عن البلاغة في حنجرتي المجروحة

الخميس 3 يونيو 202101:21 م

"يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام، وإلى خمسين سنة ليتعلم الصمت" (إرنست هيمنجواي)

لمدة 48 ساعة، أجبرني إجهاد شديد في الحنجرة على الصمت، الصمت التام. ولم يبقَ لي حينها كي أعبّر عما أريد إلا الإشارة. وحين أعجز عن الإشارة، بحكم عدم اعتيادي عليها، ألجأ إلى الغوص في تأملات حول الآخرين، وحول نفسي، لألهيها عن رغبتي المحمومة في أن أنطق، وأن أنتج أصواتاً تتحدث باسم فرحي وغضبي، مودّتي وعدوانيتي. صارت كل أجوبتي لزوجتي بلا لسان. ومع تعطّله القهري هذا، أوجعتني أسئلة تتعلق بالحيّز الذي أشغله في البيت/ بيتي. هل أنا حقاً موجود في البيت، أم أنني مجرد فكرة تشير إلى فكرة؟

في غمرة هذا التيه الوجودي، رأيتُني -ربما رأي المتوهم- هادئاً، متماسكاً، وأنا ملفوف بصمتي. صرتُ كتلة من الداخل الكاتم لأسراره وأوجاعه، مكتوماً بفعل فاعل، متآمراً على نفسي، وداخلي يحتل جزءاً من رقبتي. لكنني على أي حال أنعم بهذا الوهم من هدوء الأعصاب، واختفاء موجات الغضب التي كانت تسوقني كلما أرادت. كأن صوتي كان عبئاً نفسياً على مواقفي، يدفعها ويدفعني إلى ما لا أرغب. كأنه يضيف إلى مشاعري شيئاً شيطانياً يوسوس لأفعالي بأن تكون شيئاً آخر غير ما يجب أن تكونه.

هذا التدريب الإجباري القصير الذي عايشني ليومين، وعلّمني مؤقتاً أن أمتلك نفسي بالصمت أولاً، صعب جداً، وثقيل ليكون فعلاً إرادياً. فما أن انتهت فترة الصمت/ القهر، انتابني حنين جارف إلى سماع صوت نفسي، وإلى أن أدندن أغنية مثلاً، فالكلام جميل، والنطق مريح، وخربشة الأصوات الطالعة مني لها لذة، لذا لا أسكت.

الصوت هو الوجود إذاً، هو النفس في لحظة تعبير وتواصل مع الآخرين، لكنها ربما لا تكون نفسك التي تريدها، وإنما النفس التي تقودك

لولا هذه اللذة لسكت العالم قليلاً

للكلام إذاً شهية تشبه الشّره إلى الطعام، والشّره إلى الكلام الذي يوصف بأنه "أسوأ أنواع الحرص"، وهو الحرص على النطق. ربما لا يريد الإنسان أن يترك حقه في الكلام، مثلما هو مستعد بأريحية تامة لترك حقوقه الباقية كلها.

لقد اهتم العلماء بالظاهرة الصوتية لدى البشر. ليس علماء الفيزياء فقط، وإنما فقهاء الدين أيضاً، فهذا ابن حزم يشرح آلية إخراج الصوت من الإنسان، فيقول: "لقد مكّن الحكيم القادر للكلمات مخارج من الصدر، والحلْق، وأنابيب الرئة، والحنَك، واللسان، والشفتين، والأسنان، وهيّأ لها الهواء المندفع بقرع اللسان إلى صمخ الآذان، فتوصل بذلك نفس المتكلم مثلما قد استبانته، واستقر فيها إلى نفس المخاطَب".

الصوت هو الوجود إذاً، هو النفس في لحظة تعبير وتواصل مع الآخرين، لكنها ربما لا تكون نفسك التي تريدها، وإنما النفس التي تقودك ربما إلى رغباتها، لا إلى رغباتك.

تخيّل مثلاً أن رئتيك، وشفتيك، ولسانك، وأسنانك، وحلقك، وصدرك، من المحتمل أن تكون كلها ضدك في لحظة ما، لحظة الغضب مثلاً. حينها لا وجود للحياد العقلي. ستندفع الكلمات في ماسورة الصوت، ويراك الآخرون في صورة العدو فوراً، وربما تصاعد المشهد، وانتهى إلى دم.

لولا الصوت لما صرتَ عدوّاً في هذا المشهد

يبدو الصمت لي، إذاً، علاجاً فعالاً لقتل الردود السريعة والعدوانية، تلك التي تتخذ من الأصوات رسولاً معلّقاً على الأحبال والهواء، والتي بتفاعلها تولد الرسالة الصوتية، تلك الجنّية التي تقود الدم إلى غاياته في عروقك، وتستدعي كل بعيد من العفاريت الزرق، وتجمعهم صفاً واحداً أمام فوهة البركان، وتصرخ فيهم: "لا تبقوا في مساكنكم! خذوا موقفاً! ابصقوا! اشتموا! حرّكوا رموزي في صورة كلمات تعرفونها، ليرتاح صاحبكم! أريحوه واخرجوا! فيطيعون آمرتهم.

هكذا أعرّف الوجود الحقيقي بحضور الأصوات، أو بغيابها: الصمت مهلة للتفكير، وتدقيق المعاني والمواقف قبل إخراجها إلى العلن. هو قراءة متأنية قبل النقد/ النطق. الصمت هو التجاهل والإهمال لكل ما يتعلق بالجهالة، وتركيز أعمق في المعرفة. ولعله التعريف الأهم هنا، فوقت الانتظار قبل النطق، هو وقت تعلّم وإدراك، هو العمر المعرفي للإنسان وهو يقف بعيداً عن نفسه وعواصفها.

نحن مجبرون إذاً على الصمت تارة، لما فيه من مكاسب دينية ودنيوية وفلسفية، وعلى الصوت تارة أخرى، بحكم الفطرة التي تشتهي وجوده المنطوق المسموع

معجزة النطق والصمت البشريين

إنْ كانت عملية النطق فعلاً اختيارياً يهدف إلى تعريف الآخرين من تكون، وماذا تريد، وتعرّفك أنت -قبل الكل- إلى ما تريد وإلى من تكون، فإن عملية الصمت قيست في ثقافتنا العربية بثقل مادي أكبر من النطق. فنحن نقيس تعبيراتنا بمقاييس كمية، والكلام عندنا يُثمّن بالفضة، بينما يُثمّن الصمت بالذهب. وفي حين أن "المعرفة مبنيَّة على إحسان العبارة"، لأن المرء "مخبوء تحت لسانه"، و"يُعرَف الإنسان بما يقول"، غير أن أكثرنا فصاحة وشاعرية تُلجِئه كثافة الأحاسيس إلى لطائف الصمت، تعبيراً عن دقة اعتمالها في نفسه.

فالشاعر المفوّه نزار قباني يسأل سيّدة تطلعت إلى سحر عباراته: "هل تسمعين أشواقي عندما أكون صامتاً؟ إن الصمت يا سيدتي هو أقوى أسلحتي. هل شعرت بروعة الأشياء التي أقولها عندما لا أقول شيئاً؟"، تماماً كما تقول حكمة العرب القدامى إن "في الصمت بلاغة"، أو كما قال توماس كارليل إن "الصمت أكثر فصاحة من الكلمات".

هذه البلاغة الساكتة، ربما هي التي أُدينت على مستوى الحريات، إذا ما ارتدى الصمت دلالة وبعداً سلبيين، فالجمهور الساكت عن الحق في مفهوم الدين مثلاً "شيطان أخرس". بل إننا مأمورون بألا نرفع أصواتنا فوق صوت القائد/ النبي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ"، (الحُجُرات 2)، حتى لا تُحبَط أعمالنا. نحن مجبرون إذاً على الصمت تارة، لما فيه من مكاسب دينية ودنيوية وفلسفية، وعلى الصوت تارة أخرى، بحكم الفطرة التي تشتهي وجوده المنطوق المسموع.

هذه المساحة المجهولة بين وجهَي العملة الوجودية، الصوت والصمت، ربما تشبه المسافة التي قطعها أهل الكهف بين الصحو والنوم، ثم إلى الصحو مرة أخرى. ولعل حيلة إخفاء قوم بجعلهم ينامون لسنوات طويلة، هي من أعظم الحيَل الدرامية التي طرحها أي نص، سماوياً كان أو أرضياً، على الرغم من بساطتها كحيلة، وكأن النوم بكل ما يشتمل عليه من صفات السكوت، والسكون، والجمود، يُعدّ معادلاً موضوعياً للاختفاء التام/ اللا وجود.

الآن عاد صوتي مشروخاً قليلاً، لكنه على أي حال عاد. لم أعد أتذكر تلك الإشارات التي كنت أستعملها في أيام احتباسه إلا عندما أفشل في إخراج كامل الأصوات من مكانها الصحيح، فتقع كلمة مني أو حرف، وأضطر إلى إعادة نطق ما نطقت، لئلا تشعر زوجتي بخلل في وجودي، ذاك الذي لا نقصان فيه كما أتوهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard