خلافات بين المثقفين المصريين حول الموقف من أحداث فلسطين

الجمعة 21 مايو 202111:38 ص

أثار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، المتزامن مع اعتداءات المستوطنين على المسجد الأقصى ومحاولات تهجير أهالي حي الشيخ جراح، وما صاحبه من احتجاجات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وإطلاق كتائب القسام وغيرها من فصائل المقاومة صواريخاً على تل أبيب والمستوطنات، جدلاً وانقساماً في الوسط الثقافي المصري.

وأبدى عدد من المثقفين تضامنهم مع فصائل المقاومة الفلسطينية، بينما هاجم آخرون حركة حماس وحمّلوها مسؤولية إراقة الدماء في غزة، على خلفية خلافات سياسية ودبلوماسية امتدت لسنوات بين القاهرة وحكومة حماس.

وتعود جذور الأزمة بين مصر والحركة إلى العلاقة الوثيقة التي تربط الأخيرة بجماعة الإخوان المسلمين، المصنّفة إرهابية في مصر، غير أن العلاقة بينهما شهدت انفراجة في السنتين الأخيرتين وبدت جيّدة في الأسبوع الأخير، إذ بذلت مصر جهوداً لكبح جماح العدوان الإسرائيلي على غزة، وإعادة فتح معبر رفح، كما خصصت مبلغ 500 مليون دولار لإعادة إعمار القطاع.

لا يجب انتقاد حماس على الإطلاق

يعتبر الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد أن الاعتداءات الصهيونية هي استكمال لخطة إسرائيل للسيطرة على كل القدس، وشجعها عليها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حين أعلن القدس كاملة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، ووجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ذلك فرصة للخروج من أزمته.

ويقول: "أنا ضد وجود دولة إسرائيل المحتلة وأعرف من التاريخ وقراءته أنه ليس لها أي حقوق في هذه الأرض وأنها نتاج الاستعمار البريطاني الذي أراد أن يضع خازوقاً بين الدول العربية، لقد كانت أوروبا على طول تاريخها ضد اليهود، وفي القرن الـ19 ارتكبت مذابح بحقهم في إسبانيا وفرنسا وروسيا، وفي ألمانيا في القرن العشرين، ووجدت الدول الأوروبية وخاصة إنكلترا حلاً مع المتطرفين الصهاينة بأن تجعل لهم دولة في فلسطين بحجة دينية كاذبة هي أنها أرض الميعاد التي وعدهم بها الله".

وبرأيه، "اتّحدت السياسة التي تسعى إلى تفريق العالم العربي مع النزعة الدينية الكاذبة للصهاينة، والمدهش أن أكثر اليهود الذين فرّوا من أوروبا لجأوا إلى فلسطين وعاشوا فيها كمواطنين فلسطينيين ثم تم الكشف عن الوجه القبيح للصهيونية وتمت المذابح بحق الفلسطينيين وطردهم من بلادهم، لذلك عشت عمري ضد هذه الدولة التي تسمى إسرائيل ولا أزال".

ويضيف: "يتحمل المسؤولية مَن بدأ وهي إسرائيل التي بدأت بطرد سكان حي الشيخ جراح الفلسطينيين، وهي التي أرادت منع الفلسطينيين من الصلاة في المسجد الأقصى".

حماس لم تبدأ الحرب، وفق قراءته، بل "وجهت إنذاراً لإسرائيل بأن تتوقف عن ذلك قبل أن تطلق أي صاروخ وإسرائيل لم تهتم".

لذلك، باعتقاده، "لا يجب انتقاد حماس على الإطلاق. بالعكس. ما فعلته حرّك الفلسطينيين في الضفة والمدن الواقعة تحت الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948 وهذا ما يربك إسرائيل أكثر وسيظل يربكها. وإسرائيل مهما دمرت من غزة لن تستطيع أن تعيش كما كانت من قبل ودخلت طريق النهاية ولو طال الوقت".

ويتابع: "القضية الفلسطينية دخلت طريقها الصحيح، أما الأحداث فلقد كشفت الوجه القبيح للبعض مثل (الرئيس الأمريكي جو) بايدن، لكنها أيضاً كشفت عن تعاطف كبير في العالم لم يحدث من قبل، من دول ومن شخصيات عالمية... إسرائيل الآن في نظر غالبية العالم دولة تمييز عنصري وإرهاب ولا بد أن تدفع الثمن. وهناك قضية وطنية هي تحرير فلسطين وعلينا جميعاً أن نتكاتف مع الفلسطينيين ويجب على كل فصائل المقاومة أن تتكاتف مع بعضها".

عدو مشترك للشعب المصري والفلسطيني

بدوره، يعرب القاص والكاتب المصري أحمد الخميسي عن إدانته للمجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وعن تعاطفه العميق وإعجابه ببطولات ذلك الشعب الذي لم يكف عن المقاومة على مدى قرنين.

ويضيف الخميسي: "علاوة على ذلك، فإن الوجود الصهيوني النشط وراء تعطيش الشعب المصري في مسألة سد النهضة بلور بوضوح قاطع أن إسرائيل عدو مشترك للشعب المصري والفلسطيني بل والشعوب العربية كافة. وفلسطين كانت دوماً في القلب، الآن هي القلب ذاته بكل آماله العارمة في التحرر والكرامة والتطور".

ويتابع: "عندما يقول البعض لنا إن الكيان الصهيوني له سبعون عاماً وأصبح حقيقة واقعة، فإننا نذكره بأن الاحتلال الفرنسي للجزائر استمر 130 عاماً، ثم اجبرته المقاومة على الرحيل، وسوف يحرر الشعب الفلسطيني أرضه وسماءه وأشجاره وأنهاره من دنس الغزاة والاحتلال. أثق في ذلك تماماً".

"عندما يقول البعض لنا إن الكيان الصهيوني له سبعون عاماً وأصبح حقيقة واقعة، فإننا نذكره بأن الاحتلال الفرنسي للجزائر استمر 130 عاماً، ثم اجبرته المقاومة على الرحيل"

وفي سياق نشاطه دفاعاً عن الفلسطينيين، أطلق الخميسي بياناً بعنوان: "عاش كفاح الشعب الفلسطيني والنصر للمقاومة"، وقّع عليه أكثر من 1300 مثقف ومثقفة.

لا يمكن أن نلوم الضحية

من جانبه، يعتبر الشاعر سمير درويش، رئيس تحرير مجلة ميريت الثقافية، أن "الوحيد الذي يتحمل مسؤولية أي صدامات تحدث في فلسطين المحتلة هو المحتل الذي يغتصب أرضاً ليست له، بناءً على دعاوى توراتية عمرها آلاف السنوات، بحراسة المجتمع الدولي والقوى الكبرى، ويطرد ويضطهد أصحاب الأرض الذين ولدوا عليها هم وأجدادهم وأجداد أجدادهم".

ويقول: "لا يمكن أن نلوم الضحية، أو أن نخطِّئ الواقع تحت الاحتلال لأنه يكافح لاسترداد حقه واستقلال بلاده، خصوصاً أن فلسطين محتلة بواسطة جماعات نازحة من بلدان مختلفة، وليست دولة يمكن أن تخرج إذا وجدت أن بقاءها يكلفها أكثر مما يفيدها، كما حدث مع احتلال بريطانيا لمصر أو فرنسا للجزائر، إلخ".

ويشير إلى أن القضية الفلسطينية عادلة، "والغريب أن القوى الدولية التي قطعت شوطاً طويلاً في سباق التحضر وحقوق الإنسان تتفرج على هذه المأساة ولا تتدخل حتى بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة، بل تساعد المغتصب على إكمال جريمته للنهاية، كما رأينا في قرار نقل السفارة الأمريكية وسفارات أخرى إلى القدس، اعترافاً بإعلان إسرائيل أنها، مكتملة، عاصمتها الأبدية".

بينما في المقابل، يتابع، "تسكت هذه القوى عن تشريد شعب فلسطين في الداخل والخارج، وتقيّد حركته، وتعتبره منبوذاً ولا تستقبله المطارات حول العالم، ويستخدم ضده الاحتلال كل قوة جيشه الباطشة من طائرات وصواريخ، وهو الأعزل المظلوم".

ويكمل: "كمثقف أؤمن بأن أرض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر هي أرض الشعب الفلسطيني، ولا أعترف بأي تفاهمات أو معاهدات أبرمها السياسيون، وأتت على خلفية الاختلال الكبير في ميزان القوى لصالح المحتل الصهيوني الغاصب، المحمي والمؤيد من قوى الاستعمار القديم والجديد، فنحن لم نكن طرفاً في ما عُرف تاريخيّاً بـ‘المسألة اليهودية’، التي جعلت أوروبا تتخلص من اليهود، لذلك من العار على المجتمع الدولي أن يحمّلنا الفاتورة وحدنا دون ذنب".

ويؤكد درويش أنه "مع حق الشعب الفلسطيني، في الضفة وغزة وفي الداخل والشتات، في المقاومة بكافة أشكالها حتى جلاء آخر (مستوطن) إسرائيلي عن أرض فلسطين التاريخية"، وأن "كافة أشكال المقاومة لا تضع هذا الشعب العريق في موقع المتهم، بل البطل الذي يرفض الظلم والعدوان".

القدسُ مدينة كل الأديان في المنطقة

مقابل هذه الآراء، شهد الوسط الثقافي المصري جدلاً كبيراً عقب تصريحات للروائي المصري يوسف زيدان بشأن القدس.

وكتب زيدان عبر حسابه على فيسبوك:

كما كتب أنه "لا يجوز لأصحاب أي ديانة، المناداة بأن القدس عاصمتهم الروحية، فالروح لا عواصم أرضية لها... ولا بد في خاتمة المطاف أن يأتي يومٌ يتعقَّل فيه الناس ويتوافقوا على أن هذه المدينة، تاريخياً، من حق أتباع وأهل هذه المذاهب كلها، والديانات: اليهودية التوراتية، اليهودية السامرية، اليهودية الأسينية، الوثنية الرومانية، الصابئة وعبدة الكواكب، المسيحية الأرثوذكسية، المسيحية الكاثوليكية، المسيحية البروتستينية، الإسلام السُّني، الإسلام الشيعي... القدسُ مدينة كل الأديان بالمنطقة، ما استمر منها وما اندثر، ولن يصح أن تكون مستقبلاً عاصمة لفريق من القرناء الفرقاء... وإلا دام الدمُ النازف، وبقي القتلُ الجارف، وصار الدمارُ دائماً أبداً".

"الجعجعة الرقيعة والقعقة الفارغة والمتاجرة بآلام الأبرياء، فهي أمور جرَّبناها طويلاً ولم نجد لها جدوى، إلا تحقيق مكاسب شخصية لتجار الحرب ومقاولي الموت المجاني"

ويقول زيدان إن "المشكلة الفلسطينية-الإسرائيلية يحتاج حلُّها جهوداً مخلصة ونوايا صادقة من أطراف النزاع، جميعهم وبلا استثناء. أما الجعجعة الرقيعة والقعقة الفارغة والمتاجرة بآلام الأبرياء، فهي أمور جرَّبناها طويلاً ولم نجد لها جدوى، إلا تحقيق مكاسب شخصية لتجار الحرب ومقاولي الموت المجاني".

حماس موقفها شائك جداً وغير صريح

بدوره، يعبّر الكاتب إيهاب بديوي عن عدم ثقته بحماس ويقول: "بالنسبة إلى حماس، موقفها شائك جداً وغير صريح وغير مفهوم لنا ويجب التعامل معها بكل حذر".

ويعتبر أن العدوان الإسرائيلي كان متوقعاً لأن "هدفهم هو تهويد القدس وبناء الهيكل، ولن تتوقف المحاولات أبداً، والمسجد الأقصى هو مسؤولية جميع الدول العربية والإسلامية مجتمعة، وأنا أرفض تماماً هذه المخططات".

لكنّه يضيف: "يجب أن نتحد جميعاً لإقامة الدولة الفلسطينية على نصف الأرض المحتلة على الأقل ثم العمل على تحرير كامل الأراضي الفلسطينية، ولا بد أن يعود الحق لأصحابه مهما طال الزمن"، ويتابع: "يجب أن يتحد المثقفون العرب ويجتمعوا على هدف واحد وهو كشف الزيف الذي تروج له جميع وسائل الإعلام العالمية ويوضحوا دائماً أن اليهود مغتصبون ومحتلون وقضيتهم خاسرة".

هنية أنقذ إسرائيل من الحرج

من جانبه، يعتبر الروائي والشاعر شحاتة العريان أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية أنقذ إسرائيل من الحرج بدفعات من الصواريخ بلغت الأولى منها 1500 صاروخ قتلت ثمانية إسرائيليين بمعدل نحو 200 صاروخ لكل قتيل إسرائيلي وهي تكلفة فادحة وتظهر المشكلة أكثر برأيه "إذا أضفنا للتكاليف ضحايا القصف الإسرائيلي على غزة وحجم الدمار في مرافقها ومنشآتها، وكيف استثمرت إسرائيل قتلاها لتبدو في هيئة الضحية ويدين العالم غرباً وشرقاً الفلسطينيين المعتدين على المدنيين في إسرائيل".

برأيه، "قلب الغباء المعادلة لصالح الخصم... هذا ما جنته حماس الإخوانية علينا وعلى القضية الفلسطينية... فلسطين قضية وطن محتل يمكن تحريره كما حررنا بلادنا من الاحتلال الأجنبي، ولكن الذي يجعلها قضية لا حل منظوراً لها هو ذلك التديين الذي بدأته إسرائيل بإخراج الشيخ أحمد ياسين ليؤسس خلية حماس الإخوانية، رداً على قرار الأمم المتحدة اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني".

ويضيف أن الإسرائيليين "لم يكتفوا بشق الصف الفلسطيني بل قسموه إلى الضفة وغزة، وقادة غزة يفسدون ما يشرع به قادة الضفة، والعكس بالعكس، ولكن هذه المرة قتلت حماس بصوريخها الحمقاء جنين ثورة تحرير فلسطينية جديدة كانت بدأت في حي الشيخ جراح في القدس".

ويتابع العريان: "تحويل قضايانا الرئيسية كقضية فلسطين إلى قضية دينية يمثلها قطعان التأسلم الوهابي بشعارات من قبيل ‘خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود’ يسهل شيطنتهم ومواجهتهم بالسلاح الذي تتفوق فيه إسرائيل بدعم غربي لقمع كل محيطها الإقليمي".

ويتحدث عن "مشكلة كبرى" هي "غياب العقل وحضور الانفعال وهو ما يستغله تجار الدين للتسلط"، واصفاً هؤلاء بأنهم "رجعيون محافظون منغلقون حتى عن طوائف شعبهم من مسيحيين وسامريين وسواهم"، ومضيفاً: "منتهى الفوضى أن يحمل الغبي السلاح. سيستخدمه أولاً ضد أهله فيجرّ عليهم الويلات ثم ضد نفسه حين تتصارع تلك الفصائل لاقتناص غنيمة ما".

ولكنه في المقابل، يعتبر أن قضية فلسطين "قضية عادلة واضحة ولا يمكن للعالم سوى تفهم عدالة مطالب الفلسطينيين... وجرائم قوات الاحتلال موثقة بالصوت والصورة".

المقاومة بكل صورها مشروعة

كثيرون من المثقفين المصريين رفضوا أي كلام لا يركّز على إدانة العدوان الإسرائيلي.

وكتب أستاذ العلوم السياسية عمرو الشوبكي على فيسبوك: "لا أعرف ما الذي أصاب بعضنا حين يحوّر النقاش حول العدوان والاحتلال الإسرائيلي إلى كلام عكس الفطرة الإنسانية السليمة، فيبدأ في ترديد تخاريف عن الشعب الذي باع أرضه، ولا يميز بين الخلاف مع حماس وبين التبلد وانعدام الإنسانية في التعامل مع أكثر من 200 شهيد ما يقرب من نصفهم من الأطفال والنساء".

وأضاف: "مبدأ المقاومة بكل صورها ضد المحتل أمر مشروع، والخلاف حول أدوات المقاومة وتوقيتها ونتائجها أيضاً أمر مشروع حتى لا يحوّل البعض خيارات حماس إلى مقدس لا ينقَد ولا يناقَش... ولكن هذا النقاش لن يكون وقته الآن، كما لا يمكن أن يساوي بين سلطة احتلال تمارس أبشع أنواع التمييز العنصري وتمتلك آلة قتل مرعبة، وبين مقاوم للمحتل حتى لو اختلفنا مع كل توجهاته".

بدروه، كتب الروائي والباحث في العلوم السياسية عمار علي حسن على فيسبوك إن "صواريخ بسيطة لقوة مقاومة بلبنان وغزة، تم تطوير مداها وقوة تدميرها ودقة تصويبها" كسرت تماماً نظرية "الحدود الآمنة" التي قامت عليها إسرائيل بدعم غربي.

وأضاف: "إن فلسطينيي 48 الذين اتهمهم الجهلاء والمغرضون ببيع أراضيهم، هم مَن تمسكوا بأماكنهم وكانوا يملكون 82% من الأرض التي أعلنت عليها إسرائيل دولتها، ففرض عليهم حكم عسكري بين 48 و66 ترتب عليه طردهم عنوة من أرضهم وبيوتهم، وأجبر بعضهم على التنازل عنها، فلم يبق لهم سوى 3% فقط.، ها هم قد انتفضوا اليوم ضد ظلم طويل وقمع وقهر، ونصرة للقدس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard