السيولة الجندرية وتحولات الجسد في عرض "Turning Point"

الاثنين 26 أكتوبر 202002:02 م

عرض "نقطة تحول Turning Point" الراقص هو مساحة للألفة ونقيضها، حيث المسلمات المرتبطة بالجندر والتقليد والجسد عرضة للمُساءلة. العرض من تصميم نانسي نعوس، وهي مصممة رقص وراقصة لبنانية فرنسية، تبحث عروضها في سؤال الهوية وتشكل أعمالها حالة تجمع بين الموروث والحداثة. تم تقديم العرض على خشبة مسرح l'Etoile du Nord في باريس، ويشارك نانسي نعوس الراقص نديم بحصون، ومعاً يمنحان العرض طاقة استثنائية.

وبأداء حيوي يحقق معادلة فريدة، ينحصر فيها الرقص إلى حدوده الدنيا، محرراً الخيال والمعنى إلى درجة عظمى، تترافق وتشتبك بأداء موسيقي حي لعلي بيضون، وسينوغرافيا لبيسان الشريف، كلما تقشفت في عناصر العرض كلما أثرت العلاقات المتبادلة فيما بينها. كل ذلك بإمضاء دراماتورجي لعبدالله الكفري، الذي يجدد تعاونه الفني مع نانسي نعوس بعد عرض "فأدبه لي"، قبل عامين.


بطاقة استثنائية، صممت الراقصة اللبنانية الفرنسية نانسي نعوس عرضها الراقص "نقطة تحول"، لتطرح من خلاله أسئلة حول المسلمات المرتبطة بالجندر والتقاليد والجسد

ومنذ البداية، يختار الراقصان أزياءهما بطريقة تتحدى الإيهام وتؤكد على أن ما نراه يقوم على قصدية واعية. يتماهى جسدا الراقصين في أزياء تلغي الفوارق الجندرية، وفي جدلية تظهر أثر المجتمعي على الجسد وتحولاته.

كيف يتم تنميط الفن الشرقي؟

يتقدم العرض لتخرج التحولات من الجسد وتشمل الفضاء المسرحي، حيث تتحول الأزياء التقليدية وإكسسوارات الرقص الشرقي وفن الدبكة بانقلاب درامي غير حاد، من وظيفتها التقليدية ذات المرجعية التقليدية عند المتفرج، إلى أدوات تعكس الأدوار الجندرية وتجعل من التقليد فناً حديثاً. كل ذلك يحدث عبر التلاعب الدلالي بقطع أزياء محدودة، وهي البنطلون الأسود، شديد الحياد، والـ top البرّاق، على النقيض تماماً.

كيف ننظر للفن الشرقي؟ وكيف يتم تنميطه؟ وكيف يتحدى الراقص منظومة أبوية تحد من حرية جسده وقدرته على التعبير؟ هذه الأسئلة جزء من عرض نعوس الذي يمنح الرقص الشرقي والدبكة هوية حداثوية، تلغي التنميط وتخلق شكلاً مختلفاً لهذا الفن عند أفق التلقي.

يثير العرض الراقص "نقطة تحول" تساولات حول تنميط الفن الشرقي وتحديه لمنظومة أبوية تحد من حرية الجسد وقدرته على التعبير

تبحث نعوس بمفهوم الوصمة الذي يلاحق الراقص والتي تتحول إلى حالة من الفخر إن كان يمارس الدبكة، والتي تعتبر رمزاً للرجولة والقوة. يقدم الراقصان الرقص الشرقي والدبكة بطريقة تضفي عليهما ذات اللمسة الفنية الرفيعة، فيحرران الرقص من التنميط الذي يربطه بجنسانية بحتة وبدلالات سلبية. يحفل العرض بحالة من الخيال وبطاقة جميلة تساهم بتغيير المفاهيم المسبقة التي تحيط بالرقص الشرقي في خيال المشاهد، وهو ما يحمله أداء راقص، كلما انضبط في إيقاعه كلما حرر الجسد من السرديات التي تقيّده.

نلمس بوضوح عبر العرض التطبيع لجسد الرجل الراقص، الذي لا تغادر الفتوى والشدة ملامح وجهه، سواء كان يؤدي الرقص البلدي أو الدبكة، والتي تحيل الرقص إلى عناصره الأولية، حيث يتحد الجسد مع الذات في بوتقة تعزله عن الدلالات الجنسانية التي يصمه بها المجتمع.  

بحسب نانسي نعوس "يمكن إرجاع أصل هذا العرض إلى المقابلات التي أجريتها مع راقصين من العالم العربي. بدأت أسألهم عن بداياتهم في الرقص، ومهنة الرقص في بلدهم، ورد فعل الأسرة والأقارب على مهنتهم. يرتبط الرقص في الغالب بمجال الترفيه والتسلية. تشير كلمة (الرقص) في العالم العربي إلى صورة الراقص المغري أو الراقص المخنث، إلا إذا كان يمارس الرقصات الشعبية التي تنقل الرجولة والقوة: حركة الرجل الرياضي. في بعض دول الشرق الأوسط، نفضل أن نقول دبكة (الرقص الشعبي الدبكة من الشرق الأوسط) لتسمية راقصي الدبكة، حتى لا تستخدم كلمات نفس العائلة مثل الرقص. بالطبع، هناك فروق دقيقة واختلافات من بلد إلى آخر".

سؤال الذكورة

تأتي أهمية عروض نانسي نعوس لكونها تبحث في الجسد الذكوري وفي سؤال الذكورة، في فترة يزداد الاحتياج فيها لتغيير المفاهيم السلبية المرتبطة بها. المنافسة والشدة والقوة جميعها صفات تمثل القيم العليا للذكور، وقد باتت محل تساؤل، وبات من الملحّ الإصرار عبر الفنون على تقديم سمات مختلفة لنماذج ذكورية حديثة. ترى جوديث بتلر "أن الجندر هو شرط اجتماعي وأن الأداء هو مفهوم يخضع للتطبيع المجتمعي للأدوار الاجتماعية".

هذا ما نلمس انعكاسه في مشهد يبدل الراقصان فيه أزياءهما ويتبادلان فيما بينهما قطعاً من الأزياء التقليدية النسوية وما يقابلها من الأزياء الذكورية، حتى تضيع الفوارق بينهما في لحظة من "السيولة الجندرية Gender fludity "، ليتحرر الجسد من القواعد المتزمتة. عرض "Turning Point" من العروض التي تعكس التحول في الشارع العربي الذي يبحث عن التغيير، معبراً عن رفضه بالرقص كنقطة تحول.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard