"تغيّر المناخ أخطر من جائحة كورونا"... هل يلحق الضرر بالدول العربية؟

السبت 5 يونيو 202110:49 ص

"تغيُّر المناخ أخطر بكثير من الجائحة التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا". هذه هي الخلاصة التي يتبنّاها الخبير البيئي خالد سليمان، مشيراً إلى أن تغيّر المناخ ينعكس سلباً على مختلف الأنشطة البشرية.

رغم ذلك، لا تولي سياسات الحكومات العربية اهتماماً كبيراً بهذا الموضوع، مع أن ما يستهلكه مواطنوها من غذاء وما يشربونه من مياه يتأثر بها. ويجري هذا التجاهل برغم إطلاق منظمات دولية ودراسات مسحية وعلمية تحذيرات ودعوتها إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية سكان كوكب الأرض.

يوضح سليمان لرصيف22 أن التغيرات المناخية تنتج عن زيادة درجات الحرارة حول العالم مع زيادة انبعاث غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، بسبب عدد من الأنشطة البشرية، من بينها استخدام الوقود الأحفوري بأشكاله المختلفة، خاصة في الصناعة.

ويضيف أن ارتفاع درجة حرارة الأرض ستكون له تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على كثير من الأمور في حياتنا، "فعلى سبيل المثال، يسبّب تبخر المياه العذبة السطحية الموجودة على كوكب الأرض والتي تستخدمها الكائنات الحية، ويسبب تراجعاً في إنتاج المحاصيل الزراعية بسبب ندرة المياه، وتوقف زراعة المحاصيل التي لا يمكنها النمو في درجات الحرارة المرتفعة، علاوة على انتشار ظاهرة حرائق الغابات بشكل أكبر من المعتاد".

تهديد الأمن الغذائي

يرتبط ارتفاع درجات الحرارة بشكل مباشر مع النقص في إنتاج الغذاء، بسبب تأثيره على تبخر المياه العذبة الموجودة على سطح الأرض، وما يرتبط بذلك من تراجع في مساحات الأرض المزروعة.

ويظهر الأثر المباشر لذلك في كثير من القرارات التي تتخذها حكومات بعض الدول بحظر زراعة بعض المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، مثلما حدث في مصر مع زراعات الأرزّ والموز.

وأوضحت دراسة أعدّها باحثون في جامعة فيرمونت أثر ارتفاع درجة الحرارة وتذبذب معدلات هطول الأمطار على تنوّع النظام الغذائي للأطفال في مناطق مختلفة حول العالم، وكشفت أن ارتفاع درجات الحرارة هو أحد المسببات الرئيسية لسوء تغذية الأطفال، بمعدلات تفوق العوامل التقليدية الأخرى، مثل الفقر وسوء خدمات الصرف الصحي، وتدهور التعليم.

تقول مقررة اللجنة الوطنية للمسائل البيئية في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا المصرية إيمان عبد العظيم إن التغيّرات المناخية تأثيرها بالغ على النشاط الاقتصادي، سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب، و"يظهر تأثيرها الأكبر في قطاعات حيوية مثل الزراعة، والتي تتراجع يومياً بشكل كبير بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب معدلات سقوط الأمطار".

وبالتالي، تتابع، "تتوسع ظاهرة التصحر وتقلّ المساحات المزروعة بالمحاصيل التي توفّر الأمن الغذائي للشعوب، خاصة الزراعات المعتمدة على الأمطار وشبه الجافة، ما يؤثر بشكل كبير على سكان الدول النامية، التي تُعَدّ أول المتضررين من نقص الأمن المائي والغذائي".

تفشي الأمراض

لظاهرة حرائق الغابات تحديداً تبعات خطيرة، يشرح خالد سليمان، فهي "تؤدي إلى زيادة معدلات انتشار غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء تيقلل المساحات الخضراء التي تنتج غاز الأكسجين اللازم للتنفس، علاوة على أنها تقضي على الموائل الطبيعية لملايين الكائنات الحية الدقيقة، إذ تطلقها في الهواء وتنقلها الرياح إلى المناطق السكنية، ولهذا تبعات صحية خطيرة على سكان المناطق القريبة من الغابات المحترقة".

ويرتبط ارتفاع درجات الحرارة بشكل مباشر بتوسع الوجود الجغرافي للأمراض التي تنقلها الحشرات، مثل الملاريا وحمى الضنك.

عند حدوث جفاف يتضرر الفقراء أولاً، خاصة مَن يعتمدون في حياتهم على الزراعة، وعند حدوث الفيضانات أيضاً يتضرر الفقراء أولاً، فهم يقطنون في مناطق "عشوائية" بنيتها التحتية ضعيفة

وتوضح دراسة بحثية نُشرت في مجلة MBIO عام 2019 أن ارتفاع درجات الحرارة ضار على صحة الإنسان، إذ تعتمد الثدييات في دفاعها ضد العوامل الممرضة على درجة حرارة الجسم المرتفعة التي تزيد عن درجة الحرارة المحيطة بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان. وفي العادة، لا تتحمل العوامل المُمرضة أجسام الثدييات الدافئة، التي تبلغ 37 درجة مئوية، لكن ارتفاع درجات الحرارة تدريجياً يمنح العوامل الممرضة فرصاً إضافية للتأقلم والتغلب على درجة الحرارة المرتفعة داخل جسم الإنسان.

الكوارث الطبيعية

كل هذه الأمور قد لا يبصرها الناس بشكل مباشر، بعكس الكوارث الطبيعية، خاصة تلك الناجمة عن تغيّرات في وتيرة هطول الأمطار: يتسبب نقص معدل تساقط الأمطار بالقحط والمجاعات، فيما تتسبب زيادته بفيضانات قد تأكل الأخضر واليابس في طريقها.

ويحذّر المختص في قضايا البيئة والمناخ أحمد سبع من أن الجفاف والفيضانات تؤثر بشكل مباشر على الفئات الهشة، خاصة في الدول النامية، فعند حدوث جفاف يتضرر الفقراء أولاً، خاصة مَن يعتمدون في حياتهم على الزراعة، وعند حدوث الفيضانات أيضاً يتضرر الفقراء أولاً، فهم يقطنون في مناطق "عشوائية" بنيتها التحتية ضعيفة، كما أن جزءاً كبيراً منهم يقطن على مقربة من السهول الفيضية أو أحواض التصريف المائي.

يضرب سبع مثلاً بالفيضان الأخير الذي ضرب السودان في أيلول/ سبتمبر 2020، وخلّف خسائر مادية وبشرية كبيرة جداً، فقد حدث بسبب زيادة معدلات هطول الأمطار على الهضبة الإثيوبية التي تصب في بحيرة تانا وهي منبع النيل الأزرق، وارتفاع منسوب بحيرة فيكتوريا في أوغندا وهي منبع النيل الأبيض، ويلتقي النيلان في مدينة الخرطوم ليكوِّنا معاً نهر النيل.

"تغيُّر المناخ أخطر بكثير من الجائحة التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا"، فارتفاع درجة حرارة الأرض ستكون له تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على كثير من الأمور في حياتنا

ومن جانب آخر، يلفت إلى أن التغيرات المناخية تقلل من القدرة على توليد الطاقة من المصادر المتجددة، خاصة الشمس. فوفقاً لدراسة بحثية منشورة في مجلة Nature، يؤدي ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض وزيادة الرطوبة والهباء الجوي والجسيمات العالقة إلى انخفاض إجمالي في الإشعاع الشمسي، وزيادة في عدد الأيام التي يقل فيها سطوع الشمس وتزداد السحب، وهذا يلحق ضرراً كبيراً بالمناطق الواقعة في الشرق الأوسط وجنوب غرب أمريكا، ويضعف قدرتها على توليد الطاقة من الشمس.

وكأمثلة على الكوارث الطبيعية التي وقعت في دول عربية ويردّها خبراء إلى التغيّر المناخي:

فيضان السودان

ضربت الفيضانات 16 من أصل 18 ولاية في السودان، ما أسفر عن مقتل 118 شخصاً، وانهيار 100 ألف منزل، ونفوق قرابة سبعة آلاف رأس ماشية، علاوة على دمار مساحات شاسعة من المحاصيل الزراعية.

سيول جدة الجارفة

أودت سيول جارفة في مدينة جدّة السعودية بحياة أكثر من 100 شخص وإصابة المئات، عام 2011، وانقطع التيار الكهربائي عن مناطق بأكملها، ما اضطر الجيش السعودي والحرس الوطني للتدخل لنجدة المنكوبين، في أكبر عملية إنقاذ تشهدها البلاد.

وأعلنت شركة AON الأمريكية للتأمين أن العقد الماضي كان الأسوأ على الإطلاق من حيث الخسائر الاقتصادية الناجمة عن حدوث الكوارث الطبيعية، مقدّرة هذه الخسار بثلاثة تريليونات دولار على مستوى العالم، بزيادة تريليون دولار عن العقد الذي سبقه.

وكشف تقرير للشركة أن السعودية حلت في المركز الثالث في الشرق الأوسط من حيث الخسائر بسبب ارتفاع درجة الحرارة بإجمالي 75 مليون دولار، وتصدرت إيران دول المنطقة بخسائر إجمالية بلغت 90 مليون دولار، وحلت تركيا في المركز الثاني بخسائر 89 مليون دولار.

فيضانات تضرب المغرب

عام 2014، أسفر المطر الكثيف عن سقوط أكثر من 40 قتيلاً في الجنوب المغربي، وخصوصاً في مدينة كلميم، بسبب ما أحدثه من فيضانات وسيول. وعام 2017، غرقت مدينتا مدينتا الرباط وسلا بالسيول. وفي يناير الماضي، توفي 24 شخصاً عقب اندفاع السيول الناجمة عن الأمطار إلى مصنع للمنسوجات قائم في مرآب إحدى البنايات في مدينة طنجة.

حرائق غابات في الجزائر

خسر آلاف المزارعين في الجزائر مبالغ طائلة جراء التهام النيران آلاف الكيلومترات من المحاصيل الزراعية، عام 2017، علاوة على التهام منازلهم بعدما قضت النيران على الغابات والبساتين المجاورة لهم.

إعصار في اليمن

ضرب إعصار جزيرة سقطرى اليمنية عام 2015، وسبب موجة أمطار غزيرة ورياح شديدة خلّفت أضراراً كبيرة بالمنازل والأراضي، وألحقت أضراراً بالغة بمراكب الصيد.

حرائق غابات في سوريا ولبنان

شهدت سوريا ولبنان والحدود الفلسطينة-اللبنانية موجة حرائق غابات، في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، امتدت عبر مئات الهكتارات ووصفها مسؤولون بأنها أكبر موجة حرائق تشهدها البلاد.

سيول تضرب مصر

وفي مصر، لقي قرابة 30 شخصاً مصرعهم وأصيب العشرات، جراء موجة سيول نجمت عن أمطار غزيرة ضربت عدة محافظات في جنوب وغرب البلاد، في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وكانت رأس غارب في محافظة البحر الأحمر أكثر المدن تضرراً.

ماذا يمكن أن نفعل؟ بحسب الخبير البيئي خالد سليمان فإن روشتة الإجراءات العاجلة لتقليل المخاطر تتمثل في تقليل استهلاك الطاقة بأنواعها والمياه العذبة، وترشيد استخدام الموارد الطبيعية والبيئية، وهذا التزام أخلاقي ضروري مع الأجيال القادمة التي ستواجه نقصاً حاداً في الموارد الأساسية.

ويطالب سليمان بنشر الثقافة البيئية بين المواطنين وسن قوانين تحمي البيئة وتحرك الأجهزة الرسمية للرقابة والتأكد من تطبيق هذه القوانين، علاوة على تدريس العلوم البيئية داخل المدارس، "حتى نؤسس جيلاً جديداً يمتلك القدرة على فهم الأزمات والمشاكل الناتجة عن تغيّر المناخ، ويعرف طرق حماية المصادر الطبيعية والنباتات والحيوانات".

ولأن ظاهرة تغيّر المناخ عالمية، تطالب إيمان عبد العظيم بتكوين لوبي دولي للحفاظ على حقوق الدول النامية المتضررة من التأثيرات الناتجة عن ممارسات الدولة المتقدمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard