في تعاريف الصمت والصوت والضجيج والموسيقى

الثلاثاء 14 يناير 202003:54 م

قد تبدو هذه الظواهر السماعية بديهية للوهلة الأولى: "الصمت، الصوت، الضجيج، الموسيقى"، لكن الدراسات الموسيقية وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف وتحديد هذه الظواهر السماعية، ومن هنا انطلقت مجموعة الكتابات التي تحاول التمييز بين الصمت، الصوت، الضجيج، الموسيقى، كان روادها الكثير من الفلاسفة، الموسيقيين، الفنانيين والكتاب عبر التاريخ. وبما أن الموسيقى في دراسات علم الجمال هي موضوعة فلسفية للتفكير والتأمل، وبالتالي يمكن اعتبار الصمت، الصوت، الضجيج، هي أيضاً مفاهيم فلسفية، أو فكرية قابلة للتفكير والتأمل والجدل. ورغم أنها قد تبدو من المسلمات البديهية، فإنها ليست كذلك على الإطلاق، فكيف نحدد الصمت أو نعرفه؟ وما العلاقة بين الصمت والصوت ؟ كيف نحدد عند إنطلاق صوت في المكان بكونه ضجيجاً أم موسيقى؟ هذا يؤدي للتساؤل عن الفارق بين الضجيج والموسيقى؟ ومتى تنتقل الأصوات من مجرد كونها أصوات إلى أن تصبح موسيقى؟

محاولات في تعريف الصمت

استحالة الصمت

كرر المؤلف والموسيقي الأمريكي جون كيج (1912 - 1992) مراراً أن الصمت هو أعمق التجارب التي يعايشها، وقال بأن الصمت في العالم المعاصر أصبح هو الضجيج والزحام. لقد وصف موسيقى بيتهوفن وموزارت بأنها ثابتة على الدوام وقابلة للتوقع، أما الصمت، الذي هو ضجيج في عصرنا، فهي غني، متنوع، غير متوقع ومفاجئ بإستمرار. يقول جون كيج لمن يعتقد أن الصمت مجرد سكون أو طرش: "أتشك بوجود الصمت؟ حسناً اذهب إلى غرفة مفرغة، وأنصت إلى تنفسك، وإلى توتر جهازك العصبي، هذا هو الصمت، إنه مليء بالضجيج"، يستحيل خلق الصمت أو توليده بحسب كيج، يستحيل تحقيق الصمت المطلق، هكذا دافع كيج على الدوام أن الصمت ممتلئ، فتأثر به رواد الموسيقى التجريبية في القرن العشرين، وخصوصاً بمؤلفاته الموسيقية التي سعى من خلالها إلى تطبيق مبدأ غير-قصدية في توليد الصوت، وحاول تكريس مبدأ الصدفة واللامنهجية في التأليف الموسيقي.

حفلة جون كيج 4 33 للبيانو:

الصمت منبع وفناء الموسيقى

نبه الفيلسوف والباحث الموسيقي الفرنسي فلاديمير جان كيليفيتش (1903 – 1985) على العلاقة بين الصمت والموسيقى، فتساءل: "هل الموسيقى هي بنفسها ، صمت ؟ قائد الأوركسترا ينتظر ليعطي الإشارة لموسيقيه ، ذلك لأن صمت الناس أشبه بالفعل المقدس، وهو ما تحتاجه الموسيقى لتطور الصوت"، بهذا المنحى ذاته، قال عازف التشيلو الفرنسي الأمريكي يويوما في فيلم وثائقي: "يجب الإهتمام بالصمت الذي يتبع الصوت، فخلال الصمت نستوعب ما تم اصداره من أصوات، لندركها"، إن كان كيليفيتش يعتبر الصمت منبع الموسيقى، تحضيراً لولادتها، فإن يويوما اعتبر الصمت اللاحق ضرورة لإدراكه الصوت. الصمت مع كيليفيتش ويويوما يحيط بالصوت من المنشأ ويتلوه بعد الفناء. هنا يمكن فهم ما كتبه جون كيج عن بنية الموسيقى التي قسمها إلى عنصرين، عنصري الصمت والصوت: "البنية في الموسيقى هي قابليتها للقسمة إلى قطع متعاقبة. الشكل هو محتوى التتابع. المنهج، هو الوسيلة المنظمة للتتابع من علامة موسيقية إلى أخرى. عناصر الموسيقى هي الصوت والصمت، تمازجهما معاً هي عملية التأليف".

محاولات في تعريف الصوت

الصوت اهتزاز فيزيائي

في كتابه (صمت) يدافع جون كيج عن تعريف الصوت بكونه اهتزازاً فيزيائياً. كل صوت، وخصوصاً الموسيقي الطابع، هو عبارة عن اهتزازات في الهواء، وتجزم الفيزياء الحديثة أن الصوت هو تحويل الهواء إلى اهتزاز، وليس الاختلاف بين صوتين، مثل الاختلاف بين خبطة يد على الطاولة وعلامة موسيقية من البيانو، يعتمد الفارق على حجم الاهتزاز الناتج، وكيفية انطلاقه وانتشاره في الهواء، فيختلف مثلاً الإهتزاز اللولبي في الهواء عما يمكن أن تصنعه خبطة اليد التي لابد أنها تضغط الإهتزازات بطريقة مختلفة عن النوتة الموسيقية، وهكذا يمكن القول أن تجربة الصوت هي منحوتة من حولنا في الفراغ.

وبحسب الفيزياء، فإن كل عنصر كائن في الوجود يحمل، ويولد شحنته الخاصة من الاهتزازات في الفضاء من حولنا، والاختلاف فيما بينها يعتمد على شكل الاهتزازات، تواترها، وطريقة خلقها، وهكذا كل عنصر قادر على توليد اهتزاز تلتقطه الأذن البشرية وتحوله إلى اشارات عصبية تنقل إلى الدماغ، وبينما اعتقد العلم في البداية أن للموسيقى مركز محدد في الدماغ، تساعدنا الاكتشافات شيئاً فشيئاً ادراك أن المناطق الموسيقية في الدماغ موزعة على كامل مساحته.

علاقة الصوت بالصوت

حين يصدر صوتين في مكان، يكون الذهن مجبراً على التفكير بالعلاقة بينهما يتساءل مباشرة عن طبيعة العلاقة بينهما؟ أيهما الأعلى والأخفض؟ أيهما الأشد حدة من الآخر ؟ أيهما الأسرع وأيهما الأكثر ديمومة ؟ هل يربط بينهما إيقاع؟ هكذا يبرهن جون كيج على حتمية التفكير بالعلاقة بين الأصوات التي تنطلق في فضاء واحد.

سطوة وفناء الصوت

في لقاء تلفزيوني معه، يتحدث عازف البيانو وقائد الأوركسترا الأرجنتيني دانييل بارينبويم عن حتمية فناء الصوت، الصوت آيل للفناء لامحالة، لكن ليس قبل أن يمارس سطوته على الأسماع، يقول: "الصوت ظاهرة غريبة، إنها لا تدوم، فما عزفناه، أو سمعناه منذ 10 ثوان لم يعد موجوداً الآن، وهذا ما يمنح الموسيقى بعدها التراجيدي، لأنها قابلة للموت، وكل نوتة هي استمرارية حياة بنفسها. وهناك أيضاً خصوصية الولوج، فالصوت يخترقنا عبر الأذن، وهذا ما يمنح الموسيقى سلطتها الواسعة"، إذاً تراجيديا فناء الصوت تالية لسطوة يمارسها الصوت على الأسماع. إن حضر الصوت أَثَرَ دون شك، لكنه لامحالة آيل للفناء حسب رأي بارينبويم.

متعة السماع الخالص

بحدة يدافع جون كيج عن متعة السماع الخالص، المنزه عن التأويل والتفسير، يتوقع الناس أن الإنصات يضمر ما هو أكثر من الإنصات، ولذلك يتحدثون عن الإنصات بعمق، أو ايجاد معنى لكل صوت. لا يرضى الناس في الحديث عن الموسيقى أن يقف الأمر عند حدود الحديث عن الأصوات، فالأصوات سطحية ولابد أن تحمل معنى أو تفسير، وحين يسأل الناس : "الموسيقى، أهي مجرد أصوات؟" فإنهم يبرهنون أن كون الشيء مجرد صوت، فهو إذاً بلا فائدة. يكتب (جون كيج) عن ذلك : "أنا أحب الأصوات كما هي، ولا أتطلب منها أن تكون سوى كما هي، وليس لي متطلبات نفسية، ولا أريد من الصوت أن يدعي بأنه شيء آخر ، ولا أريد لصوت أن يدعي حبه لصوت آخر. أريده فقط أن يكون صوتاً"، أما الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط فيقول بأن هناك شيئين عليهما ألا يعنيا أي شيء: الأول هي الموسيقى، والثاني هي الضحكة. ويتبع حديثه على الموسيقى والضحكة ألا يكونا سوى تلك المتعة العميقة.

متعة السماع الخالص تتعارض مع يراه الباحث والموسيقي الفرنسي بيير هنري  (1927 - 2017)، فهو يحتم تأويلات يقوم بها الذهن عند لقاءه مع الصوت، فهو يعتقد أن الصوت المنطلق في المساحة أو الفراغ يقترح عدداً كبيراً من التأويلات تفرض نفسها على الفكر، وأن الصور الذهنية تتولد أيضاً من الأصوات. إن التساؤل حول حدود الموسيقى: هل هي مجرد أصوات أم أنها تحمل تفسيرات وتأويلات ومشاعر هي موضوعة كتب عنها الكثير في تاريخ الدراسات الموسيقية من أبرز ما كتب عنها (الجميل في الموسيقى، إدوارد هانزليك، 1854).

العبور من الصوتي إلى الموسيقي

في كتاباته ومؤلفاته الموسيقية اهتم الباحث، مهندس الصوت، والموسيقي الفرنسي بيير شافر (1910 – 1995)، بذلك العبور من الصوتي إلى الموسيقي، فليس هناك من شك أننا نميز الصوت، نسمعه ونشعر بإهتزازه، ولكن كيف نعبر من الصوتي إلى الموسيقي؟ يكتب بيير شافر: "الصوتي هو ما أتلقاه، الموسيقي هو بالنهاية حكم قيمة. الأغراض صوتية قبل أن تكون موسيقية، ولكن إن اخترت الأغراض التي أرغب التوفيق بين أصواتها، هكذا يمكنني العبور إلى الموسيقي".

محاولات في تعريف الضجيج

ابتكار الضجيج

ولد الضجيج في القرن التاسع عشر ، إثر ابتكار الآلات. هذا ما كتبه الرسام والمؤلف الموسيقي، وهو فيلسوف أيضاً الإيطالي لويجي روسيلو (1885 – 1947)، في البيان المانفيستو الذي كتبه بداية القرن العشرين بعنوان (فن الضجيج)، فقبل ابتكار الآلات كان العالم مكاناً هادئاً، وفي الغالب صامتاً. فإذا استثنينا صوت العواصف، هطول الأمطار، والزلازل، فإن الطبيعة صامتة، لا يقطع صمتها إلا بين الحين والآخر تغيرات في الطبيعة، لذلك فإن حضارة الماضي، قبل ابتكار الضجيج كانت صامتة. حين اخترعت الآلات أصدرت كل منها ضجيجها، وهذا ما دفع ذائقة البشر الصوتية للتطور حسب رأي لويجي روسيلو.

امتلأت الإنسانية بحيوية الضجيج، وشكلت المعدات الإلكترونية قطيعة مع عالم الماضي الصامت، كل مظاهر الحياة من حولنا، مملوءة بالضجيج، أصبح الضجيج مألوفاً، وأصبح بإمكانه أن يمثل حضور الحياة. بينما الصوت الموسيقي، بقي طارئاً على الحياة، عرضياً إذا ما قورن بالضجيج، الصوت الموسيقي مثل وجه أليف للغاية يمر أمام أعيننا. أما الضجيج بسيلانه المستمر الكثيف، سيبقى مصدراً للمفاجآت. ومع ذلك، نبه لويجي روسيلو أنه لايجب أن ينحصر فن الضجيج، بإنتاج الأعمال الموسيقية التي تعيد إنتاج أصوات الضجيج.

الصمت، الصوت، الضجيج والموسيقى، ليس أياً من هذه المفاهيم هو قادر على الوجود دون المفاهيم أو الظواهر الأخرى، لكنه أيضاً سيفنى في حال لم يتمايز عنها

لقد جعل لويجي روسيلو من الضجيج برهاناً على غنى وتنوع المبتكرات الإنسانية: "غنى الضجيج، ليس إلا تنوع المبتكرات الإنسانية عبر مشوارها، فمع كل آلة ابتكرتها الإنسانية ولد ضجيج مغاير، هذا الإرث المتجدد يمنح الموسيقى فرصة التجدد اللانهائي"، الضجيج إبداع من الحضارة الإنسانية، برهان على تحقق الإبتكار، برأي روسيلو الضجيج يساهم في تطوير الذائقة الموسيقية.

اختلافات ثقافية في تحديد الضجيج

توصل الباحث الموسيقي والسيميولوجي الفرنسي جون جاك ناتيي إلى أن اختلاف القيم الجمالية بين شعب وآخر، وبين ثقافة وأخرى يجعل من الموسيقى المحببة والرائجة عند شعبٍ من الشعوب، ليست إلا ضجيجاً أو أصواتاً لا موسيقية في نظر شعوب ينتمون إلى ثقافة أخرى. فلذلك رأى جون ناتيي أن الحدود بين الضجيج والموسيقى تكمن في البعد الثقافي في المجتمع، وفي بعض الأحيان تختلف بين أفراد المجتمع الواحد فيما بينهم. وبسبب ذلك جزم على استحالة وجود معيار ثقافي عالمي يميز بين الضجيج والموسيقى.

استخراج الموسيقي من الضجيج

ببراعة يربط (جون كيج) بين الضجيج والموسيقى: "في كل صوت موسيقي ، ضجيج، وفي كل ضجيج ما هو موسيقي بالضرورة"، اعتبر أن عنصري الموسيقى هما: الصوت، الضجيج، والتأليف الموسيقي هو عملية تنظيم العلاقة بينهما. حاول بيير شافر استخراج الموسيقي من الضجيج بمؤلفاته الموسيقية، بدأ الأمر حين كان يعمل في الراديو، بدأ تسجيل الضجيج، لكنه اكتشف أن تجميع الضجيج لا يفضي إلى النتيجة التي يبحث عنها، ، فبدأ بمعالجة الأصوات التي جمعها، وهكذا ظهر مؤلفه سمفونية الضجيج والطنجرة، الذي صرح بعده بيير شافر: "اكتشفت أن الضجيج قريب للغاية من الأصوات الموسيقية". في العام 1948، بدأ العمل على مصنفه (حفل الضجيج)، الذي تابع فيه التساؤل هل يمكن الحصول على بنية موسيقية انطلاقاً من الغنى الصوتي للضجيج؟ هل يمكن ابتكار الموسيقى عبر معالجة الكتلة الصوتية للضجيج؟.

بعد كل هذه الكتابات والأعمال الموسيقية في الصمت، الصوت، الضجيج، والموسيقى، اتضحت التمايزات بين كل منهم، بقدر ما كشفت التداخلات فيما بينهم. ليس أياً من المفاهيم السابقة هو قادر على الوجود دون المفاهيم أو الظواهر الأخرى، لكنه أيضاً سيفنى في حال لم يتمايز عنها. أهم ما يميز ما كتب وقيل عن هذه المفاهيم في النصوص السابقة، استنتاج أن التأمل الفلسفي، العلمي، الجمالي، بهذه المفاهيم لم يتوقف عند غاية تعريف كل منها وتحديد صفاتها، بل امتد ليصبح موضوعة للإلهام الفني، فألفت العديد من الأعمال الفلسفية، العلمية، والفنية التي تستلهم التداخل بين الصمت، الصوت، الضجيج، والموسيقى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard