رحلة من شك مصطفى محمود إلى إيمان هشام سلام بالعلم

الأربعاء 19 مايو 202101:02 م

في تسعينيات القرن الماضي، ذات صباح شتوي، دخل مدرس مادة "الأحياء" الفصل، الذي أدرس فيه السنة الأولى من الثانوية عامة، ومعي 48 طالباً صعيدياً يبحثون مثلي عن العلم، وكان الدرس الذي من المفترض أن يشرحه المدرّس ولم يفعل، هو نظرية التطور لعالم الأحياء تشارلز داروين.

رفض المدرس المتدين "تخاريف العلم"، وركل الكتاب المدرسي بقدمه، فطار عابراً النافذة. يومذاك أخبرنا أن داروين مجرد عالم غربي، ملحد، مجنون، يقول إن "الإنسان أصله قرد، يعني أبوك وأمك قرود، حاشا لله طبعاً".

وطمأننا في النهاية إلى أن "الدرس ملغى" من المنهج، ولن يأتي في الامتحانات.


هذا ما كان يفعله أغلب مدرّسي مادة الأحياء في مصر، لا سيما المتدينون منهم. لم يتوقف الأمر عند مناهج الصف الثانوي، بل إن بعض الأساتذة في كليات العلوم يرفضون نظرية التطور علناً، ويتفاخرون بذلك أمام طلابهم، الذين يربكهم ذلك بكل تأكيد، وربما يفقدهم الثقة بالعلم.

وقد راج "علم" آخر هو "الإعجاز العلمي في القرآن"، وروج له كبار شيوخ السلفية وبعض من يحملون درجات الدكتوراه في الطب أو العلوم منذ التسعينيات حتى الآن.

رفض المدرس المتدين "تخاريف العلم"، وركل الكتاب المدرسي بقدمه، فطار عابراً النافذة. يومذاك أخبرنا أن داروين مجنون، يقول إن "الإنسان أصله قرد، يعني أبوك وأمك قرود، حاشا لله طبعاً"

في نفس الفترة أو بعدها بقليل، طالب آخر من دلتا مصر، كان قد بدأ أولى خطواته في علوم الأحياء، ليصنع مجداً خاصاً لبلاده ولجامعته، وله هو شخصياً، في علم الحفريات، ويغيّر من شكل التعامل مع العلم في بلادنا، وتحديداً علوم الأحياء والنظريات والاكتشافات المتعلقة بالحفريات الفقارية لأسلافنا. هذا الطالب الذي أصبح فيما بعد الدكتور هشام سلام، عالم الفقاريات، جاء ليجعل الخبر العلمي "تريند" في مصر، وبأيدي مصرية، ويتصدر المشهد العالمي باكتشافه حفريات الديناصور المصري "منصوراسواس" عام 2018.

بعد أحد عشر عاماً من التعلم، والبحث، والتنقيب، جاء اكتشاف "منصوراسورس" في الصحراء الغربية ليولد معه مشهد جديد على مصر والمصريين، أصبح مألوفاً اليوم. مجموعات متنوعة من المصريين، من كل الأعمار تجوب في الصحراء، ليس للسفاري هذه المرة أو البحث عن مغامرة، ولكن للبحث العلمي، واكتشاف الحفريات في الأرض السوداء، كما كان يطلق المصريون القدماء على بلاد الكنانة.

الدكتور سلام، الذي لم يتوقف يوماً عن رحلاته الاستكشافية مع فريقه من "مركز أبحاث جامعة المنصورة"، فاتحاً الباب لكل من يريد التطوع والمشاركة والتعلم، تحت عنوان "العلم للجميع"، ليحقق جزءاً من حلمه الكبير، ويعطي العلم الذي تحصل عليه بشقاء طوال سنوات، بالمجان، كي لا يُحرم المصريون من المعرفة والاكتشاف لا سيما الأجيال الجديدة. يقول لرصيف22: "إحنا اتحرمنا من العلم ده في مصر لقرون، الحفريات الفقارية المصرية اكشفت منذ أكثر من قرن ونصف، لكن المصريين عمرهم ما سمعوا، ولا عرفوا قصة أن صحراء مصر كانت في يوم من الأيام غابة كبيرة، بها حياة، بالدليل العلمي".

ويضيف: "إنه علم جذاب للإنسان العادي غير المتخصص، ولقد أصبح له متابعون وعشاق من كل الفئات والأعمار، وأنا مدين بتوصيله للناس، ودائماً أقول لمن يسألني عن تحملي للأفكار غير العلمية أن أحسن أمر حصل معي هو أنني جعلت رجل الشارع العادي يعرف الديناصورات، ويتكلم عن التطور ومنصوراسورس، وعن الجيولوجيا والحفريات. هذا يعتبر نقلة علمية".

كتب مصطفى محمود عبارة شهيرة، في كتاب "لغز الحياة": "بالعلم المادي وحده، وبدون إيمان، وبدون خلق، فلن يصنع من نفسه إلا جباراً، ومسخاً عملاقاً، مشوهاً، يتنقل بين الكواكب، ويخترع أسلحة بشعة، رهيبة للقتل الجماعي، يدمر بها الكل، ثم يدمر بها نفسه دون أن يدري".

يتعرض سلام لتعليقات ورسائل خاصة تنال منه كشخص يثق في العلم المادي، المدهش أنه يجاريهم في سخرية، ولكن بطريقة علمية، وينشر بعض تلك الرسائل التي تصله من أحدهم، يقول: "احنا شعب ابن نكتة، السخرية في جيناتنا، لذلك أضحك كلما قرأت تعليقا يرفض العلم، ويطالبونني بالمصادر".

"مرة كنت أفكر بغضب من بعض التعليقات، وفي نفس اليوم زارني في مركز المنصورة للحفريات مجموعة من عمال اليومية، يرتدون الجلابيب يريدون زيارة المركز ومعروضاته، ولديهم فضول حقيقي للمعرفة، وقتها عرفت أنني على الطريق الصحيح، ولا مفر من سطوة العلم في النهاية".

"خلفيتي العلمية صفر"

بعد ثلاث سنوات قضاها "مرمطة" في مكاتب الموظفين والإداريين، وجمع الأوراق لمحاولة السفر، حصل سلام على منحة لدراسة التخصصات النادرة غير الموجودة في مصر في جامعة "أكسفورد" بإنجلترا عام 2006، والعمل مع أكبر عالم متخصص في الحفريات الفقارية في مصر، الدكتور إلوين سايمون، الذي يعمل بها منذ نصف قرن، فاشتغل معه وتدرب على يد تلامذته، وأهمهم العالم إريك سايفرت.

عن التحول الذي حصل له ناحية العلم وفرضياته، ونظرياته، يقول سلام: "في إنجلترا علمت أن خلفيتي العلمية صفر".

في مصر، خلال نفس الفترة، كان كل ما نعرفه عن العلوم الغربية، بضعة كتب مترجمة شحيحة. الذين يشبهونني وحصلوا على مستوى تعليمي متوسط، ولا يجيدون اللغة الإنجليزية، قبل انتشار الإنترنت، يعانون كل المعاناة للقراءة في العلوم الغربية بمختلف أنواعها: البيولوجيا، الفيزياء، الكيمياء والجيولوجيا، وغيرها من العلوم، في المقابل انتشرت القنوات الدينية والبرامج التي تستضيف شيوخاً وعلماء مسلمين يروجون لفكرة "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم"، ويسخرون من أصحاب نظريات تطور الحياة والإنسان، كرد فعل دفاعي نتيجة إحساسنا بالتخلف عن الغرب، وتقدمه واكتشافاته المذهلة.

كل ذلك وأكثر موجود لدينا في كتبنا المقدسة، التي تحوي كل شيء عن أسرار الكون، لا نعرف وجودها في النصوص المقدسة إلا بعد إعلان الغرب عن اكتشاف جديد، نفس النظريات التي كنا نهاجمها أيضاً طوال عقود حول دوران الأرض وكرويتها، واكتشاف حمض DNA، وعلاج الإيدز، هذا كله موجود في طيات "القرآن"، كما يؤكد الشيخ عمر عبد الكافي، ورائد الإعجاز العلمي زغلول النجار. وآخرهم "قاهر الملاحدة" كما يطلق عليه متابعو إياد القنني، ومحبوه، الذي يسبق اسمه لقب دكتور، ويقدم برنامجاً بقناته على موقع "يوتيوب" يهاجم فيه علماء الغرب ويدحض أفكارهم و"خرافاتهم" حول "السلف المشترك" بين الإنسان والقردة، وعمر الأرض والإنسان، وهو غير مقتنع بالحفريات المكتشفة ولا بالأبحاث والنظريات والمتقدمة، فقط يقتنع بما يقوله الدين من وجهة نظره هو.

بموازاة ذلك، يبرز عالم مصري يثبت كل يوم صحة نظريات العلم بالبحث والتحليل، رجل مصري يقود فريقاً مصرياً، يقول النكات مثلنا، وينشر صوراً له وهو "يقرطف الملوخية"، وينام في عراء صحراء مصر، بحثاً عن اكتشاف جديد، بصحبته أجيال متعاقبة لديهم الشغف بالعلم والبحث، أجيال لن تنتظر "مدرس الأحياء" ليعرف الحقيقة من زاويته الضيقة والرجعية.

العلماء والإلحاد

لماذا يربط بعض الناس العلم دائماً بالإلحاد؟ لماذا يصرون على وصم العلماء بالكفر بالله رغم إعلان الكثير من العلماء عن إيمانهم بالله في الغرب أو في العالم العربي؟ لماذا الإصرار على ربط ما يقوله العلم بما تقوله الكتب السماوية رغم نفي العلماء أنفسهم منذ البداية هذا الخلط بين الدين والعلم؟

نتيجة كل هذا، نشأ جيل مشوه ممزق بين إيمانه وبعض ما يقوله العلم، أشهر من ساهم في ترسيخ تلك الصورة في اعتقادي، هو الراحل الدكتور مصطفى محمود وقصته الشهيرة مع "العلم والإيمان"، و"رحلته من الشك إلى اليقين"، بين الإلحاد والإيمان، وختمها بـ "حوار مع صديقي الملحد"، ومن هنا فتح الباب أمام كل من هب ودب للحديث عن الإعجاز العلمي في الكتب المقدسة.

"الناس كل ما تسمع حاجة غريبة، ولا تقولها التفسيرات الدينية، يحاول مقاومة الفكرة بكل الطرق، ويرفضها تماماً، ده غصب عنه طبعاً لأنه متربي على ده"

حرب كلامية ضد العلم تصل إلى التطاول والإساءات الشخصية، كما حدث مثلاً على صفحة الدكتور هشام سلام على "فيسبوك"، ودائماً يدخل معارضوه ورافضو أبحاثه وأفكاره "الغربية" عن الحياة والحفريات والتطور لمهاجمته والسخرية من العلم الذي يعرضه.

يعرف سلام جيداً شعور مهاجميه على "السوشال ميديا" بسبب تعارض العلم الذي يقدمه مع أفكارهم وأيديولوجياتهم، ويلتمس العذر لهم، ويترك الباب مفتوحاً للجميع على صفحته الشخصية، للنقاش والمعرفة.

يقول في هذا الإطار: "احنا بطبيعة الحال متربيين على أيديولوجيات دينية معينة، فبالتالي هناك ناس كل ما تسمع حاجة غريبة، ولا تقولها التفسيرات الدينية، يحاول مقاومة الفكرة بكل الطرق، ويرفضها تماماً، ده غصب عنه طبعاً لأنه متربي على ده". ويرى كذلك تناقضاً في مقاربة الدين من باب العلوم، يشرح وجهة نظره: "نحن نؤمن بالأديان بشكل غيبي غير ملموس، وهو ما يتناقض مع العلم المبني في الأساس على ما هو ملموس".

وينهي سلام حديثه: "دائماً أقول إن الدين أو الاعتقاد يخصك أنت فقط، لكن العلم يخص الجميع، فحتى لا تختلط الأمور أفصلُ تماماً بين الدين والعلم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard