدو القصيدة على شكل رقصة هنديين حول نار الحرب، لكن بعد انطفائها، رقصة يتقنها الشاعران، ويضعان فيها كل موهبتهما في السخرية من الجدية الملازمة للحرب والحرب الملازمة للإنسانية، مع اختلاف التجربتين الشعريتين وافتراقهما أحياناً وتقاطعهما أحياناً أخرى، يبدو أسلوب الرجلين واضحاً كل الوضوح: أبي شقرا بريفيته ونثريته العالية والحاج بعبثيته ولعبه بالكلام وجمله الحازمة والمدهشة.

أيضاً هذه القصيدة/الحوار لم يتم الإشارة إليها أبداً بعد نشرها في العدد 35 من مجلة شعر، وظلت حبيسة الأعداد القليلة المتبقية من هذه المجلة، نقوم بالتذكير بها لما لها من دلالة على أسلوب الشاعرين الرائدين في قصيدة النثر، وبالطبع للدهشة التي تتجدد في حوار شعري راقص، يستحق أن يُقرأ مراراً.

 تبدو قصيدة أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا كرقصة هنديين حول نار الحرب، لكن بعد انطفائها، رقصة  يضعان فيها كل موهبتهما في السخرية من الجدية الملازمة للحرب والحرب الملازمة للإنسانية...مجاز في رصيف22, مساحة للكتابة الإبداعية

 أين كنت يا سيدي في الحرب؟

أ، هو أنسي الحاج، ش، هو شوقي أبي شقرا: الحوار يوم الحرب، حول الحرب.

 الزمن الأول

ش- أين كنت يا سيدي في الحرب؟

أ- حذفتني الرقابة.

ش- لكني رأيتك على البياض المتروك.

أ- لأن أصلي أبيض.

 ش- ألا تريد الأسود؟

أ- فوق ركبة بيضاء، فوق ركبة بيضاء.

ش- تك. تاك. توك. ألم تسمع؟

أ- سمعت كل اللغة العربيةـ ولم أعد أصدق.

ش- رأيت بأذني وسمعت بعيني وشاهدت بفمي، كانت

      الطائرات يا سيدي الأبيض تحوم والدخان يلجلج

      والعسكر يكسر وينكسر. صدقني وصدقها. انظر

      إلى يسارك ترى وتسمع وتشاهد. 

أ- نظرت إلى يساري وتعب قلبي. لم تقع الحرب.

   من ليس له حرب يكون تمثالاً. يكون كوكباً.

   الحرب فيك حتى وأنت أبيض.

أ- أنا رئيس الجيوش المنتصرة (مراقبة)

 شوقي أبي شقرا: "أنا رزقت مولوداً ذكراً. سأعلمه الحرب وأن يصير قائداً ينتصر. عندك أولاد أم أنت عاقر؟". أنسي الحاج: "أنا جار حزين، أغلقت أبوابي وكتبت عليها: هنا ترقد الحرب والسلام"... مجاز في رصيف22، مساحة للكتابة الإبداعية

ش- (مراقبة)

أ- بلدي بعيد وراء العالم. بلدي في يأسي.

ش- كم عدد سكانه؟

أ- واحد كالسماء فوق النجوم.

ش- أليس في بلدك امرأة وعجوز وطفل وفتى ومدخنة؟

أ- يجيء إلى بلدي قطار.

ش- من يسوقه؟

أ- ساعي البريد.

ش- موظف أو شاعر؟

أ- هندي أحمر، مثل شجرة.

ش- عازف كمان؟ يدخّن غليوناً؟

أ- غامض وعطوف، عنده ابنة جميلة.

ش- أهو أنت؟

أ- أنا رئيس الجيوش المنهزمة. (مراقبة)

ش- أنا رزقت مولوداً ذكراً. سأعلمه الحرب وأن يصير

      قائداً ينتصر. عندك أولاد أم أنت عاقر؟ 

أ- أنا جار حزين، أغلقت أبوابي وكتبت عليها: هنا

    ترقد الحرب والسلام.

 الزمن الثاني

ش- الطقس. يهمني الطقس. نصل إلى القمر إذا كان صاحياً.

أ- يهمّني العرب. لا يهمّني العرب.

-أين كنت يا سيدي في الحرب؟
- حذفتني الرقابة.
- لكني رأيتك على البياض المتروك.
- لأن أصلي أبيض.
- ألا تريد الأسود؟
- فوق ركبة بيضاء، فوق ركبة بيضاء.

ش- تلك الليلة ألف ليلة وليلة. شهرزاد كانت طائرات

       شهريار صدره انفتح عند الصباح.

أ- وانطبق عند الصباح. الطقس، هنا، نثر رديء.

ش- أنا المطران والله حرب. لست مستحقاً التقدم

      إلى مذبحك الطاهر... 

أ- ليس مستحقاً التقدم من فمي الطاهر.

ش- سياجنا ضد العنكبوت. سقفنا ضد الشمس. عندنا

       زيتون، أهلا وسهلاً بالمحاربين.

أ- ما لي ولك يا رجل. ما لي ولكَ يا امرأة. ما لي ولكِ

   يا حرب. ما لي ولك يا سلام. أريد أن أنام حتى النظام.

ش- الرتابة أفعى تتزحلق على الثلج، تتزلج على الماء،

      لونها كاكي، هي فتاة نائمة في غابة. من الشباك

      أكسر لها خبزاً قائلاً هذا جسدي، وأناولها ماء قائلاً

      هذا دمي فاشربيه.

أ- اليوم الأحد. القمر مكسوف. عمري سبع سنوات

   ماتت أمي. كانت أمي بحارة، نشف من أحزانها

   البحر. كانت أمي طيارة، كانت أميرة الجو

   ذات يوم خانتها الرياح. ذهبت أمي وراء الرياح.

   تركتني وحدي في اللغة العربية.

ش- على خصري غمد. في الغمد سكين مطبخ، حملت

      السكين ورحت مرتدياً ذاتي وعلى رأسي خيمة

      سنديان، وعلى رأسي خربة شمس، وفي يدي إبريق

      زيت وحكاية الإبريق. وصلت إلى الغابة. نهضت

      الحروف والنمور. صرت أقطع أقطع أقطع. أكلت 

      الضب والخنزير. سبحت في الهواء وشممت الماء.

      ولساني أسود من أكل الكبوش.

 شوقي أبي شقرا: "سياجنا ضد العنكبوت. سقفنا ضد الشمس. عندنا زيتون، أهلا وسهلاً بالمحاربين". أنسي الحاج: "ما لي ولكَ يا رجل. ما لي ولكِ يا امرأة. ما لي ولك يا حرب. ما لي ولك يا سلام. أريد أن أنام حتى النظام"... مجاز في رصيف22، مساحة للكتابة الإبداعية

أ- انتظرتك أمس، لماذا تجيء اليوم؟ فوق رأسك

    قبعة، فوق رأسي خيمة السماء.

ش- حدْ من طريقي، وزني ارتفع وتضخمت من شرب

       العسل. العمالقة شعبي. قيس بن الملوح ذاب من

       لذعات الهوى، وليلى تبكي على الأطلال.

أ- أنت حر.

ش- أورشليم، أورشليم، إن أنسك فلتنسني يميني...

أ- أنا يساري.

ش- أنا إلى اليسار.

أ- أنا مهزوم. أنا أضحك. أنا مهزوم. أنا خائن.

   ساحة الشهداء قبيحة، علقوني في ساحة الحمراء.

ش- اسرح وامرح واضحك. إذا علقوك نتفرج عليك

      ونضحك. نخبك، سأروح معك.

أ- إلى أين؟

ش- إلى القهوة والفنجان.

أ- غيري صلاح الدين، أنا علاء الدين.

ش- خبطة على الباب. هذا سليمان جدي. أنا ابن أبي

      ابن سليمان.

أ- أوحت لي الحرب كل شيء. لم توح لي شيئاً. قرعوا

   الباب فتحت لهم. قرعوا الباب لم أفتح.

ش- البومة تحولت كناراً، وغنى الكنار على رؤوس الحراب.

أ- نحن هنا بإرادة الشعب ولن نخرج إلا على رؤوس الأصابع.

ش- الذي انتظرناه وصل إلى المطار، نزل وعانقنا حتى اختنقنا.

أ- أعرف عجوزاً سيبكي غداً على ولده.

ش- ويأتي بباقة شوك، ويأتي بقرط موز يأكله على القبر.

 شوقي أبي شقرا: "المياه العكرة خسرت براءتها، وزجاجي انكسر، فلم أعد أرى وبين الأخبار تورّمت شفتاي كعقصة دبور. وانتفخت وجنتاي كشارب نبيذ، وهطل المطر فأعماني". أنسي الحاج: "سأظلّ أتردد على الحرب في السينما"... مجاز في رصيف22، مساحة للكتابة الإبداعية

أ- ويسأل لماذا؟ ويسأل لمن؟ ويهتز شاربه الأبيض.

ش- وتولد دمعتان تحت حاجبيه كحدوتي حصان

      وتركضان نزولاً من الجبل إلى سفح ذقنه.

أ- ويمشي طويلا عند الأصيل.

ش- ويطلع صوته "هه هه" ملوثاً بالحزن حارّاً كفرن

      وتطلع شجرة وتيبس شجرة من لفح صوته وعليه.

أ- وفي الممر الأخضر يداعب ورقة رطبة تتبعه من شبابه.

ش- ويمسك حجراً فيرميه نحو السماء ويمسك قميصه كي

      لا يقع ويضربه البرد على فخذيه.

أ- قل، هل خسرنا الحرب؟

ش- خسرناها حتى الموت.

أ- ماذا نفعل؟

ش- أشعل سيجارة والحرب.

أ- قلمي ذهب، أرفض أن يضيع في القتال.

ش- خرب بيتي وطارت الحمامات عن السطح.

أ- يا خليلتي... يا يمامتي...

ش- يا ليل الحرب متى غده؟

أ- يدكِ كخاتم على قلبي.

ش- ضممتها لما وقعنا ونمنا حباً على الأسلاك الشائكة.

أ- كبرج لبنان الناظر إلى دمشق.

ش- طبخنا الحبق في غياب القمح والسكر والأرز.

أ- تموّنت لأولادي كتباً جميلة، تموّنت المخدر والأشواق.

ش- رجعت راكضاً إلى البيت وتحت إبطي خريطة فلسطين

      ومن جبيني حبات عرق تفر وتقع على الاستراتيجية.

أ- وراء الزجاج الأزرق كانت امرأة تطفئ الراديو بحسرتها

   عطف الأزرق علينا، حمانا من لا شيء.

ش- تعال نودع السلاح، وفي ظل المنارة نتنزه ونشتري

      لوزاً أخضر وملحاً وترمساً وفستقاً غير مقشر.

أ- أنا طفل والمستقبل كسلي، أنا أيضاً أقول الحرب

   مسألة رجال. ليكن الرجال رجالاً: أنا بريء من دمائهم.

ش- المياه العكرة خسرت براءتها، وزجاجي انكسر

      فلم أعد أرى وبين الأخبار تورّمت شفتاي كعقصة دبور.

      وانتفخت وجنتاي كشارب نبيذ، وهطل المطر فأعماني.

أ- سأظلّ أتردد على الحرب في السينما.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard