"لا تتزوجهنّ ولا تصاحبهنّ أو تصافحهنّ"... نبّاشات القمامة في ليالي وشوارع تونس

الاثنين 31 مايو 202104:29 م

مع سكون الليل وهدوء الحركة، تحرك لمياء عربتها المتهالكة في اتجاه مصبات النفايات، بحثاً عن القوارير البلاستيكية. تدفع عربتها بقوة مستعينة بعصا خشبية تطرد بها الكلاب السائبة، غير عابئة بالقرارات الحكومية، القاضية بمنع التجول، الذي ينطلق من العاشرة ليلاً في إطار إجراءات للحد من تفشي فيروس كورونا.

تسابق لمياء الزمن والناس من أجل الوصول إلى أكثر المصبات الخاصة بالقمامة، حتى تجمع ما يمكن من المواد البلاستيكية، قبل أن يدركها بقية النباشة، الذين انتشروا في العاصمة وكل المحافظات منذ تفشي فيروس كورونا، وفقدان عدد كبير من الشباب وظائفهم.

يعدّ خروج عاملات جمع النفايات البلاستيكية للعمل ليلاً في غاية الخطورة بسبب ارتفاع معدلات الجريمة والاغتصاب و"البراكاجات"، في مجتمع يعاني من الأزمات الاقتصادية.

قلب من حديد

تعاني لمياء من نظرة جيرانها وحتى رفيقات الدرب بسبب عملها، الجميع يتجنبها لأنها تعمل في جمع القوارير من المزابل، كما يرشقها البعض بنظرات احتقار وتعجب، أي كيف لامرأة أن تخرج في الليل إلى الشوارع وتلتقط القوارير، وهو ما يعد عيباً.

"أصبح بعضهنّ منبوذاً من المجتمع، والبعض الآخر رمزاً للفقر، حتى إن بعض العائلات توصى أبناءها بعدم مصافحتهن، أو الجلوس معهن، لأنهنّ يمثلن خطراً على صحة أبنائهم، كما يمكن أن "يوسخن" سمعة العائلة، إذ كيف لابنة فلان أن تجلس مع جامعة بلاستيك"، يقول مراد (44 عاماً) عامل بمقهى شعبي في العاصمة.

تضع لمياء كلام الناس وراءها، وعائلتها نصب أعينها، وتنطلق في سبيل حالها، غير عابئة لا بالإجراءات الحكومية الصارمة ولا بمخاطر الطريق، فالعمل بالليل، وتحدي الصعاب، لطالما اقتصر على الرجال، وكسر مثل هذا الواقع، تراه يتطلب قوة وقلباً من حديد.

لمياء، تونسية تبلغ من العمر (39 عاماً)، تسكن بحي هلال المتاخم للعاصمة، اختارت جمع القوارير البلاستيكية وبيعها من أجل ضمان قوت عائلتها، لم تكمل دراستها بسبب ما كانت تعانيه من فقر مدقع، كما عجزت عن إيجاد عمل يوفر لها أبسط مقومات الحياة الكريمة.

ليلاً، في وقت يركن فيه الناس للراحة، تبحث لمياء عن قوت عائلتها، وقوت والدها المريض ووالدتها، وأختها الصغرى. تقطع كيلومترات لتملأ عربتها بالقوارير البلاستيكية، والعودة بها إلى المنزل، قبل أن تذهب في اليوم التالي لبيعها لدى تاجر الخردة.

ولا تخفي محدثتنا قلقها من أن يتم القبض عليها من قبل رجال الأمن خلال منع التجول، إذ ينص القانون التونسي "كل مخالفة لأحكام هذا الأمر "حظر التجول"، يعاقب بالسجن لمدة تراوح بين ستة أشهر وسنتين، وبخطية تراوح بين 60 ديناراً (20 دولاراً) و2500 دينار (800 دولار) أو بإحدى هاتين العقوبتين".

تقول لمياء: "النفايات البلاستيكية مورد مهم يمكن استثماره للحصول على دخل مادي يمكنني من أن أعيل أسرتي، القمامة توفر لنا المأكل والمشرب والملبس، وهذا ما تطمح له فقيرة مثلي".

تتابع حديثها، وهي تدفع بعربتها نحو أقرب مصب للقمامة، وتسرح بنظرها علها تجد بعض القوارير المتناثرة، تقول: "رحلتي في جمع البلاستيك تنطلق مع السابعة والنصف صباحاً، أبدأ في البحث وجمع المخلفات التي رماها الناس، ثم أذهب بها في وقت متأخر من اليوم إلى المستودع الذي يقبل هذه النفايات لبيعها، ثم أعود إلى منزلي للاستحمام، وإعداد الطعام لأسرتي، قبل أن أنطلق مرة أخرى".

"انحلال أخلاقي"

جمع النفايات البلاستيكية ليس بالأمر الغريب عن التونسيين/ات، لكن ما يثير الغرابة هو خروج النساء للعمل في هذا المجال ليلاً، وهذه المسألة تثير استياء بعض الرجال، خاصة في تجمعات سكنية تميل للمحافظة، مثل مكرم الروج (43 عاماً)، وهو عامل بمقهى يلتقى كل ليلة في طريق العودة إلى المنزل ببعض النباشات، وهن بصدد جمع البلاستيك في وقت متأخر، وهو ما اعتبره "أمراً غريباً لم يكن موجوداً في بلادنا، لأن الأعمال الليلية، ومنها الشاقة عادةً توكل للرجال".

ويتابع الروج، وقد عقد حاجبيه من شدة الغضب: "كيف تسمح عائلات لبناتها بالخروج الى الشوارع ليلاً من أجل حفنة من القوارير، هل بهذه الطريقة سيتحسن حالها".

"رأيت طفلاً ينظر إلي وأنا آكل قطعة من الموز، ويبكي، قسمتها بيننا، وإذا بوالدته ترميها من فمه، وتقول لي: هل يدك نظيفة لتقدميها للأطفال، وبكيتُ"

يرى الروج ذلك دليلاً على ما اعتبر أنه "انحلال أخلاقي داخل الأسر التونسية"، و"انتفاءً لمظاهر الرجولة"، بحسب تعبيراته المحافظة، وتدافع لمياء عن عملها في جمع القوارير، مشددة على أنه "شريف"، فهي لم تسرق، ولم تتسول، وهو ليس خياراً بالنسبة لها، إنه أمر واقع مفروض عليها، نظراً لانتفاء البديل، الذي يوفر لها مالاً كافياً لشراء ضرورياتها. والليل هو الوقت المناسب، إذ تلقي العائلات التونسية بالقمامة، وهو فرصتها لملء عربتها في أسرع وقت.

تتجول لمياء بين مصبات الفضلات، تتحسس الأكياس المغلقة دون أن تكترث للمخاطر الصحية التي يمكن أن تصيبها بسبب تلك المزابل، وترفع القوارير من داخل الأوعية المخصصة للقمامة، رغم الروائح الكريهة المنبعثة من المكان. تقول: "البحث عن القوارير البلاستيكية بهذه الطريقة أهون عليّ من أن أعود إلى المنزل خالية الوفاض، ابتسامة أمي عندما أعود محملة بالخضر والخبز تنسيني همومي، وتجعلني فخورة بنفسي، لطالما كنت أحلم برسم البسمة على شفتي والدي، لكن رغم الظروف نحن بخير، ونعيش بقناعة، ولا ننظر لمن حاله أفضل من حالنا، حتى لا نتعب معنوياتنا".

مضايقات يومية

تتكئ لمياء على عربتها، وملامح الخجل بادية على محياها، تمسح جبينها المتصبب عرقاً، لكن يبدو أن مشاعر الألم والمعاناة التي تمر بها أقوى من أن تقوله الشفاه، تتنهد بقوة ثم تضع عصاها في مكانها المخصص، وتواصل رحلة البحث.

تتعرض لمياء يومياً إلى مضايقات من بعض المارة، وخاصة من منافسيها في العمل، وتقول: "بعض الشبان أو الرجال الذين يجمعون القمامة أصبحوا يسيطرون على قمامات معينة، ويرفضون من يقترب منها، وقد تعرضت في أكثر من مرة للطرد بسبب قارورة بلاستيكية".

وتضيف: "في النهار نتعرض الى مافيا القمامات، وفي الليل إلى مافيا التحرش والسرقة و"البراكاجات"، ناهيك بأننا نعمل ليلاً بطريقة غير قانونية، مخالفات للحجر الصحي، وقد نتعرض إلى التوقيف".

وتواصل: "قد أصبحنا غرباء في وطننا، الناس ينظرون إلينا وكأننا نزلنا عليهم من السماء، نظراتهم قاسية وكلامهم مسموم".

قبل منتصف الليل، تعود لمياء إلى المنزل المتواضع بحي هلال، المتاخم للعاصمة لتأخذ قسطاً من الراحة، استعداداً ليوم جديد مليء بالمفاجآت.

"بنت الفلاح"

من منطقة باب الجزيرة التي تبعد كليومتراً عن وسط العاصمة، تتسلل بنت الفلاح (45 عاماً)، كما يطلق عليها المارة، كل ليلة إلى مصبات القمامة القريبة من منزلها المتواضع، للظفر ببعض الكيلوغرامات من البلاستيك من أجل بيعها وتوفير مصاريفها اليومية.

تقول بنت الفلاح: "في الحقيقة لا يتعرض لنا أعوان الأمن رغم تجاوزنا للقانون، لكن في بعض الأحيان يضطرون إلى طردنا لكثرة البرباشة، أو عندما تكون هناك إجراءات أمنية صارمة".

وتلفت إلى أنها تتحدى السلطة، وتخالف القانون، ولكن بسبب الفقر، وعدم تمكن الدولة من توفير شغل لـ"الفئات الضعيفة" في المجتمع، على حد تعبيرها.

"الناس ينظرون إلينا وكأننا نزلنا عليهم من السماء، نظراتهم قاسية وكلامهم مسموم، أصبحنا غرباء في وطننا"

تتذكر أنها مرة أحست بالتعب، فركنت إلى الراحة أمام باب إحدى العمارات، وأخذت من حقيبة الظهر التي تحملها قارورة من الماء، وقطعة موز لتسكين جوعها قبل العودة إلى المنزل، فإذا بطفل صغير يمر أمامها هو وأمه وكان يجهش بالبكاء، وينظر إليها ويحدق في قطعة الموز، فقسمتها إلى قسمين وقدمت له جزءاً منها، وعندما هم بوضعها في فمه خطفتها أمه بقوة ورمتها في القمامة، ثم نظرت إليها نظرة حادة، وقالت: هل يدك نظيفة حتى تقدمي الطعام للأطفال.

تقول بنت الفلاح: "حينها تجمدت في مكاني من الخجل، وتلعثم لساني، ولم أتفوه بكلمة، لكن دموعي سبقت الكلام الذي كنت سأقوله".

سلاف ( 41 عاماً) من منطقة باب الجزيرة بالعاصمة، كانت على علاقة حب بأحد جيرانها، لكن علاقتهما لم تتوج بالزواج بعدما رفضتها والدة الرجل، بسبب عملها، قالت له: "هل تتزوج فتاة المزابل؟".

أسراب النساء اللواتي يتسللن مع فجر كل يوم جديد إلى المزابل، أمثال لمياء وبنت الفلاح وسلاف، يتزايدن يوماً بعد يوم، بحثاً عن الأمل في حياة كريمة، ولو كان ذلك على حساب صحتهن ونظرات المجتمع القاسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard