آبائي الأعزاء... شكراً

الأربعاء 5 مايو 202111:55 ص

لكل منا أب بديل. السعيد منّا هو من يصادفه". لا أذكر في أية رواية كتب نجيب محفوظ تلك المقولة. ربما في "المرايا" أو في "ملحمة الحرافيش". لكن ما أذكره جيداً هو أنني واحد من هؤلاء السعداء. فأبي، بعد عودته من دولة الكويت في التسعينيات من القرن الماضي، تبدّل تماماً. ألمّ به حزن عميق في تلك الدولة الخليجية، وأحاط به لغز غامض لم أستطع معرفته حتى اليوم. شيء ما بداخله مات ودُفن، قد تكون روحه. حتى أنه امتنع عن الحكايات التي كان يعشق سردها. لقد أصبحتُ يتيماً فجأة بالرغم من وجود أبي. منذ أعوام عدة، وأثناء كتابتي مقالة عن عبد الحليم حافظ في ذكرى وفاته، اكتشفت أن لحليم ثلاثة آباء بدلاء، مثلي تماماً. يا لها من مفارقة.


 أبو عصام: متعة اكتشاف الحياة

يبحث المراهق عن صديق صاحب خبرة، أخ أكبر، أب يكتسب منه معرفة الحياة، قنديل يشعّ ضياءً في عتمة المجهول، أو عن دليل ومرشد له إلى ما لا يعرف. أبو عصام كان هذا الصديق الكبير. تعرّفت إليه في ورشة التماثيل. كنتُ طالباً في الثانوية العامة، وكان هو مدمناً ومثقفاً ومبتكراً وشاطراً في شغله. يتفانى في العمل من دون اهتمام بالمقابل المادي. يصرف كل مكسبه على مزاجه. الآن فقط عرفت ممن اكتسبت سماتي السيئة والحسنة. يبدو أنه ترك فيّ أثراً بالغاً من دون أن أدرك ذلك.

أنا، كما كانت تقول أمي، "أبو أبويا". وهي تعني أني ألعب دور الوصي على الأب؛ أحثّه على العمل والنجاح وأناقشه في أمور الحياة وأعارضه دائماً

كنا نعمل سوياً: ينحت هو التماثيل الفرعونية وأعمل أنا على "صنفرتها" وتشطيبها. تتخلل العمل أنفاس "البانجو" وكؤوس "السبارتو" الأحمر. يحكي لي عن ماضيه وعن ابنه الذي يعيش مع أمه وعن الطلاق والمحاكم والقضايا التي تلاحقه، والتي بسببها ترك المنطقة وفضّل الحياة داخل الورشة. فهي بيته وعمله ودنياه الجديدة. وحين يعصف به السُّكر والحزن، يبكي بحرقة على فراق ابنه عصام، قائلاً إن وحيده لا يرغب برؤيته، وإنه ينتمي بكل جوارحه إلى الأم التي غسلت دماغه. كنتُ أتعاطف مع مأساته واحتويه وأخبره أنني ابنه -يبدو أن للآباء أيضاً أبناء بدلاء- وكان يبتسم ابتسامة تعذّبه. معه تعرفت إلى الحياة بكامل معطياتها وجموحها وجنونها وتعقّلها. وحين أخبرته أنني أرغب في مضاجعة امرأة، لم يتردد في توفير واحدة لي كي أتخلّص من عذريتي وأنا في الثاني ثانوي. معه اكتشفت كُتاباً كثراً، فقد كان قارئاً جيداً للغاية؛ يحب خيري شلبي وإبراهيم أصلان ويحفظ أشعار نجيب سرور ومحمود درويش. وحين علم برغبتي في الالتحاق بقسم الفلسفة في كلية الآداب، لم يسخر مني مثلما فعل أبي. بل شجعني وتنبأ لي بأنها ستكون البداية لعهد جديد من المعرفة. لقد كان هذا الرجل نموذجاً للإنسان بخيباته وآماله العظيمة، بشروره وخيره الوفير، وبقوته وضعفه المهين. ربما لذلك كتبت عنه في روايتي الثانية "كيس أسود ثقيل". وها أنا أتذكّره الآن وأتساءل: ماذا فعلت بك الأيام يا أبي؟

أبو جُليل: أن تكون أبا أبيك

أما الروائي حمدي أبو جُليل فحكايته حكاية، إنه أب آخر من نوع فريد. كانت بداية معرفتي به في دار ميريت للنشر أثناء محاولة نشر روايتي الأولى "دار الغواية". بدا التناغم بيننا واضحاً منذ الجلسة الأولى، خصوصاً مع تحمسه للمخطوط. وبعيداً عن الأدب، فإن شخصية حمدي كانت جذابة بالنسبة إلي؛ فهو فطري جداً ونموذج حي للإنسان البدائي. أحياناً يكون سليط اللسان وأحايين أخرى لبقاً ومنمّق الحديث، أو كما وصفه أسامة الدناصوري "الأزعر المهيب". أجل، هو يشبه كلباً مقطوع الذيل غير أنه يتّسم بصفات الأسد (أسمعه يضحك الآن). وكثيراً ما كانت تظهر عليه تلك الصفات المتناقضة معاً وفي آن واحد، وهو أمر مثير للدهشة. دائماً ما أشعر أنه يحتاج إلى من يرعاه، إلى من يكون مسؤولاً عنه كطفل كبير. يرفض الوصاية في العلن ويرضخ عند الحاجة. بعض الآباء كذلك. كثيراً ما كان يقول لي: "إنت واكل أبوك"، يقولها ويضحك. لم يكن ذمّاً بل مدحاً أصيلاً، وحقيقة أيضاً. فأنا، كما كانت تقول أمي، "أبو أبويا". وهي تعني أني ألعب دور الوصيّ على الأب؛ أحثّه على العمل والنجاح وأناقشه في أمور الحياة وأعارضه دائماً. وهذا أيضاً ما كنتُ أفعله مع حمدي. كان أحياناً يستجيب وأحايين أخرى لا يفعل. بيننا قامت مغامرات لا عدد لها. كان يطلق عليّ: "إله المتع عند الإنسان المعاصر". وما أكثر المتع التي تشاركناها، وما أكثر المصائب أيضاً. لم يكن حمدي أباً بالمعنى المتعارف عليه، بل ابناً. ابن لا يكفّ عن اللعب وعن التذمّر وعن البحث الدائم عمن يحتويه.

اليوم، صرت أنا أيضاً أباً لأبناء بدلاء، خاصةً بعد أن ابتعدت عن أولادي، وعانيت مما عانى منه أبو عصام. لدي ابن واثنان وثلاثة، إلا أن ابني الحقيقي الذي خرج من صلبي بقي بعيداً

عنان: ملاك الفرصة الأخيرة

كانت أياماً سوداء من "قرن الخروب". وكان الضنك قد تفشّى وصار واقعاً لا يمكن الهروب منه. وكنتُ ضائعاً، وفاقداً الأمل بمستقبل أفضل. في ذلك الوقت، هاتفني أحدهم ليقول لي إن الدكتور عنان يثني على روايتي ويرغب في رؤيتي. "ماشي يا عم متشكرين... لكن يفتح الله". اعتقدت أنه ناقد أدبي، وأنا لا أحب النقاد ولا مجالستهم. غير أن مكالمة أخرى من صديق مشترك لفتت انتباهي. رفضت دعوته إلى العشاء لأني لم أكن أملك ثمن المواصلات. إلا أن الصديق المشترك أبلغني أنه سيتكفّل بكل شيء. هكذا ذهبت إلى نادي ساويرس لأكتشف أن هناك حفلة معدّة لي خصيصاً، احتفالاً بي وبروايتي. أشرف على الحفلة عنان بعد قراءته الرواية. كانت تلك الليلة بمثابة بزوغ فجر جديد، وعهد من الصداقة تحوّلت مع الوقت إلى علاقة قوية وفريدة. وعنان، لمن لا يعرفه، ألطف خلق الله. يؤمن بأن الله خلقه لدور هام، وأن رعاية المواهب جزء أصيل من روحه. يفعل ذلك في الخفاء، ويرفض الإشادة بما يفعل. يعتقد أن للحياة دورة كاملة، ولكي تكتمل، على كل واحد منّا أن يقوم بما يتوجب عليه. اختلفنا في الرؤية السياسية، لكننا اتفقنا تماماً على الرؤية الفلسفية للحياة. كان أباً رحيماً ولطيفاً ومتفانياً.

اليوم، صرت أنا أيضاً أباً لأبناء بدلاء، خاصةً بعد أن ابتعدت عن أولادي، وعانيت مما عانى منه أبو عصام. لدي ابن واثنان وثلاثة. إلا أنّ ابني الحقيقي الذي خرج من صلبي بقي بعيداً. ربما يبحث عن أب بديل. قد يكون صديقاً كبيراً يكتشف معه الحياة، أو عرّاباً يؤمن بموهبته أو قلباً رحيماً يخفّف عنه أوجاعه. تلك الفرضيات تمزّق قلبي، وتجعلني أتمنى لو كان بإمكاني أن أكون أباً، أباً حقيقا لابني الحقيقي. غير أن للقدر، غالباً، ألاعيبه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard