قطعة ذهب وعناق طويل بعد نهاية رمضان... "حق الملح" وحكاياته في تونس

الأربعاء 12 مايو 202105:27 م

لعيد الفطر في تونس نكهته الخاصة وطقوسه المميزة، فهو بالنسبة للتونسيين مناسبة لتبادل الهدايا، وأطباق الحلوى، وارتداء ثياب جديدة، وتوزيع "المهبة" (العيدية) على الأطفال، وهو أيضاً اليوم الذي يكافئ فيه الأزواج زوجاتهم بهدايا ثمينة، تكريماً لهن على ما بذلنه من جهد خلال شهر رمضان لتحضير ألذّ الأطباق وأشهى المأكولات.

ويطلق التونسيون على هذه العادة "حق الملح"، وهي عادة قديمة متوارثة عبر الأجيال، إذ يقوم الزوج يوم عيد الفطر بتقديم هدية لزوجته، إما أن تكون في شكل مبلغ مالي أو قطعة من الذهب أو الفضة أو تذكرة سفر، وتختلف قيمة الهدية ونوعها، وكل زوج يقدم لزوجته ما تسمح به إمكاناته المادية.

ولعادة "حق الملح" طقوس مميزة ملؤها الحب والاعتراف بالجميل، بعد عودة الزوج من صلاة العيد، تقوم الزوجة بترتيب المنزل، وارتداء ثياب جديدة، وتقدم له طبقاً من الحلويات، التي تصنعها بنفسها، وفنجان قهوة، وبعد أن ينتهي الزوج من شرب قهوته، وأكل بعض قطع الحلوى، لا يترك الفنجان فارغاً وإنما يضع بداخله قطعة من الذهب أو الفضة أو مبلغاً مالياً، تعبيراً منه عن شكره وتقديره لتعب زوجته في شهر الصيام.

رسالة حب

الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحاً، الحركة عادية في سوق البركة بتونس العاصمة، يقف أنيس (40 عاماً) في محل لبيع الحليّ، يحاول اختيار قطعة من الذهب ليقدمها لزوجته، وبعد دقائق من التركيز قرر شراء خاتم ذهبي تتوسطه جوهرة لامعة.

يقول أنيس لرصيف22: "كان والدي رحمه الله يكافئ والدتي في عيد الفطر بقطعة من الذهب أو بمبلغ مالي أو بتذكرة للدخول إلى السينما، وتسمى الهدية بـحق الملح".

يواصل أنيس حديثه، وهو يتأمل الخاتم الذي اشتراه لزوجته: "في السنة الماضية قدمت هاتفاً جوالاً هدية لزوجتي، واخترت هذه السنة شراء قطعة من الذهب، أجد صعوبة في اختيار الهدية لأنني أعتقد أن كل هدايا العالم لا تعوض المجهود الكبير التي تبذله الأمهات والزوجات لطبخ الأكل في شهر رمضان".

في صباح يوم عيد الفطر، بعد أن ينتهي الزوج من شرب قهوته، وأكل بعض قطع الحلوى، لا يترك الفنجان فارغاً وإنما يترك لزوجته مبلغاً مالياً، أو قطعة من الذهب أو غيرها، وتُسمّى "حق الملح"

ويؤكد أنيس أنه "لن يكتفي هذه المرة بترك قطعة ذهبية في فنجان القهوة، الذي ستقدمه له زوجته يوم عيد الفطر، وإنما سيكتب لها رسالة يعبّر فيها عن حبه وعن سعادته بوجودها في حياته".

ويضيف: "أرى أنها عادة جميلة، وقديمة توارثناها جيلاً بعد جيل، ويجب تعميمها، وتعريف الشباب بها، أتمنى أن تبقى هدية "حق الملح" راسخة في المجتمع التونسي، وفي أذهان التونسيين لأنها بدأت تسير نحو الاندثار، فبوجودها تعم السعادة والحب في كل منزل".

عادة متوارثة

لا يختلف موقف حاتم بن يوسف كثيراً عن موقف أنيس، فهو يرى أن "عادة حق الملح في طريقها إلى الاندثار لأن شباب اليوم لا يهتمون بعادات الأجداد وبالموروث الشعبي للمجتمع التونسي".

يقول حاتم بن يوسف (65 عاماً)، تاجر ذهب، متحدثاً عن عادة "حق الملح": "هي عادة قديمة وتسمى أيضاً "حق الذواقة" أي أن المرأة أثناء تحضيرها للطعام، وهي صائمة تضطر لتذوقه على طرف لسانها لتتأكد من درجة ملوحته، حرصاً منها على أن تقدم طعاماً لذيذ المذاق لأفراد أسرتها".

ويضيف: "في السابق، كان الرجال يقبلون على محلات بيع المجوهرات لشراء الخواتم والأقراط لزوجاتهم في حين يختار عدد قليل منهم شراء السلاسل، والأساور، وعادة ما تكون الهدية قطعة من الذهب أو الفضة، ومع تطور المجتمع تطورت الهدايا وتنوعت، ولم تعد مقتصرة على الحلي فقط".

ويواصل: "أيام زمان كانت المرأة التونسية ترتدي السفساري (لباس تقليدي نسائي) الذي يغطي رقبتها، ويُظهر يديها وأذنيها. لذلك، تفضّل النسوة الخواتم، والأقراط كي تظهر للجميع، بينما لا ترتدي المرأة السلسال الذهبي إلا في الحفلات النسائية المغلقة، والتي يسمح لها فيها بإظهار رقبتها".

كما يؤكد بن يوسف أن هذه العادة تسير نحو الاندثار، وأنها بقيت موجودة فقط لدى بعض العائلات بتونس العاصمة.

وهو لاحظ بحكم عمله في بيع الذهب والمجوهرات، تراجع إقبال الرجال على شراء هدية "حق الملح" لزوجاتهم، وذلك لعدة أسباب، أهمها تراجع القدرة الشرائية لدى التونسيين، وارتفاع أسعار الذهب، وفق قوله.

قبلة وعناق

منذ أن توفيت زوجته في 2015، أصبح العم صالح، يقدم هدية "حق الملح" لابنته الصغرى خولة، لأنها تسلمت المشعل بعد والدتها الراحلة، وأصبحت تهتم بأفراد الأسرة، وتطبخ لهم ألذّ الأطباق.

يقول العم صالح (70 عاماً) لرصيف22: "لا أتذكر أنه مر عيد فطر دون أن أقدم هدية لزوجتي، حتى عندما كنت أمر بظروف مادية صعبة، كنت أشتري لها هدية رمزية، وكانت تسعد بها كثيراً".

ويضيف: "بعد عودتي من صلاة العيد أشرب قهوتي التي حضرتها لي زوجتي ثم أناديها باسمها، وأقدم لها هديتها ثم أقبّل جبينها كعربون محبة وشكر وتقدير على اجتهادها في تحضير ألذ المأكولات وأفخم الحلويات، وعندما كنا شباباً كنا نتعانق عناقاً طويلاً، فتشركني هي على هديتي وأشكرها أنا على صبرها معي، هكذا يجب أن تكون العلاقة بين الزوجين".

 "لم يخلف زوجي عيداً إلا وأهداني "حق الملح" فهو في منافسة شريفة مع أخيه قوامها من يهدي زوجته أفضل هدية"

يواصل العم حديثه، وكأن زوجته لم تفارقه لحظة، ليقول: "أذكر أنني قدمت لزوجتي في آخر عيد لها معنا مڨياس ذهب (إسوارة)، وقد فرحت بالهدية كثيراً، وأحسست أنها نسيت كل تعبها، وتضحيتها معنا في شهر رمضان، لذلك أرى أن عادة "حق الملح" يجب أن لا تُنسى مع مرور الزمن".

ورغم رحيل زوجته، راح العم صالح يشتري هدية "حق الملح" لابنته، يقول: "أفكر كثيراً في الهدية التي سأشتريها لابنتي يوم عيد الفطر، أخاف ألا تعجبها الهدية بسبب اختلاف الأذواق بيني وبينها، ومع ذلك أشتري لها هديتها مثلما جرت العادة، هي عادة مقدسة ورثتها عن والدي وجدي ولن أتخلى عنها ما حييت".

منافسة شريفة

سناء (44 عاماً) من محافظة سوسة، متزوجة منذ 11 سنة، تقول لرصيف22: "لم يخلف زوجي عيداً إلا وأهداني "حق الملح" فهو في منافسة شريفة مع أخيه قوامها من يهدي زوجته أفضل هدية".

وتضيف ضاحكة: "الرابح الوحيد في الموضوع أنا وسلفتي، تنوعت الهدايا واختلفت من مصوغ وملابس، ومرة أهداني زوجي تذكرة سفر إلى إسطنبول، وقد كانت أفضل هدية قدمت، لا أعلم هل سيفاجئني زوجي هذا العيد بهدية باهظة أم سيختار هدية بسيطة بسبب الظروف الاقتصادية العامة".

وتواصل: "بعيداً عن مدى غلاء الهدية فهي حركة نبيلة ومهمة تجعل المرأة تشعر بقيمتها الحقيقية لدى زوجها".

وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة في التعريف بعادة "حق الملح"، بعد أن كادت تندثر وتُمحى من ذاكرة التونسيين، واستغلت الماركات التجارية هذه العادة لترويج سلعها، وحث النساء على المطالبة بحقهن في الملح، كما اعتادت النساء في المجموعات المغلقة، حيث تتباهى كل منهن بهديتها عبر نشر صور الهدايا بدقة مع الإشارة إلى أنها "حق الملح".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard