عن غواية عقيمة اسمها "لبنان"

الاثنين 14 يونيو 202110:01 ص

كيف يمكن ألّا نقرأ كتاباً يحمل عنوان "البائنُ من الجنس في لبنان"، غواية الغلاف لا تقل إمتاعاً عن محتواه، إذ يُنظّر الكاتب اللبناني روجية عوطة، نقداً يلتبس نثراً، للظاهرة الإعلامية والبورنوغرافية في لبنان، يشرّح الأبدان وظهورها واختفاءها، لغةً وصورةً، ضمن السياق الاجتماعي والثقافي المعقّد للبنان.

المتعة المُعدية

نحن لسنا أمام كتاب عن الجنس، بل تصوّر بليغ لا مبالغة فيه عن علاقة الظاهرة البورنوغرافية وشبه البورنوغرافية مع السلطة، والأهم "المُجتمع"، الكلمة التي وبدون أي التزام قاعدة لغوية، تحوي مبنياً للمجهول، أشخاصاً فرادى، لا نعرفهم، "اجتمعوا" على أفكار ما في مكان ما، يخرجون ويدخلون منها عبر أجهزة الدولة والمؤسسات الإعلامية والمصرف.

ينظّر الكاتب روجيه عوطة في "البائنُ من الجنس في لبنان"، للظاهرة الإعلامية والبورنوغرافية في لبنان، يشرّح الأبدان وظهورها واختفاءها، لغةً وصورةً، ضمن السياق الاجتماعي والثقافي المعقّد للبنان

مُتأمّل غلاف الكتاب الصادر عن دار الجديد يجد نفسه في الداخل، أمام شبّاكٍ داخلي مفتوح وخارجي موارب، ما يتيح تلصصاً على الخارج وانتهاك الأخير للداخل عبر أعين الفضوليين والمارة، وهنا تظهر واحدة من موضوعات الكتاب: الداخل بفردانيته وحميمته وجنسه، والخارج بمؤسساته و"مُجتمعه" والبورنو الذي يتحرّك ضمنهما.

 وقبل الخوض في الكتاب لابد من الإشارة إلى أن لغة عوطة تصيبنا بالعدوى، يتدفق الكلام "نثراً " و "نقداً" و "رصداً"، لتتحول الكتابة عن الكتاب إلى إشكالية في حد ذاتها، كون هذه العدوى سببها الرغبة بالمشاركة. فحسب ألبيرتو مانغويل، ما نقرؤه ويمتعنا، يتطلب منا أن "نشي" به للآخرين ونلخّصه، كي ننقل الشعور الذي اختبرناه إلى الآخر الذي لا يعلم شيئاً.

وهنا الإشكالية: كيف نكتب عما أصابنا بالعدوى مع الحفاظ على فرادتنا، في ذات الوقت، نقل العدوى للآخر الذي لم يقرأ؟

يستعير عوطة في بداية الكتاب من لغة "الشارع" أو لغة "التداول غير الفصيح" تعابير يؤسّس فيها لـ"قراءته"، إذ يستهل الكتاب بتدبيج عن موضوعه، ثم يبني مُعجمه النقدي على تعابير كـ "بيحكوا مع بعض" ثم "نعمل واحد" ثم الكلام القذر، مروراً بتنوعيات ألفاظ الفعل الجنسي "فعط"، "فقع".

 لا يعني هذا أن لا حديث عن الحبّ، لكن، الحبّ يتجاوز نحو "عمل الواحد" في ظنّ يائس أنه طريق مختصر لتوحيد الكثير، أو الاثنين على أقل تقدير.

يخلّص التعابير السابقة من استعجامها اليومي، مدخلاً إياهاً في بلاغته وبيانه لقراءة الجنس والبورنو و"تمثيلاتهما" والمرايا بينهما، ليقرأ علينا لبنان بوصفه مقسماً إلى "مُجتمع تقليدي" و"مجتمع النجوم"، تحكم العلاقة بينهما وسائل الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعي، ثم الدولة، ضابطة أخلاق المجتمع التقليدية وحارسة "تحرّر" مُجتمع النجوم، والأهم أنه يشير إلى دور وسائل الإعلام بأنواعها، ورهانها على "اللا-نيك" إما قصداً أو إشاعةً.

إيلاج في "الشهرة"

يفترضُ عوطة أن الإيلاج بين فردين ليس إلا نفياً يولّد وهماً مفاده أنهما "واحد"، لكن ما يهمّ هو تسرب هذا "الواحد" العصي على التحقيق إلى المجتمع ومن المجتمع، تلك الكتلة من الأبدان والأعين التي تتوق إلى "الواحد".

يستعير عوطة  من لغة "الشارع" أو لغة "التداول غير الفصيح" تعابير يؤسّس فيها لـ"قراءته"، يبني مُعجمه النقدي على تعابير كـ "بيحكوا مع بعض" ثم "نعمل واحد" ثم الكلام القذر، مروراً بتنوعيات ألفاظ الفعل الجنسي "فعط"، "فقع"

ولاحقاً يستعرض عوطة أمامنا الإشاعات في لبنان حول النجوم والشرائط الجنسية المفبركة والحقيقة، وأثرها على العلاقة بين التقليدي وبين النجوم، وهنا تظهر البورنوغرافيا كنقيض للأخلاق العامة بل وسبب وجودها، كون البورنو يراهن على التحرر من التقليدي الذي يضبط البورن عبر أخلاقه القائمة على استتار الأجساد.

هذه المفارقة يتم تبنّيها في الإعلام الذي يستغل غواية ما هو فضائحي و"واحد" نرغب به، ليوظف التشويق والإثارة للجذب دون الإشباع، مراهناً على عدم القدرة على تحقيق "الواحد" مفهوماً وفعلاً، فإن كان البورن يفتضح الجنس لأقصاه، البورنو الإعلامي يختزل الأجساد حد التلاشي، موظفاً الفضول والوعد بالرعشة، مؤكداً في توظيفه هذا على عدم القدرة، أي أننا أمام مرآة لا تعكس إلا ما تتخيله عين الناظر لا ما يريده بدنه.

يقرأ عوطة المنتجات البورنوغرافية والهاوية والكاذبة بلغته التي يطوّرها، والتي تحضر فيها أطياف شعراء ونقاد، في ذات وقت هي لغة تحاول الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، لا لأن اللغة تختزل، بل لأنها نفسها محطّ صراع، أنكتب "عن" الجنس، أو "في" الجنس، أو"حول" الجنس؟ كل افتراض مما سبق لا يهدد فقط الأسلوب، بل الموضوع نفسه.

لا يشابه كتاب عوطة الدراسات البورنوغرافية التقليدية، ولا المحاولات المشابهة التي قام بها كتاب عرب لتناول ذات الموضوع، الأهم أن عوطة، الذي يُعرّف عن نفسه ككاتب لا يخشى التجريب، "لا يستحي"، يشتقّ ويصرّف ويتجنّب معجم الباه الفصيح، ضارباً "المرايا" بعضها ببعض، معيداً تكوين حطامها وكلمات جديدة.

لكن مرة أخرى، كيف نكتب عن شريط جنسي مسرب لا أوجه فيه، شريط لا يتجاوز الثلاثين ثانية، نرى فيه عين الكاميرا تحدّق بعين الفرج، وكأنها تستكشفه، تبيحه للمشاهد المتوقع، لا لصنّاعه، إطار ذكوري يحكم فريسته في إطار الشاشة، إمعاناً في قصوره الذاتي وتأطيراً لخلق أضحية أمام المجتمع التقليدي، الذي يتلصص ويشاهد ويتبادل، مُديناً ما في الإطار ونافياً الأبدان التي تظهر على الشاشة من فضاء أخلاقه، في ذات الوقت هو عاجز عن تحقيق رضاه الذاتي تحرراً وشبقاً.

من هنا أيضاً يمكن فهم كتاب عوطة: إن كان اللبس فيما نراه منقوص اللذة، فالكتابة، وإن هدّدت اللذة، تجعل من اللبس مطية لها، تدور حوله، تجيب عن أسئلة فضولنا: أجساد من هذه؟ أتشبه من أعرفه/ها؟ هل هناك مرآة في عمق المقطع تعكس وجه أحدهم؟

"بورنة" الإعلام

هذه النزعة الفضائحية والرغبة بإشباع الباه والفضول هي ما تراهن عليه "بورنة" الإعلام، هي تقدم وعداً كاذباً، مع ذلك نتتبعه ونجيب نداءها، لربما، ولو لمرة، كان رابط "فضيحة جنسية في نصف بيروت" حقيقياً، لا مجرد تلفيق بدون صور ولا نص.

هذه النزعة الفضائحية في الإعلام اللبناني والرغبة بإشباع الباه والفضول هي ما تراهن عليه "بورنة" الإعلام، هي تقدم وعداً كاذباً، مع ذلك نتتبعه ونجيب نداءها

هذا الوعد العقيم يخبئ وراءه أخلاق المجتمع التقليدي، تلك التي ترفض لكنها تشاهد، ولا تبحث بورنوغرافيا المؤسسات والصناعة، بل تلك المحلية، التي تنتمي للآخرين، الأقران والأشباه، لا أصحاب الأبدان المشدودة، بل تلك التي يتلفظ "أبطالها" كلمات نعرفها، نتداولها دون أن نراها، وهنا يأتي عدم الاكتمال: لا أحد يمتلك "الواحد".

مع ذلك التقليدي والداخلي والخفي إن سرّب أو صوّر أبدانه تحتكّ وترهز، ينتقد التقليدي ذاته حين ينتج "بورنوه" الخاص، يصادر غواية النجوم نحو سذاجة الحميمي، تلك التي تظهر في تسجيلات تُرصِّعُ فيها أسماء النجوم تسجيلات الهواة.

وكأن الاسم أبلغ من الوجه، يرضي انتصاب أو بلل المتفرّجَ سراً، فضولاً أو استمناءً، ذاك المتفرج الذي يقطع زمنه اليومي ليكتشف وهو يتوقع خيبة الأمل المتكررة، أهي حقاً هيفاء وهبة في هذا التسجيل أم مجرد شخص يشبهها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard