"في كل حين أتمنى الموت"... صرخة النازحين في غزة من ظروف مراكز الإيواء

الجمعة 21 مايو 202110:49 ص

في إحدى غرف مدارس شمال قطاع غزة التي تحوّلت إلى مركز لإيواء نازحين بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، كانت تجلس إيمان البسيوني برفقة ثلاث من بناتها وأربع زوجات لأبنائها. كنّ يتبادلن أطراف الحديث في محاولة لتجاوز الواقع الصعب الذي يعشنه، فيما جلس الرجال والأطفال في باحة المدرسة الخارجية.

تقول إيمان التي تبلغ من العمر 56 عاماً لرصيف22 إن "الحياة داخل مدارس النزوح صعبة جداً، ولا تتوفر مقوّمات الحياة الأساسية للبشر، فكيف الحال للنساء اللواتي هنّ أكثر احتياجاً لبيئة خاصة؟".

وتضيف: "في الغرفة، أمكث برفقة سبع فتيات أعمارهن بين الـ16 والـ34. الأمر صعب جداً، فلكل واحدة احتياجاتها الخاصة، هذا عدا عن احتياجات زوجة ابني الأصغر الحامل في شهرها الخامس".

وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، نزح ما يقرب من 75 ألف فلسطيني جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي يزيد عنفه في المناطق الحدودية الشمالية والشرقية، ويستمر منذ العاشر من أيار/ مايو.

ويقول المتحدث باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، ينس لارك، إن نحو 47 ألف فلسطيني لجأوا إلى 58 مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فيما نزح الباقون إلى أقربائهم في مناطق فلسطينية أخرى.

تخاف السيدة إيمان ومَن معها من فتيات وسيدات من الذهاب إلى "المرحاض" في ساعات الليل، وتقول: "العتمة تكون في كل مكان، والمدرسة تضم أكثر من ألف شخص لا نعرف معظمهم".

وتتابع أنهن "لا يشعرن بالأمان إطلاقاً خلال تواجدهن في المدرسة، وتخاف كل واحدة منهن على نفسها، وترتدي الحجاب طوال اليوم، خوفاً من انكشاف شعرها على أحد الغرباء، لا سيما وأن نوافذ الغرفة مفتوحة ويستطيع المارة مشاهدتهن من خلالها".

وتلفت إلى أن "عدم تمكنهن من ارتداء اللباس المنزلي المناسب لفصل الصيف يزيد من الإرهاق داخل باحات الغرفة، إذ ترتفع درجة الحرارة فيه بشكل مضاعف بسبب التكدّس".

"الحياة داخل مدارس النزوح صعبة جداً، ولا تتوفر مقوّمات الحياة الأساسية للبشر، فكيف الحال للنساء اللواتي هنّ أكثر احتياجاً لبيئة خاصة؟"

وتشتكي إيمان من "قلة اهتمام الأونروا، وعدم إقدامها على توفير الاحتياجات الأساسية لهم حتى هذا الوقت"، داعيةً "جميع الأطراف المعنية إلى ضرورة التدخل العاجل لتوفير مقومات الحياة للنازحين الهاربين من القصف الإسرائيلي".

"أشعر بقهر شديد"

ما تعاني منه إيمان تشاركها فيه السيدة ريهام المصري (37 عاماً). غالبتها الدموع بينما كانت تتحدث لرصيف22، وتقول: "كل دقيقة في هذه المدرسة أشعر بقهرٍ شديد، فأنا أعيش في منزل مساحته تزيد عن 300 متراً ولدينا أراضٍ واسعة. نحن باختصار أولاد عز، ومن الصعب علينا أن نهان بهذه الطريقة".

وتروي أنها لا تأخذ أبداً حريتها في المدرسة، و"في كل حين أتمنى الموت"، مؤكدةً أنه "لا معنى للخصوصية ولا للراحة في الملاجئ. طوال اليوم نتنقل من مكان إلى آخر داخل أسوار المدرسة وفي الليل نعيش الرعب بسبب شدة القصف الإسرائيلي".

تطالب ريهام "دول العالم بالتدخل الفوري لوقف انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان الأساسية في غزة، ولإيقاف هذا العدوان الذي تُرتكب خلاله جرائم بدعوى محاربة الإرهاب، وإسرائيل بالأساس تقتل المدنيين والأطفال وتهدم البيوت على رؤوس ساكنيها".

الشابة رنا أبو حليمة (24 عاماً)، من بلدة بيت لاهيا، شمال القطاع، نزحت برفقة عائلتها المكونة من عشرة أفراد، وتقطن الآن في مدرسة الفاخورة التابعة لـ"أونروا". تقول لرصيف22: "نزحنا بسبب القصف العنيف جداً، وخرجنا تحت وطأة القصف بعدما أصيب عدد من أبناء الحي الذي أسكن فيه، بعد منتصف الليل".

وتنوه إلى أن المدارس "مكان لا يطاق العيش فيه، وأخاف فيه على نفسهي من الموجودين والقصف وانعدام الخصوصية وكل شيء"، مشيرةً إلى أنها تعيش هاجس عدم وجود الأمان "على مدار الوقت ولا أنفك عن التفكير بالموت ووحشية إسرائيل في القصف والدمار".

ولم تجب وكالة "أونروا" على اتصالات مراسل رصيف22 للاستفسار حول الخدمات التي تقدّمها للنازحين، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الوكالة "لم تبدأ بعد بتقديم المعونة العاجلة الإغاثية للنازحين في مدارسها".

طفولة ضائعة وحلم مهدد

الطفلة آيات العطار (14 عاماً) نزحت كذلك من المنطقة الحدودية لشمال قطاع غزة برفقة عائلتها إلى إحدى المدارس الواقعة وسط المدينة. تقول لرصيف22: "حياة النزوح صعبة جداً علينا كأطفال خاصة الإناث في مثل عمري، وبصراحة لا توجد أي خصوصية في المدرسة أو الفصل".

وتشير الطفلة، التي تحاول إشغال نفسها في زاوية تتابع فيها دروسها وتضع فيها كتبها التي حملتها معها وقت النزوح، إلى أنها تلجأ لهذا الأمر "للهروب من الواقع الصعب"، ومن تفاصيل النزوح التي غيّرت حياتها وقد تؤثر على تفوقها الدراسي الذي تسعى على مدار السنوات للحفاظ عليه.

وتعبّر آيات عن أملها "بانتهاء الحرب قريباً وعودة الحياة إلى طبيعتها، لأنني أريد إكمال دراستي بشكل سليم، ومتابعة تحقيق حلمي في دراسة الطب لمساعدة أبناء شعبي وتطبيبهم".

"القصف الإسرائيلي وتهجير المواطنين من منازلهم وتكدسهم بالمئات في مراكز الإيواء، أدى بالتأكيد إلى زيادة خطر الإصابة بفيروس كورونا، لا سيما وأن قطاع غزة يوجد فيه عدد من طفرات كورونا سريعة الانتشار بين المواطنين"

بدوره، يعيش الطفل خليل العطار (عشرة أعوام) معاناة قاسية جداً داخل مراكز إيواء النازحين، حتّى قال إنه لا يأكل كثيراً خلال النهار حتى لا يحتاج للذهاب إلى المرحاض، "لأن الوصول إليه صعب جداً، في ظل تشارك نحو 200 شخص لنفس المرحاض".

ويضيف لرصيف22: "كل 40 شخصاً يعيشون داخل غرفة واحدة. لا نستطيع النوم أو اللعب ولا الأكل بشكل جيد. كل شيء غير لائق وحتى هذه اللحظة لم يوفّر لنا أحد المساعدات أو المعونات".

ويكمل كلامه: "خرجنا من منزلنا تحت القصف الإسرائيلي وأصيب عدد من أنباء عائلتي واستشهد آخرون، كان مشهداً مرعباً، ظننا خلاله أننا سنموت فجأة، لكن الحمد لله نجونا بصعوبة بالغة"، موضحاً أنه يتمنى نهايةً قريبة للحرب وعودة إلى منازلهم بشكلٍ سريع، "لأن الأمر صار لا يطاق".

وفي بيان أصدرته، حذّرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان من خطورة أوضاع المواطنين الفلسطينيين النازحين قسراً من أماكن سكنهم إلى مدارس الأونروا.

وقالت إن المواطنين النازحين يعانون "من عدم توفر الخدمات الأساسية من مياه وطعام وكهرباء واحتياجات خاصة داخل تلك المراكز، علاوة على تكدّسهم داخل هذه المدارس في ظل خطر جائحة كورونا، وانعدام مستلزمات الجهات الرسمية التي تأثرت نتيجة تعرّضها للاستهداف من قبل هجمات الاحتلال".

وطالبت الهيئة المستقلة الأونروا بـ"القيام بواجبها القانوني تجاه النازحين في أماكن الايواء"، كما دعت المجتمع الدولي "إلى تقديم كل ما يلزم لإغاثة وحماية المواطنين المعرّضين لاستهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي".

ولادة في مركز الإيواء

وسجلت إحدى المدارس التي تأوي النازحين في مدينة غزة، حالة ولادة واحدة فجر 20 أيار/ مايو، لسيدة من عائلة الصفدي. وأطلقت العائلة على الطفل اسم "محمد الضيف" تيمناً بالقائد العام لـ"كتائب الشهيد عز الدين القسام"، الذراع المسلحة لحركة حماس.

وتقول جدة الطفل المولود لرصيف22 "إن حالة الولادة بدأت خلال الليل ولم تكن تتوفّر وسيلة نقل زوجة ابني إلى المستشفى، وبعد عناء تمكنّا من ذلك، وتمت الولادة فجراً وصباحاً عدنا إلى المدرسة بالمولود وأمه".

وتحكي أن "وضع المدرسة غير مناسب أبداً لسيدة أنهت ولادتها قبل ساعات ولا لطفل رضيع صغير، فلهما احتياجات خاصة"، مبيّنةً أن "الأمر صعب جداً والاعتناء بهما وتوفير احتياجاتهما الأساسية أمر غاية في الصعوبة لا سيما في ظل تكدّس المواطنين داخل الغرفة".

ووجهت السيدة الخمسينية "مناشدةً إلى وكالة الغوث والمؤسسات المعنية بضرورة التدخل لتوفير جو مناسب على الأقل للطفل ووالدته"، موضحةً أنهم لا يتمكنون "حتى هذا الوقت من العودة إلى منزلهم بسبب استمرار القصف والقتل الإسرائيلي الذي يستهدف كل شيء دون رحمة أو مراعاة للمدنيين".

وبدأت إسرائيل هجوماً عسكرياً عنيفاً على غزة في 10 مايو/ أيار الجاري، بعدما أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية عشرات الصواريخ تجاه مدينة القدس المحتلة والبلدات الإسرائيلية الحدودية، رداً على الاعتداءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى وتهديد سكان منازل في حي الشيخ جراح بالإخلاء.

وتكثف إسرائيل من الضربات العسكرية العنيفة على مناطق متفرقة في القطاع خلال ساعات الليل، إذ تتعمد فيها تنفيذ قصف مركّز بعشرات الصواريخ خلال دقائق معدودة ما أدى إلى دمارٍ هائل في المنشآت والمنازل والبنية التحتية، ودفع الناس إلى النزوح.

كورونا تهدد النازحين

تزيد في مراكز الإيواء المكتظة بالناس خطورة الإصابة بفيروس كورونا، لا سيما أن قطاع غزة بالأساس كان يعاني من تفشي الفيروس بكثافة بين سكانه قبل بدء العدوان الإسرائيلي.

وفي هذا الصدد، يقول المدير العام في وزارة الصحة مدحت عباس إن "قطاع غزة يعاني من نكبة إنسانية وحصار مؤثر على كل مناحي الحياة، وهو أيضاً يعاني من تفشي فيروس كورونا".

وأوضح أن "القصف الإسرائيلي وتهجير المواطنين من منازلهم وتكدسهم بالمئات في مراكز الإيواء، أدى بالتأكيد إلى زيادة خطر الإصابة بفيروس كورونا، لا سيما وأن قطاع غزة يوجد فيه عدد من طفرات كورونا سريعة الانتشار بين المواطنين".

ويضيف عباس لرصيف22 أن "ما زاد الطين بلة هو قصف مقر عيادة الرمال وسط مدينة غزة من قبل الطائرات الإسرائيلية، وهي التي تضم المركز الوحيد لفحص عينات كورونا في غزة".

وأشار إلى أن ذلك "أدى إلى توقف فحوصات كورونا في القطاع منذ عدة أيام، ولم تعد تخرج إحصائيات يومية، كما لم يعد لدى الوزارة قدرة على تحديد بؤر التفشي والانتشار، إضافة إلى توقف عمليات التلقيح".

ولفت إلى أن الوزارة "لا يمكنها أن تنادي بالتباعد بين المواطنين لتقليل الإصابات بالفيروس في ظل الوضع الحالي، خاصةً في مراكز إيواء النازحين التي لا تتوفر فيها كثير من وسائل السلامة الجسدية الأولية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard