الحيرة الأردنية إزاء القضية الفلسطينية... بين الدعم والمخاوف

الأربعاء 26 مايو 202103:18 م

لا يزال الموقف الأردني تجاه الأزمة الفلسطينية يأخذ الطابع الحذر الذي ينأى بنفسه عن أخذ زمام الأمور والمبادرة، وهذا بسبب العديد من العوامل التي تحكمه. فعلى الرغم من تصريحات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الأخيرة، والتي أكدّ فيها أنّ المملكة الأردنية تضع إمكانياتها كلها، وعلاقاتها الدبلوماسية في خدمة القضية الفلسطينية، إلا أنّ هذا الموقف يبقى في الإطار العام التقليدي الذي من المفترض أن يلعبه الأردن تجاه الأزمة الفلسطينية، بسبب عامل القرب الجغرافي والجيو-سياسي الذي يقرّبه كثيراً من أشقائه في الدم والنسب، على الضفة المقابلة للنهر. 

مراقبون رأَوا في المواقف الأردنية تجاه ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية، ومنها ما حدث من اقتحامات للمسجد الأقصى، وقضية تهجير أهالي حي الشيخ جرّاح، وما حدث مؤخراً في غزة، طابعاً تقليدياً، وأنّها لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب، بل لا ترقى إلى الدور المأمول من الأردن.

إذ لم تحدث أي تغيّرات فارقة أو نوعية حيال الأحداث والتطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية، بخلاف الموقف المصري الذي تناغم إلى حد كبير مع ما يجري في غزة إلى درجة وصل فيها إلى مرحلة التقارب والتصالح معها. وهذا ما تُرجم مؤخراً عبر إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن تقديم مصر مبلغ ٥٠٠ مليون دولار كمبادرة مصرية تُخصَّص لصالح عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة نتيجة الأحداث الأخيرة، مع قيام الشركات المصرية المتخصصة بالاشتراك في تنفيذ العملية.

غموض الموقف الأردني

على الرغم من التصريحات الرسمية المؤيدة لصمود الشعب الفلسطيني، وسماح الجهات الرسمية بالعديد من التظاهرات للتضامن مع الأشقاء الفلسطينيين، إلا أنّ الأمن الأردني اعتقل أكثر من 500 شخص في رسالة واضحة لعدم تجاوز الحد المسموح به في دعم القضية. الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات حول الموقف الحقيقي للأردن، وتناقض تصريحات المسؤولين فيه حول موقفهم الداعم للفلسطينيين إزاء ما يجري على أرض الواقع.

"التناقض في المواقف يعود إلى أنّ النظام الأردني يسعى إلى إعادة تفعيل دوره في الإقليم، على الرغم من رضوخه في السنوات الماضية لضغوط أنظمة الخليج التي تريد إدارة ملف القضية بشكل مختلف، والسطو على الدور الأردني"

الناشط السياسي رحال صبيحات يتحدث عن ذلك التناقض لرصيف22 قائلاً: "سبب هذا التناقض في المواقف يعود إلى أنّ النظام الأردني يسعى إلى إعادة تفعيل دوره في الإقليم، على الرغم من رضوخه في السنوات الماضية لضغوط أنظمة الخليج التي تريد إدارة ملف القضية بشكل مختلف، والسطو على الدور الأردني. فضلاً عن أنّ انغماس عمّان في مشاكلها الداخلية جعلها تتأخر في إحراز أي تقدم نوعي تجاه القضية الفلسطينية".

التنظيمات الفلسطينية ممنوعة في الأردن

في عهد الملك عبد الله الثاني لم يعد في الأجندة الأردنية أي تفكير أو رغبة في منافسة منظمة التحرير على حكم الضفة الغربية، وهو ما أدى إلى خروج حماس من الأردن، بعد أن كانت تستخدم أراضيه، فضلاً عن ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تستغلّ أعضاء الجماعة وحضورهم، من دون علم القيادة أحياناً. لذلك لم يبقِ الأردن على أرضه أي تنظيمات فلسطينية، قد تسبب له أزمات تهدد أمنه.

وفي هذا السياق، يعلّق الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي (الجناح السياسي للإخوان المسلمين في الأردن) زكي بني أرشيد، في حديث مع رصيف22 قائلاً: "إن انتصار المقاومة الفلسطينية في معركة سيف القدس ونتائجها، ربما تقدّم فرصة جديدة للأردن كي يلعب دوراً محورياً إقليمياً، لكن ذلك يحتاج إلى مراجعة السياسات الرسمية الراهنة على المستويين المحلي والإقليمي، وهو ما يتطلب خطوات جريئة نحو التحوّل الديمقراطي".

ويضيف بني أرشيد: "إذا كانت "إسرائيل" عاجزة عن مواجهة المقاومة الفلسطينية، فعلى الأردن فتح أبواب العلاقة مع القوى الصاعدة، وفي مقدمتها حركة حماس".

"صانعو القرار الأردني هم شخصيات ورموز ليست من النسيج الوطني الأردني، وينفّذون أجندات خارجية، وتابعة لدول وقوى دولية، منها من هو مرتهن وتابع للبنك الدولي، ومنها من يتبع السياسة الأمريكية، وآخرين يتبعون السياسة الإماراتية-السعودية"

غياب المطبخ السياسي الأردني

 يرى العديد من المحللين والمراقبين في الشأن السياسي الأردني، أنّ غياب المطبخ السياسي هو السبب الرئيسي والحقيقي في ضعف الموقف الرسمي الأردني، وعدم تطوره على كافة الأصعدة، وهذا ما يذهب إليه المحلل السياسي الأردني شلاش الخريشة في حديثه لرصيف22، قائلاً: "صانعو القرار الأردني هم شخصيات ورموز ليست من النسيج الوطني الأردني، وينفّذون أجندات خارجية، وتابعة لدول وقوى دولية، منها من هو مرتهن وتابع للبنك الدولي، ومنها من يتبع السياسة الأمريكية، وآخرين يتبعون السياسة الإماراتية-السعودية. وهذا ما أضعف الموقف الأردني تجاه الأزمة الفلسطينية الأخيرة".

اتجاهات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية

تلقّى الملك الأردني اتصالاً من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، إلا أنّ مراقبين يرَون أنّ ذلك الاتصال لا يحمل في طياته مقدمة لمتغيرات كبيرة في الموقف الأردني، فالعلاقة مع حماس تدخل في إطار المجاملة السياسية، ليس أكثر.

ويعود ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها عدم رغبة عمّان بتوتير العلاقة مع السلطة الفلسطينية، أو تجنّب الدخول في مزيد من توتير العلاقة مع الجانب الإسرائيلي، عدا عن وجود ضغوط أمريكية ومصرية وخليجية، وسعي أطراف داخلية لإقناع الدولة الأردنية بأنّ كلفة رفع مستوى العلاقة مع الحركة ستكون كبيرة.

لم تحدث أي تغيّرات فارقة أو نوعية حيال الأحداث والتطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية، بخلاف الموقف المصري الذي تناغم إلى حد كبير مع ما يجري في غزة إلى درجة وصل فيها إلى مرحلة التقارب والتصالح معها

العامل الاقتصادي مؤثر قوي لا يمكن إغفاله، فحجم التبادل التجاري بين الأردن وفلسطين وصل إلى 126 مليون دينار أردني، بالإضافة إلى وجود استثمارات إسرائيلية في الأردن تؤمّن تشغيل آلاف الأيادي العاملة الأردنية، وبقاء هذه الاستثمارات مصلحة حيوية أردنية.

فضلاً عن أن في عمّان من يرى أنّ أي تطور، أو نقلة نوعية تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية، سيقود إلى تقوية شوكة المنظمات والفصائل الفلسطينية ضد الأردن.

بين ثوابته الداعمة للقضية الفلسطينية، ومخاوفه من ضغوط عواصم، وتهديدات فصائل، يظلّ الملك عبد الله قابعاً بين السندان والرّحى، وهو ما يشي بعدم تغيّر جذري في مواقف بلاده حيال تلك القضية الفارقة، في القريب العاجل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard