لمَ كُتب علينا الصيام؟

الأربعاء 12 مايو 202103:35 م

حين كنا صغاراً تساءلنا: "لمَ كُتب علينا الصيام؟". كانت الإجابة غير مقنعة بالنسبة إلي: "حتى نشعر مع الفقراء". كيف نشعر بالفقراء ونحن أفقر أهل الأرض؟ أليس من الأولى أن نشعر بالأغنياء ولو لأيام قليلة؟ كيف نشعر بما نشعر به بالفعل، ونعيشه؟ لكن، وبعد أعوام عديدة، اكتشفت أن الصيام للفقراء. أما الأغنياء فيمكن لهم أن يعوّضوا ما فاتوه من صيام بأموالهم. فـعن أبي هريرة أنه قال: "بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: "يا رسول الله هلَكْتُ"، قال: "ما لك؟" قال: "وقعت على امرأتي وأنا صائم". فقال صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: "لا". قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟" قال: "لا"، فقال: "فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟" قال: "لا"، قال: "فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتى النبي صلى الله عليه بِعَرَق فيه تمر -والعَرَقُ: المكتل- فقال: "أين السائل؟" فقال: "أنا"، فقال: "خذه فتصدّق به". فمن الذي يملك الجواري والعبيد غير الأغنياء؟ ومن الذي بإمكانه إطعام ستين مسكيناً غير الثري؟ ومن يستطيع التصدق غير صاحب المال؟ أما الفقير فعليه الصيام، وإن أفطر فـعليه المزيد والمزيد من الصيام. تلك الإجابة الساذجة لم تكن أبداً مجدية.

من الذي بإمكانه إطعام ستين مسكيناً غير الثري؟ ومن يستطيع التصدق غير صاحب المال؟ أما الفقير فعليه الصيام، وإن أفطر فـعليه المزيد والمزيد من الصيام

حين واجهت شيخي بما يدور في عقلي، علّق مبتسماً وهو يخبرني أن الهدف الأسمى من الصيام هو ترويض النفس وكبح جماحها، والسيطرة الكاملة على المغريات والشهوات. تلك الإجابة كانت دافعاً للتفكير في النفس ذاتها، ماهيتها، ووظائفها، ومحلها في الجسد. وقد اشتمل القرآن على آيات عديدة ذُكرت فيها النفس في أكثر من موضع ومنها سورة الفجر مثلاً، حيث سنجد الآية رقم 27: "يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي". وفي سورة يوسف، الآية 53: "إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي". وفي سورة القيامة، الآية 2: "ولا أقسم بالنفس اللوامة".

إذاً، فالقرآن قدّم لنا ثلاثة أنواع من النفوس؛ وهي النفس المطمئنة التي ستسحب صاحبها إلى الجنة، والنفس الأمّارة بالسوء والتي تؤدي إلى التهلكة، والنفس اللوّامة التي تلوم صاحبها على كل ذنب يرتكبه، وهي أشبه بالضمير. ولكن القرآن لم يقدم تعريفاً لهذه النفس، ولم يذكر مكانها في الجسد، وإن كان قد ربطها بالروح، فهي خالدة تخرج من الجسد عقب الوفاة كما هو واضح من خلال الآية التي سبقت الإشارة إليها في سورة الفجر، وفي سورة المائدة: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً". 

غير أن الإسلام ليس أول من تعرّض لإشكالية النفس. فقد سبقه في ذلك الفلاسفة القدامى. لعلّ أقدم ما ورد إلينا في تلك المعضلة ما كُتب في قصائد هوميروس التي جاءت فيها كلمة النفس بمعنى الروح التي تخرج من الجسد لتعيش حياة أكثر أو أقل بؤساً من الواقع. وقد كان سقراط أول من اهتم بالنفس، نرى ذلك واضحاً من خلال محاورته الأخيرة التي سردها في محاكمته الشهيرة، ونقلها لنا أفلاطون تلميذه، والتي تُسمّى (فيدون). تطرّق فيها سقراط إلى النفس التي عدّها خالدة لا تموت بانفصالها عن الجسد، بل تباشر حياتها من خلال تلاحمها مع جسد آخر. وقد قسّم النفس إلى ثلاث مراتب: النفس العاقلة: ومحلها العقل، ووظيفتها التمييز بين الخير والشر. النفس الشهوانية: ومحلها البطن، وهدفها العفّة. والنفس الغاضبة: ومحلها الصدر، ووظيفتها التحكم بالشهوة، وهدفها العاطفة.

تلك النفوس الثلاثة تجتمع في داخل الإنسان. تتصارع أحياناً فتغلب نفس باقي النفوس، فنقول هذا الشخص شهواني أو سريع الغضب تتحكم فيه مشاعره، أو عقلاني... ويؤكد سقراط أن الحل الأمثل في التعايش المثالي لن يأتي إلا إذا تجانست تلك النفوس وتصالحت، ويحدث ذلك عن طريق الترويض، من خلال الوسطية، فالوسط عند سقراط يعني قمة الفضيلة. فالشجاعة مثلاً وسط بين التهوّر والجبن. ولن يحدث ذلك إلا عن طريق سيطرة العقل الكاملة على شتى التصرفات والأفعال.

افتقاد الجسد لما امتنع عنه يدفعه إلى الإسراف في الشهوات، خاصةً شهوة الطعام، حين عرضها عليه. لذلك نرى أن أكثر الأيام إسرافاً في الطعام هي أيام الصوم

أما علم النفس الحديث فقد عدّ نظرية سقراط وما ذكره أفلاطون على جانب كبير من الخطأ، على الأقل في مسألة محل كل نفس من النفوس، إذ إنها لا تزال غامضة حتى على العلماء. ولكن فرويد رجّح أن مقرّها العقل، فالعقل هو المسؤول الأول عن العاطفة والشهوة، وبالطبع عن الحكمة. وعلى الرغم من عدم وجود تعريف جامع مانع للنفس البشرية، إلا أن فرويد حاول بدوره أن يقسّمها إلى ثلاثة أنواع: أولاً، الهو: أو ما يُعرف باللا وعي، تلك المنطقة المجهولة في العقل والتي تعمل من أجل اللذة وتجنب الألم. ثم إنها تخضع للأهواء والرغبات المكبوتة. ثانياً، الأنا: وهي الوعي في صورته الحاضرة، إذ يدرك العقل ما يحيطه من قيود مجتمعه، وعليه فإنه ينفذ رغباته طبقاً لمعايير وقيم البيئة التي يعيش فيها. ثالثاً، الأنا العليا: وهي العقل في أكمل صوره، حين يترفع عن اللذات الزائلة، ويتجاوز الرغبات المكبوتة لتحقيق المثالية، والسعي نحو الكمال.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الصيام يعمل فعلياً على ترويض هذه النفس؟ من خلال ما نعيشه ونراه اليوم، وربما ما كان يحدث في الماضي أيضاً، فإن الصيام أو الامتناع التام عن شهوات البطن والفرج لا يقابله التعفف أو الحكمة. فافتقاد الجسد لما امتنع عنه يدفعه إلى الإسراف في الشهوات، خاصةً شهوة الطعام، حين عرضها عليه. لذلك نرى أن أكثر الأيام إسرافاً في الطعام هي أيام الصوم، حيث يتفنن الصائم في التنويع بين الوجبات، والشراهة الشديدة للأكل، وملء البطون، وكأنه يتحول إلى آلة للشحن والتفريغ. فلا وسطية تنتج التعفف، ولا حكمة عقلانية تدعو إلى التفكير والتأمل. ويبقي السؤال: لمَ كُتب علينا الصيام؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard