مجتمع الدولار ومجتمع الليرة... بين الرفاهية والقلق على لقمة العيش

الجمعة 4 يونيو 202112:00 ص

تشرح رنا (44 عامًا)، وهي صاحبة متّجر لبيع الملابس في بيروت، أن الفستان كلّفها حوالي الـ 40 دولارًا أمريكيًا حين استوردته من أوروبا وبالتالي لا يمكنها أن تعرضه بسعر يقل عن 400 ألف ليرة لبنانية وإلا فستخسر ربحها، تقول: “حتّى بهذا السعر الذي يعتبر مرتفعًا جدّا مقارنة بأسعار العام الماضي لا أحقّق أرباحًا، لكنّني أتجنّب الخسارة. فهذه البضاعة ابتعتها قبل الانهيار الاقتصادي التّام، وكل ما أحاول فعله هو تصريفها قبل أن أبدأ بشراء البضاعة التركية وتلك المحليّة لأنّني أنا نفسي أتقاضى راتبي بالليرة، وبهذه الطريقة سأتمكّن من خفض أسعار السلع كي تصبح متوفّرة لشريحة أكبر من الناس وليس لصاحبات العملة الصعبة فحسب”.

على المحطّة سُمح لي بتعبئة وقود بقيمة 30 ألف ليرة، أمّا الرجل الذي كان بجانبي فقدّم رشوة للموظّف بقيمة 20 دولارًا بهدف أن “يفوّل” سيّارته

داخل المتّجر تقف صبية في العشرين من عمرها وتختار قطعة ملابس فضفاضة نالت إعجابها بعد أن جرّبتها، إلا أنّها قرّرت إرجاعها إلى الرف حين اكتشفت أن سعرها 600 ألف ليرة أي ما يوازي، بحسب قولها، ثلث راتبها الشهري. خرجت الصبية من المتّجر ودخلت أخرى لتبتاع مجموعة من الثياب بمليون ليرة لبنانية، حين سألتها عن رأيها بالأسعار أجابت أنها تتلّقى راتبها الشهري بالدولار وبالتالي ارتفاع الأسعار بالعملة اللبنانية لم يؤثّر على قدرتها الشرائية، بل في الواقع حسّنها.

الدولار قادر على الرشوة

قد يكون الحديث عن الملابس سخيفًا مقارنة بالغذاء والأدوية والوقود والكهرباء. فخلال الشهر الماضي فرغت الصيدليات من الأدوية، يقول أيمن. إ (31 عامًا) إنه غير قادر على شراء دواء الحساسية الخاص به لنفاده ولعدم توفّر تركيبات بديلة ولذلك صار يعيش يوميًا مع أوجاعه. أمّا بلال.ح (34 عامًا) فلم يقدر على الوصول إلى مكان عمله ثلاثة أيّام بسبب عدم قدرته على تعبئة سيارته بالوقود، يقول: “على المحطّة أثناء قدومي من الجنوب بإتجاه بيروت، سُمح لي بتعبئة وقود بقيمة 30 ألف ليرة، أمّا الرجل الذي كان بجانبي فقدّم رشوة للموظّف بقيمة 20 دولارًا بهدف أن “يفوّل” سيّارته، ونجح. وبالتالي أنا الموظّف الذي أقبض راتبي باللبناني خسرت جزءًا منه لعدم قدرتي على الوصول يوميًا إلى المكتب بسبب زحمة السير وعدم توفّر الوقود بينما الرجل الذي يقبض بالدولار تهرّب من احتكار الوقود وعاد إلى عمله ليجني المزيد من الدولارات”.

هي لم تعد تنتمي للطبقة المتوسّطة، ومع الوقت إذا ما أكمل الوضع كما هو عليه تصبح من الطبقة الفقيرة، لأنها في هذه اللحظة تصارع لتأمين طعامها اليومي.

في شارع فرعي في منطقة كليمنصو تعرّض حمزة الشاب السوري لحادث سير سبّبته امرأة لبنانية انحرفت سيارتها عن الطريق. وقع حمزة عن دراجته النارية ونزفت يداه لدقائق قبل أن تخرج السيدة من سيارتها وتعلن أن لا مسؤولية عليها في ما حدث على الرغم من وجود شهود عيّان. عادت السيّدة واعترفت أنّها خافت حين رأته مسرعًا خلفها فتوجّهت إلى أقصى يمينها. وارتأت أن الطريقة الأفضل لإنهاء السجال وحل المشكلة هي عبر قولها: “هلق بعطيك 10$”. وبالفعل، جلبت حقيبتها وأخرجت منها 120 ألف ليرة لبنانية أي ما يعادل تقريبًا الـ 10 دولارات. إلا أن حمزة ابتسم وأكّد لها أنه لا يحتاج إلى دولاراتها وعاد ليشرح لها مجدّدًا لماذا هي المسؤولة عن الحادث.

البنك الدولي: لبنان يغرق

ينقسم المجتمع اللبناني في الوقت الحالي بين من يملكون الدولار وبين من يملكون الليرة اللبنانية، والفروق بين هؤلاء صارت واضحة من النواحي الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. ووفقًا لتقرير “المرصد الاقتصادي اللبناني” لربيع 2021 الصادر عن البنك الدولي والذي حمل عنوان: “لبنان يغرق” فإنّ الناتج المحلي الإجمالي للبنان انخفض من نحو 55 مليار دولار عام 2018 إلى 33 مليار دولار في 2020، كما انخفض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنسبة 40% تقريبًا. وأكد أنّ الطبقة العاملة التي تتقاضى راتبها بالليرة هي الأكثر تأثراً. وأورد التقرير أنه "من المُرجّح أن تُصنّف هذه الأزمة الاقتصادية والمالية ضمن أشد عشر أزمات، وربما إحدى أشد ثلاث أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر". وتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في لبنان بنسبة 9.5 في المئة في العام 2021. وقد أظهرت مسوحات أجراها برنامج الأغذية العالمي عبر الهاتف في أواخر العام 2020 أنّ 41% من الأسر يصعب عليها الحصول على المواد الغذائيّة وحاجاتها الأساسيّة . وذكر التقرير أنّ “حجم الكساد الاقتصادي الذي يعانيه البلد، مع عدم وجود نقطة تحول واضحة في الأفق، هو بسبب التقاعس الكارثي المتعمد في السياسة”.

شو هيدا معاشي؟ ورق مونوبولي. ما بينفع بشي

مجتمع الليرة ومجتمع الدولار

تشرح جويل، (27 عامًا)، وهي معلّمة مدرسة، الوضع الحالي بأنه رفاهية لمجتمع الدولار وفقر لمجتمع الليرة، فهي التي تتقاضى راتبًا شهريًا لا تتخطّى قيمته الـ 200 دولار صارت غير قادرة على تأمين أدنى احتياجاتها الأساسية. تقول: “يقسّم راتبي على الشكل التالي: 800 ليرة لبنانية أدفعها شهريًا لصاحب المنزل. مليون ليرة مصاريف الطعام والكهرباء واشتراك المولّد وخدمة الإنترنت والشامبو واحتياجاتي الخاصّة. يبقى ما يعادل الـ 400 ليرة لبنانية! ماذا أفعل بهذا المبلغ، حرفيًّا لا شيء. إنّه أجار المواصلات”.

تقول جويل إنها منذ العام 2019 وقبل الحجر المنزلي، صارت غير قادرة على شراء الثياب أو الخروج مع الأصدقاء وتناول الطعام، وإن ما أنقذها هي مدخراتها التي تسحبها بالليرة اللبنانية أسبوعيًا وبقيمة محدّدة من المصرف. وبالنسبة لها هي لم تعد تنتمي للطبقة المتوسّطة، ومع الوقت إذا ما أكمل الوضع كما هو عليه تصبح من الطبقة الفقيرة، لأنها في هذه اللحظة تصارع لتأمين طعامها اليومي.

ورق مونوبولي

يُخرج محمود (33 عامًا) راتبة الشهري من محفظته ويقول: “شو هيدا؟ ورق مونوبولي. ما بينفع بشي”. محمود الذي يعمل في وظيفة رسمية يؤكّد أنه لولا زوجته التي تعمل في منظّمة غير حكومية لكان باع منزلهما الزوجي وعاد للسّكن في منزل والده في القرية، ويشرح: “قيمة الدولار لم تتغيّر، فزوجتي لا تستطيع أن تدخّر من راتبها شيئًا لأن كل الأسعار ارتفعت بحسب سعر الصرف، وبالتالي سيتم صرف راتبها لتغطية احتياجات المنزل واحتياجات ابننا. أما أنا أساهم من خلال راتبي الذي لا تتخطّى قيمته الـ300 دولار بمصاريف محدّدة. لكن في الواقع إذ توقّفت اليوم عن العمل فلن يؤثّر اختفاء راتبي على حياتنا لأنّني لم أعد المعيل الأساسي. ومن حظّنا أن زوجتي قادرة على إعالتنا. لكن ماذا يحل بالعائلات التي تتقاضى رواتبها بالليرة اللبنانية أو تلك التي أفرادها عاطلون عن العمل؟”.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard