محمد خلف الله... أشهر ضحايا إخضاع الوقائع التاريخية للقصص القرآني للبحث العلمي

السبت 23 يناير 202102:56 م

"للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، لكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات قصة هجرة إسماعيل إبن إبراهيم إلى مكة، ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة لإيجاد صلة بين اليهود والعرب، والإسلام واليهودية، وبين التوراة والقرآن".

تعود هذه المقاربة إلى عميد الأدب العربي طه حسين، وقد وردت ضمن كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي صدر عام 1926، أي منذ قرن تقريباً، فقلبت الدنيا رأساً على عقب في معركة اشتهرت باسم "معركة الشعر الجاهلي".

لم يكن طه حسين يقصد بها إنكار تاريخية قصص الأنبياء (الآباء البطاركة كما يُطلق عليهم في الدراسات التوراتية)، لكنه كان يؤكد على أن لا دليل من علم التاريخ على وجودهم، كما على ضرورة الفصل بين أسس البحث العلمي القائمة على منهجية الشك والفحص والدليل التاريخي وبين عقائد الأديان، وهو ما لم يقتنع به الأزهريون فطالبوا بحرق الكتاب ومعاقبة مؤلفه.

تحركت لهذا الغرض تظاهرة أزهرية سارت إلى "بيت الأمة" (منزل الزعيم سعد زغلول)، بينما اضطر الأخير كي يهدئ ثائرة المتظاهرين إلى إلقاء خطاب إدانة للكتاب من شرفة منزله، نال فيه من صاحبه بطريقة جعلت طه حسين يتذكر بعد سنوات أنها كانت أقسى صفعة تلقاها أثناء المحنة.

غير أن رئيس النيابة المستنير محمد نور الذي تولى فحص البلاغات الكثيرة المقدمة ضد الكتاب قام بحفظ القضية، بعد التحقيق مع الأديب المصري، وقلب الطاولة في بيان تاريخي أكد فيه أن غرض المؤلف لم يكن التعدي على الدين، لأن العبارات الماسة بالدين إنما أوردها في سبيل البحث العلمي.

لم يتوقف التنكيل بحسين حتى بعد حذفه للعبارات المثيرة وإعادة إصدار الكتاب عام 1927، إذ عادت القضية للواجهة على يد السلطة التنفيذية في 3 آذار/ مارس 1932، فأصدر وزير المعارف وقتها قراراً بنقل حسين من التدريس في الجامعة إلى وظيفة مكتبية في وزارة المعارف، ليأتي الموقف الشجاع من رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد بالاستقالة احتجاجاً على ذلك، وانتهى الأمر بقرار فصل من وزارة المعارف صدر عن مجلس الوزراء بالاتفاق مع البرلمان في 20 آذار/ مارس 1932.

ما لاقاه طه حسين من تنكيل بسبب مقاربته للقصص القرآني تكرر بعد ما يقرب من عشرين عاماً، وربما بصورة أسوأ، مع باحث أكاديمي آخر، وكذلك مع أستاذه المشرف على رسالته، وكانا من "جامعة القاهرة" (جامعة الملك فؤاد الأول آنذاك) وكانت المعركة في هذه المرة أيضاً بسبب النظرة العلمية لقصص القرآن.

بين أصول البحث والدين

في 31 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1947، أصدرت الجامعة المصرية قراراً برفض أطروحة دكتوراه مقدمة من الباحث محمد أحمد خلف الله، وإشراف الرائد المستنير والعلامة الفكرية في تاريخ الدراسات الإسلامية الشيخ أمين الخولي، والذي كان يشغل حينها منصب وكيل كلية الآداب.

بعد أن تسربت أنباء الأطروحة إلى الصحافة قامت الدنيا ولم تقعد، وشرعت أقلام في تكفيرهما، والمطالبة بالتنكيل بهما بكل الوسائل، وصولاً إلى إقامة حد الردة عليهما (القتل).

وعلى سبيل المثال، وصفت جبهة علماء الأزهر الأطروحة بأنها "أشد شناعة من وباء الكوليرا"، وكان الوباء يحصد حياة المصريين في تلك الآونة. كما طالبت جريدة "الإخوان" بحرق الأطروحة، داعية الباحث إلى التوبة وتجديد عقد زواجه الذي انفسخ بالردة، بينما أرسل "الاتحاد العام للمنظمات الإسلامية"، من جهته، رسالة احتجاج للملك فاروق.

في المقابل، تصدى المثقفون للدفاع عن الأطروحة والباحث والمشرف، فوصف توفيق الحكيم في عدة مقالات – جمعها في كتابه "يقظة الفكر - ما يحدث بأنه "نكسة جامعية" و"وأد لمشعل الحرية الفكرية"، بينما كتب الخولي في جريدة "أخبار اليوم"، مدافعاً عن منهجية الأطروحة بالقول: "الأمر إنكار للحق الطبيعي للحي في أن يفكر ويقول وإنه لحق عرفنا أن الإسلام يقرره ويحميه".

ما لاقاه طه حسين من تنكيل بسبب مقاربته في "معركة الشعر الجاهلي" تكرر بعد ما يقرب من عشرين عاماً، مع باحث أكاديمي آخر، وكانت المعركة هذه المرة بسبب النظرة العلمية لقصص القرآن... محمد خلف الله وأطروحة التشكيك بالوقائع التاريخية للقصص القرآني 

وبحسب تعبير الخولي، "عكست مجمل أصداء المعركة من جانب هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم أبطالاً في الدين، محنة عقلية وسقطة خلقية وأزمة فكرية، تعرّت عن كافة القيم، وجرت على غير أساس من علم أو دين، ورفعت الستار عن حقيقة ما يجري داخل الجامعة المصرية بشأن حرية البحث الأكاديمي".

وفي مقدمة الرسالة التي رُفضت ثم صدرت على شكل كتاب، بعنوان "الفن القصصي في القرآن الكريم"، يصدم خلف الله القارئ بحجم ما ناله من خذلان، نتيجة اختلاط الدوافع السياسية الناجمة عن استثارة الجماهير والرغبة في الشهرة مع دواعي الدفاع عن حرية البحث العلمي.

يُعلّق خلف الله على كل الوقائع بترفع الباحث في فقرات قصيرة، جاء فيها: "كنت أريد أن أقف عند كل هذه المسائل لأفسرها وأشرح العلل والأسباب التي أدت إليها، وكيف أن الهيئات الدينية استغلتها حتى لا ينكشف أمر السياسيين ومن اعتمدوا عليهم من الجامعيين... وكنت أريد أن أقف أيضاً لأحدد المخالفات التي لم تصدر عن هوى وغرض وإنما صدرت عن بطء في الإدراك وسوء الفهم وعن عدم بصر بالنظرية وبما يمكن أن تؤديه للإسلام من خدمات. ولكني آثرت أن أشرح النظرية بتفصيل".

لذلك لم يكن مدهشاً أن يكتب نصر حامد أبو زيد في كتاب الجامعة التذكاري بعد مرور عقود على هدوء العاصفة عن صوت خلف الله الحزين وهو يعتذر عن تلبية دعوته ليحاضر طلبة الجامعة في علوم القرآن. كان ذلك عام 1993، أي بعد أكثر من 45 عاماً على معركة سبّبت للباحث ولحرية البحث العلمي جرحاً لا يندمل.

إنجاز علمي في أطروحة جامعية

تتمثل الفرادة العلمية التاريخية التي حملتها أطروحة خلف الله البحثية في ما تُقدمه من إجابات ناجزة بصورة علمية لأسئلة لا تزال إلى اليوم تلح على العقل الإسلامي وتُطرح حول النص القرآني.

عبر مدخلها الأدبي البلاغي في دراسة القصص القرآني بأدواتها المنهجية، تقدم الأطروحة للقارىء ما يبدو أنه النظرية العلمية والنهج التاريخي الملزم عقلياً في التعامل مع قصص التنزيل الحكيم.

أطروحة الرسالة المركزية توجزها مقولة أن "المعاني التاريخية غير مقصودة في القصص القرآني لذاتها، والبراهين النقلية على هذه الحقيقة مما نص عليه القرآن ومما فطن إليه المفسرون الأوائل منها كثيرة متشعبة".

ومن هنا تصل الأطروحة إلى ذروة جرأتها العلمية بالقول إن القصص القرآنية ليست محلاً لاستنباط القضايا التاريخية، فالقصص في القرآن لم تُعتبر جزءاً من الدين الذي نزل لنتعبد به أو نؤمن بما فيه من رأي، لكن ما فيه من معاني اجتماعية ونفسية استند إليها القرآن في الدفاع عن النبي والدعوة الإسلامية، وفي تبيين النواميس العامة التي تحكم علاقة الرسل والأنبياء والمؤمنين الصالحين بأقوامهم.

وكما يؤكد البحث، فإنه لم يسبق أن درس القصص القرآني على هذا الأساس الأدبي الذي يصور ما فيه من ظواهر بلاغية هي سر قوته وإعجازه، ذلك أن القصص كانت من أهم العوامل النفسية التي لجأ إليها القرآن في الجدل والحوار، وفي البشارة والإنذار، وفي شرح مبادئ الإسلام والتمكين له وفي تثبيت قلب النبي عليه وقلوب من اتبعه من المهاجرين والأنصار.

ويقول خلف الله: "لاحظت أخيراً أن المستشرقين عجزوا عجزاً يكاد يكون تاماً عن فهم أسلوب القرآن الكريم وطريقته في بناء القصة وتركيبها، وعن الوحدة التي يقوم عليها فن البناء والتركيب، ومن هنا ذهبوا إلى ذلك الرأي الخاطئ القائل بتطور الشخصية في القرآن الكريم. كما رأيتهم قد عجزوا عن فهم طبيعة المواد القصصية في القرآن وعن أسرار اختيارها ومن هنا ذهبوا إلى ذلك الرأي الذي سبقهم إليه المشركون من أهل مكة والملاحدة من المسلمين من القول بأن الذي يعلم محمداً بشر وأن في القرآن أخطاء من أخطاء التاريخ".

إجراءات المنهج

أول خطوة في منهجية خلف الله كانت ترتيب نصوص القصص القرآني، بحسب تاريخ النزول، وهو ما جعله يتبين فائدة هذا الإجراء بصورة فورية، إذ عكس كمرآة صافية صلته بالبيئة ونفسية النبي ومراحل تطور الدعوة وما صادفها من عقبات، كما كان صورة لما عاناه النبي من أزمات ومحن، وأفاد في دراسة التطور الداخلي للقصص، وهو ما شرحه خلف الله باستفاضة وبراعة في فصلين نهائيين في الكتاب هما "تطور الفن القصصي في القرآن" و"القصص القرآني ونفسية الرسول".

الإجراء الأهم من إجراءات الدراسة الأدبية للنص القرآني كان فهم النصوص لا بطريقة الفهم الحرفي الذي يقوم على دراسة معاني الألفاظ والتراكيب والجمل وتوضيح العلاقات الغامضة والإشارات التاريخية، ولكن بطريقة الفهم الأدبي الذي يقوم على تحديد ما في النص من قيم عقلية وعاطفية وأخلاقية وفنية، وهو ما شكّل أساساً تجديدياً عميقاً وناجزاً في النظر للموضوع.

نصح يهود يثرب النضر ليختبر محمداً أن يسأله عن ثلاثة من فتية أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح. وقد نزل القرآن على تلك القاعدة، أي قاعدة الإنباء بما لدى أهل الكتاب من قصص، مثبتاً نبوة النبي. 

في فصل "المعاني التاريخية"، يحاول خلف الله الإجابة عن السؤال الشائك: "هل أن قيمة أحداث القصص القرآني تعود إلى كونها من الوقائع التاريخية أم هي من الأحداث القصصية التي لم يقصد منها إلى التاريخ؟".

وفي استعراضه للتاريخ الديني للقصص، يكشف البحث عن أن العلم بها كان من المقاييس في التفرقة بين النبي والمتنبي، فالنبي يعلم الغيب، ومن علوم الغيب معرفة أخبار السابقين ومن خفيت على الناس أمورهم.

ويضرب مثلاً بقصة أهل الكهف، حسب ما يذكر عنها في أسباب النزول، وملخصه أن النضر بن الحارث وكان من مثقفي قريش الذين تلقوا الثقافة الفارسية في الحيرة، وممن دأبوا على أذى النبي والتشكيك فيه، كان إذا جلس النبي مجلساً خلفه فيه قال: "أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة"، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.

نصح يهود يثرب النضر ليختبر محمداً أن يسأله عن ثلاثة من فتية أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح. وقد نزل القرآن على تلك القاعدة، أي قاعدة الإنباء بما لدى أهل الكتاب من قصص، مثبتاً نبوة النبي ومتحدياً بها قريشاً في آيات عديدة كآية "سورة هود": "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل"، وآية "سورة القصص": "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما آتاهم من نذير قبلك لعلهم يتذكرون".

والظاهرة التي يلتفت إليها الباحث في هذه الآيات أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة وعلامات الرسالة، جعلها في نفس الوقت مطابقة لما في الكتب السابقة، فالمطابقة أتت لما يعرفه أهل الكتاب من أحداث هذه القصص، ولم يكن التأريخ لها هو معيار المطابقة بأي حال.

وكانت من نتائج هذه المطابقة مع كتب وأخبار أهل الكتاب التي لا يؤمن بها المشركون، أنهم باتوا يعتقدون أن هذه الأخبار التي جاءهم بها محمد ليست إلا أساطير الأولين، فهم لم يكونوا يملكون معياراً تاريخياً لمطابقتها.

نماذج لفشل المقايسات التاريخية

تقدم دراسة "الفن القصصي في القرآن" نماذج لفشل المقايسات التاريخية لقصص القرآن من خلال كتب قدامى المفسرين، منها:

  1. يقول "الرازي" في تفسيره لآية "ويكلم الناس في المهد": "واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلم في زمان الطفولة واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدعاوى على نقلها، فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لمعرفة النصارى لا سيما وهم من أشد الناس غلواً فيه حتى زعموا كونه إلهاً ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة، فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب (حب عيسى) وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد. ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة، فلو أنه عليه السلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم، فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم".

  2. ويقول الرازي عند تفسيره لقصة بلقيس وسليمان: "كيف خفي على سليمان حال تلك الملكة العظيمة، مع ما يقال من أن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان وأنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية، ومع أنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام؟".

  3. ويقول القاضي عبد الجبار في تفسير "سورة مريم": "ربما قيل في قوله تعالى ′يا أخت هارون′، كيف يصح أن يقال لها ذلك وبينها وبين هارون أخي موسى الزمن الطويل؟ وجوابنا أنه ليس في الظاهر أنه هارون الذي هو أخو موسى".

هذه المقايسات - ومثلها كثير - إنما كانت لأن المسلمين أنفسهم حرصوا الحرص كله على فهم القصص القرآني على أساس أنه من التاريخ، ولو أنهم أعرضوا عن هذا الأساس وحاولوا فهم القرآن على أساس من الفن الأدبي والإعجاز البياني والبلاغي لأغلقوا هذا الباب.

تحدي العلم والتاريخ

يحشد خلف الله عدداً آخر من مقايسات القصص القرآني أنتجت تضارباً علمياً يؤدي لزوماً إلى مدخل القراءة الفنية، ومنها:

- مسألة غروب الشمس في عين حمئة التي ذكرت في قصة ذي القرنين لا تستقيم مع ما ثبت من حقائق الكون وأن الشمس طالعة أبداً وأن الأرض تدور حولها، وهو ما يجعل تأويل الآية في قصة ذي القرنين واجباً طبقاً للمذهب الفني.

- المحاورة التي يصورها القرآن الكريم بين الله وعيسى لا يقصد منها إلا توبيخ وتقريع لمن قال ذلك دون أن تكون وقعت حقاً: "وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله".

- وقولهم "إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله"، فاليهود يستحيل أن يصفوا عيسى بأنه رسول مع أنهم لم يسلموا به، ولو سلموا به لأصبحوا عيسويين أو مسيحيين.

والخلاصة عند خلف الله أن القرآن لم يجعل القصص موطن التحدي ومناط الإعجاز، وإنما جعل الإعجاز في قوة التأثير وسحر البيان الناتج عنها.

فك الشفرة القصصية في القرآن

في فصل "العلاقة بين التاريخ والأدب"، يقول خلف الله إن عدم اهتمام القرآن بالترتيب الزمني الطبيعي في إيراد الأحداث، واختلاف الترتيب عند التكرار، واختيار بعض الأحداث دون بعض، مع إهمال تعيين الأزمنة والأمكنة، وإسناده بعض الأحداث والمحاورات لأناس بأعيانهم ثم إسنادها إلى آخرين، وإنطاقه الشخص الواحد بعبارات مختلفة حين يكرر القصة، كلها ظواهر تثبت مذهب القرآن في حرية سرد القصص طبقاً للهدف منها وليس لأغراض التأريخ.

عدم اهتمام القرآن بالترتيب الزمني في إيراد الأحداث، وإهمال تعيين الأزمنة والأمكنة وإنطاقه الشخص الواحد بعبارات مختلفة... ظواهر تثبت مذهب القرآن في حرية سرد القصص طبقاً للهدف منها وليس لأغراض التأريخ، وفق مقاربة محمد خلف الله للقصص القرآني التي أثارت جدلاً واسعاً 

يختار الباحث قصتين نموذجيتين هما قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين يقدم بهما دليلاً على المذهب القرآني في العلاقة بين القصة والتاريخ.

في قصة أصحاب الكهف يتوقف خلف الله عند مسألتين.

الأولى عدد الفتية الذي لا يذكر بدقة، كـ"ثلاثة ورابعهم كلبهم" و"خمسة وسادسهم كلبهم" و"سبعة وثامنهم كلبهم"، مما لا نستطيع معه القول أن المولى الذي يعلم السر كان يجهل العدد، لكن لأن الامتحان كان يتعلق بمطابقة القصة ذاتها مع المعروف عنها لإثبات نبوة محمد، وما كان ذكر العدد إلا ليزيد النزاع.

الثانية هي تجنب ذكر الآية لعدد السنين التي لبثها فتية الكهف وهو ما يسير على نفس المنوال، ولذلك يؤكد خلف الله: "موقف القرآن من قصة أصحاب الكهف موقف من لا يحكي الحقيقة التاريخية وإنما يحكي أقوال اليهود التي قد تطابق الحقيقة وقد لا تطابقها، ومن هنا لا يصح أن يتوجه أي اعتراض على هذه القصة".

كذلك تعبر قصة ذي القرنين عن مبصرات القوم وما يرونه بأعينهم لا عن حقيقة علمية كونية تتصل بوضع الشمس والأرض، إنما ما صور في هذه القصة ليس غير ما تعرفه الجماعة العربية عن ذي القرنين.

الخيال في قصص القرآن

هل يعني ذلك أن القصة القرآنية تبنى على خيال؟ إجابة صاحب "الفن القصصي في القرآن" هي أنها تستخدم الخيال ولا تبنى عليه، لأن بعضها قد يكون وليد الأحداث الواقعية، والحاجة إلى الخيال فيها وليدة حاجة البشر إليه.

ويتصدى خلف الله في فصل "مصادر القصص القرآني" لخطورتين من وراء البحث في المصادر.

الأولى، الجامدون الذين يعتقدون أن البحث عن مصادر لقصص القرآن أمر غير جائز لأن القرآن نزل من عند الله ولا يجوز البحث عن مصادر لما نزل من عند الله، وهؤلاء يغفلون أن البحث في مصادر القرآن هو بمثابة الجري على سنن السلف الصالح الذين لم يترددوا ويقصروا عن البحث فيه.

الخطورة الثانية وهي في المستشرقين الذين يحتفلون بالحديث عن هذه المصادر في كتب الأقدمين ويضاهون بها قصص القرآن ليثبتوا أنه يتضمن مخالفات تاريخية، وهم أقاموا موازناتهم على أساس لم يقصد إليه القرآن، ولم يجعله غرضاً من أغراضه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard