عفريت القاهرة وعلامة يوم القيامة... عن التّرام وتأثيراته في حياة المصريين

الخميس 20 مايو 202101:41 م

عوالم جديدة، وحياة صاخبة انفتحت على مصراعيها، أمام سكان القاهرة، حين شقت خطوط الترام شوارع المدينة في صباح يوم 12 أغسطس عام 1896، حيث أصبح بمقدورهم الانتقال بسهولة ويسر، في أنحاء البلاد، والتحرر من العزلة التي عاشوها لسنوات طويلة، بسبب المشقات الهائلة التي تعترضهم في سبيل الخروج من مساكنهم إلى أماكن أخرى، حيث اقتصرت وسائل مواصلات عامة الناس، قبل الترام علىالحمير، والبغال، وعربات الأمنيبوس، في شوارع معتمة، مضاء القليل منها بغاز الاستصباح، ممتلئة بالحفر والحجارة والمخاطر التي جعلتهم أسرى للأحياء الضيقة التي يعيشون فيها، فالخروج من البيت كان من المحتمل أن يُكلف المرء حياته.

عفريت القاهرة

في أغسطس من عام 1893 أعلنت الحكومة المصرية، عن رغبتها بمدّ خطوط الترام في العاصمة، وفي نوفمبر 1894، وافق مجلس النظار (الوزراء حالياً)، على منح امتياز بإنشاء سكة ترامواي، تسير بالكهرباء، لشركة بلجيكية. وقد تقرر أن يتم شق ثمانية خطوط، تبدأ كلّها من ميدان العتبة الخضراء، وفي أول أغسطس عام 1896، أجرت الشركة حفلةً تجريبية، لتسيير أول قطار كهربائي، ففي الساعة العاشرة من صباح اليوم المذكور- وفقاً لما ورد في كتاب "ترام القاهرة" للكاتب والباحث محمد سيد كيلاني-، ركب حسين فخري باشا ناظر الأشغال في ذلك الوقت، ومعه بعض كبار موظفي الوزارة، قطاراً أقلّهم من بولاق، ماراً بميدان العتبة إلى القلعة، وقد اصطف عشرات الآلاف من الناس على الجانبين، ليشاهدوا أول مركبة سارت في العاصمة بقوة الكهرباء، والأولاد يركضون وراءها مئاتٍ وهم يصرخون: العفريت... العفريت!

وكانت أجرة الركوب ستة مليمات للدرجة الأولى، وأربعة للثانية، وقد عينت الشركة 400 مصري، للعمل في خطوط الترام، ووضعت الشركة بالاتفاق مع الحكومة لائحة خاصة، لتنظيم عملية الركوب وأهم بنودها: أن كل مُحدث غوغاء أو سكران أو مصاب بعاهة، تشمئز منها النفس، يُمنع من ركوب الترام".

"كل مُحدث غوغاء أو سكران أو مصاب بعاهة، تشمئز منها النفس، يُمنع من ركوب الترام"

ونصت المادة الثامنة على أنه لا يجوز وضع شيء من الأشياء على الخط، ولا يجوز تسلق العواميد المعدة للحركة الكهربائية، أو تعليق شيء عليها أو إقامة إشارات كاذبة أو المسير أمام العربات السائرة أو مرافقتها أو المسير خلفها أو التعلق بها بأي وجه من الوجوه.

عزلة قاتلة وأرض خراب

ثورة عارمة، أحدثتها عربات الترام في المجتمع القاهري، نسفت الوجه القديم للمدينة، وحررت السكان من عزلتهم القاتلة، فقبل الترام، حسبما ذكر الكاتبمحمد سيد كيلاني في كتابه السابق ذكره "كان سكان كلّ حيّ، يعيشون بمعزل عن سكان الحي الآخر، فسكّان العباسية مثلاً، لا يفكرون في الذهاب إلى مصر القديمة إلا لأمر هام، وقلما يفعل ذلك، وكان التجار وأصحاب الحرف يتخذون محلاتهم في الحارات التي يسكنونها أو قريباً منها والتلميذ الذي لا يجد مدرسة في حيّه، ينصرف، في الغالب، عن الدراسة".

وفي تلك الفترة كانت العاصمة تعج بالعشش التي تساعد على نشر الأمراض والأوبئة، مثل عشش البقلي وعشش أخرى غيرها في حيّ الخليفة وشلبي بالرفاعي وعشش الأوقاف والمشايخ وقد شغلت حي الدوبارة، وعشش الحدادين بالسيوف، وأخرى بباب الشعرية وحوش الحلواني بالعمري. وقد اقتصرت وسائل المواصلات على العربات التي تجرّها الحمير، وكان لها مواقف خاصة بها ويسمى صاحبها بالحوذي، وعربات الأمنيبوس، أما عربات الخيول فكانت مخصصة للأغنياء، وبعض متوسطي الحال. هكذا كانت القاهرة قبل الترام، مدينة معتمة، تعج بالعشش، والأرض الخراب، سكانها يعيشون في عزلة تامة، لم يخرجوا بعد إلى العالم.

ثمة وجه آخر للمدينة، وحياة جديدة تشكلت، عندما خرج المصريون من عزلتهم، وأصبح بإمكانهم الانتقال إلى أي مكان بعدة مليمات، ثمن تذكرة الترام من الساعة السادسة صباحاً، إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

عندما أفتى رجال الدين، بأن الترام، علامة من علامات يوم القيامة، انصرف الناس بكامل قوّتهم إلى السّهر في الملاهي الليلية، للاستمتاع بالحياة حتى الرمق الأخير، قبل أن يأتيهم الموت

بواسطة الترام، عرف سكان القاهرة الطريق إلى أماكن السهر، والمراقص والمسارح، وحديقة الأزبكية التي أصبح اسمها، يثير في الأذهان البهجة والأنس والسرور، ومن جراء التجمعات واللقاءات بين الناس، ظهر مصطلح "الرأي العام" وتأسست مجموعة من الجمعيات الخيرية التي اجتهدت في فتح المدارس، كما كثرت الأندية الثقافية، والصحف والمجلات، وتشكلت الحركة العمالية، وكثرت المسارح وصالات الرقص، والغناء، فحدثت نهضة فنية كبيرة، كما كثر إنشاء الأندية الرياضية، لمختلف الألعاب وتشكلت الفرق الوطنية والأجنبية.

ثلاثة عشر لقيطاً في جوانب القاهرة

أحدثت عربات الترام في القاهرة، حالة من الهوس والإثارة والمرح، فخروج المصريين كان بمثابة ثورة على الأعراف والتقاليد التي كرستها العزلة، فكان هناك شبق للحياة وملذاتها التي انفتحت أمامهم كعالم مسحور، فخرجت النساء من بيوتهن من دون إذن الأزواج، وكانت محطات الترام، مكاناً مناسباً للقاءات العشاق، ومغازلة البنات، وامتلأت المراقص والملاهي بطلبة المدارس، والأزهر، وانتشر التدخين وشرب الخمر بين الشباب، وانحلت الروابط الأسرية، وفقد الأب السيطرة على بيته.

وعلى عربات الترام، انتشرت الإعلانات الخاصة، بعلاج ارتخاء الأعضاء التناسلية، وعندما أفتى رجال الدين والمشايخ، بأن الترام، وما أحدثه في المجتمع القاهري، علامة من علامات يوم القيامة، انصرف الناس بكامل قوتهم إلى السهر في الملاهي الليلية، والمراقص، للاستمتاع بالحياة حتى الرمق الأخير، قبل أن يأتيهم الموت.

تناول "الأدب الترامي" الثورة التي أحدثتها خطوط الترام في حياة المصريين

وقد ذاع صيت العلاقات غير الشرعية، وذكرت صحيفة المقطم، أنه في مساء أحد الأيام تمّ العثور على ثلاثة عشر لقيطاً في جوانب القاهرة، وثمة حكاية أخرى ترددت في ذلك الزمن عن أحمد عياد، وكيل قناصل انكلترا وروسيا والبلجيك في الأقصر، الذي جاء إلى القاهرة في أغسطس عام 1898، وتوجه إلى إحدى الحانات، وشرب الخمر والحشيش، ثم عاد إلى الفندق الذي كان مقيماً به، فوجد الجوّ حاراً، ففتح الشباك وجلس فيه، فغلبه النعاس، فهوى إلى الشارع، فصدم بنزوله شرفة، فكسرت ساقه، وسقط على رأسه إلى الأرض، فتهشمت جمجمته ومات في الحال.

وقد نقلت جثته إلى الأقصر حيث دُفن هناك في يوم 27 أغسطس، ويدلل الكتاب والمؤرخون بهذه الحكاية على حالة الهوس التي أحدثها الترام في القاهرة، والتي انتقلت إلى جميع مدن مصر، ودفعت الكثيرين بالمجيء إلى العاصمة، للمشاركة في "مهرجان الحياة" والاستمتاع بالسهر في البارات والملاهي الليلية.

الجغرافيا الجديدة والأدب الترامي

ثمة ثورة عمرانية هائلة أحدثها الترام في العاصمة؛ دُفن الوجه القديم للمدينة تحت الأنقاض حيث تحولت العشش والأرض الخراب إلى منازل على الطراز الحديث، وتغيرت نظرة السكان إلى المنازل، فبعدما كانوا يفضلون السكن في الحارات الضيقة والأزقة المسدودة، ويدفعون الثمن الأعلى لآخر بيت منها، لبعده عن الحركة والضوضاء، صاروا يفضلون السكن في الشوارع الواسعة، القريبة من خطوط الترام.

ونتيجة لهذا التطور، تألفت في عام 1905 شركة بلجيكية لإنشاء حي جديد في هليوبوليس، ونظراً لثقل هذا الاسم على ألسنة العامة فتم استبدله باسم حي "مصر الجديدة"، وتوالت المشاريع العمرانية الحديثة، وتضاعفت أسعار الأراضي القريبة من سكة الترامواي.

سهل الترام من لقاءات الكتاب والمفكرين، الذين صاروا يجتمعون على مقاهي الأزبكية وحاناتها، وكان لذلك تأثيره في إنعاش الحركة الثقافية والفكرية والوطنية، وظهرت الكثير من المجلات والصحف، وكان لذلك كله تأثيره على الأدب، حيث ظهر ما سمي بـ "الأدب الترامي" وهي تلك الكتابات التي ظهرت في الفترة من 1896 وحتى الحرب العالمية الأولى في عام 1914، وقد تناول "الأدب الترامي" الثورة التي أحدثتها خطوط الترام في حياة المصريين.

وقد انقسم الكتاب إلى فريقين أحدهما مؤيد للترام، مشيدًا بالتطور والانفتاح الذي أحدثه الترام في القاهرة، والآخر يندد بالانهيار الأخلاقي، والدمار الذي ألحقه هذا الاختراع الحديث بحياة الشباب في مصر، وكان على رأس هذا الفريق الكاتب مصطفى لطفي المنفلوطي الذي تناول أخلاق شباب العصر الترامي في العديد من المقالات تحت عنوان "الآداب العامة"، حيث كتب في إحدى مقالاته: "يتحدث كثير من الناس عن فئة من الشباب المصريين المتعلمين قد ظهروا في هذه الأيام، واتخذوا لأنفسهم في حياتهم العامة طريقاً غير الطريق اللائقة بهم وبكرامتهم، فأصبحوا متبذلين في شهواتهم، ينتهكون حرمات الأعراض ما شاءوا وشاءت لهم نزعاتهم ويعبثون بها في كل مكان، عبث الفاتك الجريء، الذي لا يخاف مغبة، ولا يخشى عاراً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard