ما وراء التقارب بين السعودية والنظام السوري

الجمعة 4 يونيو 202111:09 ص

"أمر لا بد منه"، "حتمية"، "أمر حيوي"... تعددت العبارات الصادرة عن مسؤولين عرب في ما خص إعادة العلاقات مع النظام السوري، بعد قطيعة حدثت معه إثر قمعه العنيف للاحتجاجات الشعبية... وفي آخر فصول هذا "التراجع" تأتي خطوات السعودية التي أرسلت رئيس جهازها الاستخباري إلى دمشق، في زيارة غير معلنة، كما استقبلت وزير السياحة السوري مؤخراً في الرياض للمشاركة في اجتماع دولي.

مع ذلك، يعتبر محللون أن تقارب دول الخليج مع الأسد لن يخرج عن الإطار الدبلوماسي، طالما بقيت العقوبات الأمريكية المفروضة على النظام السوري قائمة، لأنها تقيّد وتعرقل إقامة علاقات مع دمشق.

في الرابع من أيار/ مايو، كشف مراسل صحيفة "الغارديان" البريطانية في الشرق الأوسط مارتن شولوف أن رئيس المخابرات السعودية سافر إلى دمشق للقاء نظيره السوري، في أول اجتماع معروف من نوعه منذ اندلاع الحرب السورية قبل نحو عقد من الزمن.

واعتبر شولوف أن الاجتماع الذي عُقد في العاصمة السورية في الثالث من أيار/مايو هو مقدمة لانفراج وشيك في العلاقة بين خصمين إقليميين كانا على خلاف طوال العقد الماضي.

ونقل عن مسؤول سعودي طلب عدم الكشف عن هويته قوله إن هذا التقارب "كان مخططاً له منذ وقت طويل، ولكن لم تتحرك الأمور"، مضيفاً: "تغيّرت مجريات الأمور إقليمياً ما سمح بهذه الخطوة الافتتاحية".

لم يكن اللقاء بين مسؤولين صغار. فقد قاد الوفد السعودي رئيس إدارة المخابرات العامة في البلاد اللواء خالد حميدان، واستقبله نظيره السوري الجنرال علي مملوك، مهندس سحق الانتفاضة المناهضة للأسد والمحاور الرئيسي للقوات الروسية المتواجدة في سوريا.

وتزامنت الزيارة مع إرسال مسؤولين إيرانيين، في أواخر آذار/ مارس، رسالة إلى القيادة السعودية، من خلال مبعوث عراقي، أشاروا فيها إلى أن بلادهم تريد إنهاء الاحتكاك مع المملكة، بدءاً من اليمن، كما نوقشت مسألة خفض تصعيد التوترات في العراق وسوريا خلال محادثات بين الجانبين.

في تعليقه على الأمر، وبعد تنويهه إلى أن بلاده لم تعلن أي شيء في هذا الصدد، قال الكاتب السعودي عادل الحميدان إن "الغارديان" أشارت في تقريرها المذكور إلى أن تطبيع السعودية لعلاقاتها مع سوريا سيحدث عقب عيد الفطر، وهو ما لم يحدث.

وأضاف لرصيف22: "لم يحدث أي تغيير حتى لدى الجانب السوري. لا تزال ذات النبرة"، مستطرداً: "من الطبيعي أن يحدث تقارب طبعاً. نرى التغيير في كامل المنطقة في مرحلة ما بعد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. رأينا التغيير مع تركيا وقطر. حتى إيران أرسلت رسالة تهدئة".

هذا التحفّظ على قراءة رسائل الزيارة لا يظهر في حديث المؤيدين للنظام السوري، إذا يعتبر أستاذ العلاقات الدولية السوري عوني الحمصي أن "سوريا انتصرت، وعليه، فإن هذا التقارب سيحدث بحكم الضرورة والواقع بعد أن دحرت الإرهاب".

ويقول الحمصي لرصيف22: "في كل الأحوال، دمشق دائماً تسعى إلى إيجاد علاقات مميزة مع جميع الأطراف الدولية، وتكون هذه العلاقة مبنية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل".

ويضيف: "الأطراف الشريكة في المخطط المعادي لسوريا بدأت تعيد حساباتها وخاصة أن المشروع الإخواني الممزوج بالعثمانية الجديدة المتمثل في النظام التركي الحالي بدأ يشكل خطراً على جميع الدول في المنطقة، والدليل أنه بدأ يعتقد بأن لديه فائضاً من القوة الإرهابية ويريد استثمارها في ليبيا وآسيا الوسطى ويهدد الاتحاد الأوروبي، إلخ. والأهم من ذلك ضرب الأمن القومي العربي، خاصة مع التدخل في ليبيا، أي في غرب السعودية ومصر".

في المقابل، يبدي رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فاضل عبد الغني اعتقاده بأن السعودية لا تريد عودة العلاقات مع الأسد، مضيفاً أن "التعاون الاستخباري غالباً ما يكون قائماً ومستمراً بين مختلف دول العالم ولا علاقة له بالأمور السياسية".

ستحتاج الرياض إلى تبنّي نهج دقيق يحفز دمشق على الابتعاد عن نفوذ طهران، دون أن تحتضن الأسد إلى درجة خلق مشاكل مع العواصم الغربية

ويقول لرصيف22: "الإعلام السوري في العاصمة هو مَن يسرّب هذه المعلومات وهو مَن يحتفي بأتفه مسؤول يأتي إلى دمشق، من أجل التسويق للنظام، ولو نظرنا إلى الدول التي لها علاقات معه، فهي أقل الدول في سلّم الديمقراطية".

يعبّر عبد الغني عن امتعاضه من خطوة عودة العلاقات السياسية بين البلدين لو صحّت، وإنْ كان يستبعدها. ويعتبر أن عودة العلاقات مع النظام السوري هي أمر مشين للسعودية "نظراً لاستمرار انتهاكات حقوق الإنسان وعمليات القتل والتعذيب والاختفاء القسري".

لماذا عودة هذه العلاقات؟

يرى مارتن شولوف أن هذه الخطوة ستكون بمثابة دفعة كبيرة للأسد، الذي تشبث بالسلطة بدعم من روسيا وإيران مع انهيار سوريا من حوله، بعدما كانت الرياض مركزية في خطة الإطاحة به، من خلال تسليح القوات المناهضة له.

ويضيف أن التغيير في السياسة السعودية تجاه الصراع في سوريا بدأ بالفعل عام 2015، بعدما تدخلت روسيا في الحرب السورية وغيرت مسارها، وهو ما دفع بحليفيها الإقليميين، مصر والإمارات، إلى التقارب مع دمشق.

وأعادت الإمارات والبحرين علاقاتهما الرسمية مع النظام السوري أواخر عام 2018، بينما عيّنت عمان، التي لم تقطع علاقاتها مع دمشق، سفيراً لها في دمشق العام الماضي.

وفي تقرير نشره الباحثان الأمريكي جورجيو كافييرو والفرنسي ألكسندر لانغلوا في "منتدى الخليج الدولي"، في 27 أيار/ مايو، أكدا أن هذه القرارات تُظهر توجهاً عاماً في دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء قطر) نحو دعم عودة سوريا إلى الحظيرة الدبلوماسية العربية. وبرأيهما، يشكل إشراك السعودية في هذا الإجماع المتزايد بين الحكومات العربية انتصاراً دبلوماسياً كبيراً للأسد وداعميه، إيران وروسيا.

"السعوديون والإماراتيون يريدون دفع تكاليف إعادة إعمار سوريا والسعي إلى تعاون استخباري مع الأجهزة الأمنية السورية لاحتواء الإسلاميين السياسيين المحليين"

ونقلا عن محلل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى معهد "ستراتفور" رايان بوهل قوله: "إنني أميل إلى النظر إليه على أنه نسخة مما يحاول الإماراتيون القيام به في سوريا"، كما نقلا عن الأستاذ في جامعة ميشيغان جوان كول قوله إن الإمارات "مهدت الطريق" لاستعادة العلاقات السعودية السورية.

ويشير الكاتبان إلى الاعتقاد السائد وهو أن كثيرين في الخليج يرون أنه ما لم تحاول بلدانهم إغراء سوريا بالعودة إلى حظيرة العالم العربي، فإن الإيرانيين والأتراك سيعززون نفوذهم.

هذا ما يراه أيضاً الحميدان. يقول لرصيف22: "أنا شخصياً أرى في عودة سوريا إلى محيطها العربي أمراً هاماً جداً بالتزامن مع عودة العراق، ولإنهاء التوغل الإيراني والتركي فيها".

من جانبه، قال مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما الدكتور جوشوا لانديس: "أدى الانقسام والضعف العربي إلى فراغ تسللت عبره تركيا وإيران"، وأضاف: "الطريقة الوحيدة لعكس هذا المسار هو بإعادة بناء الوحدة والقوة العربية".

مع ذلك، يحذّر المحاضر في كلية الدراسات الأمنية في "كينغز كولدج"، أندرياس كريغ من أن التحرك السعودي سيكون مصحوباً بمخاطر كبيرة لأنه من الواضح أن السعوديين بحاجة إلى أن يكونوا متنبهين لواقع أن الأوروبيين والأمريكيين ليسوا مستعدين بعد لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، لذلك عليهم أن يخطوا بحذر.

وعليه، ستحتاج الرياض إلى تبنّي نهج دقيق يحفز دمشق على الابتعاد عن نفوذ طهران، دون أن تحتضن الأسد إلى درجة خلق مشاكل مع العواصم الغربية.

ويقول كافييرو ولانغلوا: "قد تدفع المخاوف من احتمال غضب شركاء المملكة الغربيين المسؤولين السعوديين إلى التحرك ببطء وحذر عند التعامل مع نظام الأسد. علاوة على ذلك، فإن عقوبات ‘قانون قيصر’ تعقّد أي حافز حقيقي لتعميق العلاقات لأن هذه العقوبات تمنع فرص تمويل إعادة الإعمار وهي المكافأة التي يمكن أن تقدّمها الرياض".

ويضيفان: "بالنظر إلى المستقبل، من المحتمل أن تكون العلاقات السعودية السورية، مثل العلاقات الإماراتية السورية، غير اقتصادية وذات طبيعة دبلوماسية في الغالب ما لم تخفف واشنطن عقوباتها على دمشق".

في سياق موازٍ، كان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قد أشاد بالحوار السعودي الإيراني خلال مقابلة مع "فايننشال تايمز"، لكنه لفت إلى أن المسؤولين الأمريكيين لم يدفعوا إلى عقد هذه المحادثات مباشرة.

وفي تقرير نشره مراسل مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية في بيروت، أنشال فوهرا، في الأول من حزيران/ يونيو، أكد أن أصدقاء سوريا العرب بدأوا الآن، بعد أن عززت الانتخابات من قبضة الأسد على السلطة، بالضغط في الولايات المتحدة من أجل تخفيف العقوبات عن دمشق، كاشفاً أن مصادر لبنانية مقربة من النظام السوري أبلغته منذ عام 2018 أن السعوديين بدأوا تعاوناً استخبارياً مع الأسد.

وأشار إلى أن السعودية قدّمت إغراءت للأسد ليبتعد عن شراكته الاستراتيجية مع إيران، وأن "السعوديين والإماراتيين يريدون دفع تكاليف إعادة إعمار سوريا والسعي إلى تعاون استخباري مع الأجهزة الأمنية السورية لاحتواء الإسلاميين السياسيين المحليين".

وقال مستشار المخاطر الجيوسياسية المقيم في المملكة المتحدة سامي حمدي للمجلة الأمريكية، إن الأسد محبط بالفعل من تقويض حكمه من قبل موسكو وحتى من قبل طهران، وإن وجود مزيد من الحلفاء سيمنحه مساحة أكبر للتحرك بين هذه الأطراف.

وأضاف حمدي: "بدأ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على نحو متزايد بتبني خطاب قومي عربي ويعتقد أنه قد يكون من الممكن كسر الروابط بين إيران وحلفائها العرب".

أما المحلل السياسي نيكولاس هيراس، فقد علّق بأن "الدول العربية التي تشعر بالقلق من أن تصبح شعوبها مضطربة وتتحول إلى معارضة مسلحة ضدها مهتمة الآن بتعلم الحرف التقليدية الاستبدادية من نظام الأسد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard