مسنون معلمون وشباب متعلمون... نوبيون "يمشون على خطى الأجداد"

الأربعاء 5 مايو 202104:09 م

يصطحب آلته الموسيقية كطفله، ويذهب وقت العصر لمعبد "فيله" ليجلس، ويبدأ العزف، وما إن تمر ثوانٍ قليلة حتى يلتف السياح حوله من كل مكان في العالم، ليطربوا بعزفه الفريد، ويلتقطوا الصور التذكارية. هذا هو روتين الحاج أحمد عبد الماجد (60 عاماً)، الذي يعيش بقرية جزيرة هيصة، في محافظة أسوان، والعازف الوحيد لآلة الطنبور التراثية القديمة بالنوبة جنوب مصر.

معلمي العجوز

بدأ عبد الماجد بتعلم العزف على الطنبور، وهو بعمر الـ10 سنوات، على يد رجل عجوز بالقرية، يقول عبد الماجد لرصيف22: "كنت أمر يومياً بالعجوز، وهو يعزف، وكنت مولعاً بصوت الآلة، وذات يوم طلبتُ منه أن يعلمني، فرحب على الفور، ومن هنا كانت البداية".

ويضيف: "ظللت أتعلم العزف على الطنبور حتى أتقنته في عمر الـ12، وحين وصلت عمر الثلاثين، كنت قد أجدت صنع أوتار الطنبور -التوتير- وشدِّها جيداً، وحين كان يقف أمامي شيء، كنت أذهب لمعلمي العجوز لأسأله، حتى أتقنت الأمر تماماً".

عبد الماجد والعزف على الطنبور

ويتابع: "مرت الأيام، وفتحت ورشتي الخاصة لصناعة الطنبور من البداية، وذلك بعد أن بدأت الآلة التي أهداني إياها العجوز تتهالك، وبعد وفاته، استخدمت المواد اللازمة لصناعتها من جلود الجمال، وكذلك نوع خاص من الخشب لصناعة الطبق، وأقوم بمعالجة الخشب بطريقة خاصة، باستخدام النار حتى تصدر الآلة أصواتها المميزة".

"يُعاني جدي إلى الآن من الحرب التي شُنت عليه جراء موافقته على زواج ابنته من القاهري الذي أحبته، حُرم جدي من الميراث في أرض مُطلة على خزان السد العالي، وهُجِّرَ من النوبة، هو وأسرته ليعيش في القاهرة"

تصدر آلة الطنبور الموسيقية نوعين من العزف النوبي: نوع الفاديكي، الذي يعطينا أنغام النوبة السودانية لفنانين مثل محمد عبده، ومحمد الأمين، وعبد الكريم الكابلي، وغيرهم، وأيضًا يعطينا الطنبور النغم الكنزي النوبي، كما يعطينا لحن أغاني عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، ومحمد عبده السعودي، وغيره من النغم الكنزي المصري، بحسب عبد الماجد.

ويضيف: "ذات يوم، وأنا أعزف في معبد فيلة أتاني أحد القائمين على مؤسسة أم حبيبة النوبية، وطلبني لتدريب الناس على العزف على آلة الطنبور الموسيقية للحفاظ عليها من الاندثار، وخوفاً من أن يأتي عليها يوم وتصبح طي كتب التاريخ والتراث".

"أحاول الحفاظ على التراث النوبي، وأقوم بتعليم طلابي العزف على الطنبور بنفس الطريقة التي علمني بها معلمي العجوز"، ينهي عبد الماجد موجزاً مشروعه الفني.


عم فضل المولى والعمل على أشغال يدوية تعكس التراث النوبي

ترى عيشة نفسها هي الأخرى حارسة التراث النوبي، تجوب قرى ونجوع أسوان والنوبة لكي تحافظ على شكل من الذوق الفني لأجدادها.

تقول المدربة عيشة عبد الله (47 عاماً)، والمسؤولة عن تسويق وإنتاج المشغولات التراثية، وتسويقها خارج البلاد وداخلها، وتعيش بإحدى قرى النوبة: "بدأ اهتمامي بالتراث النوبي حين كنت في أحد متاحف النوبة منذ عشر سنوات، ووقفت مع سائحة إسبانية، التي بدأت تتحدث معي عن التراث النوبي، دُهشت من كم المعلومات التي تعرفها عنا، ولا أعرفها أنا النوبية".

ومن هنا كانت بداية انضمام عيشة للجمعية، وتعلم التراث، وتعليمه للفتيات، تضيف: "لولا جمعية تنمية المجتمع في قريتنا لاندثر معظم التراث النوبي، تسعى الجمعية إلى تعليم الفتيات وتعريفهن بتراثهن من خلال الأعمال اليدوية، باستخدام أبسط الأشياء، وأرخصها، وهو خوص النخل وصباغته بالألوان النوبية المعروفة (الأصفر- البرتقالي- الأخضر- الأزرق - والأحمر) ودمجها بشكل جذاب لصناعة الأطباق النوبية (وليل - الكرج – الشيبر)، وحوامل السخن، وشنط الخوص، وكيس الفلوس، وغيرها من المنتجات".


عم فضل المولى والعمل على أشغال يدوية تعكس التراث النوبي

وتواصل عيشة: "عندما نود التجديد في موديلات منتجاتنا نعود لجداتنا، لنتعلم منهن التراث فنُحييه لِيُصبح جديداً، عندنا في المؤسسة سيدة تخطت السبعين عاماً، ولا نزال تنتظم في المجيء لتعليم الفتيات نسج الخوص وصباغته، وصناعة الإكسسوار باستخدام الخرز بمهارة وإتقان".

وعن زبائن منتجات الجمعية، تقول: "تجد منتجاتنا إقبالاً أكثر عند الأجانب مقارنة بالمصريين، وعند المصريين الساكنين في الشمال أكثر من عندنا في النوبة".

ترى عيشة نفسها حالة اجتماعية سائدة في النوبة، وهو التمسك بالتراث القديم، تضرب مثلاً على ذلك: "تمسك المجتمع بالتراث النوبي يظهر في أدق تفاصيل حياته، فأجد الفتيات قبل يوم الحناء والفرح يتواصلن معي لعمل سبعة مقاطف لهن لإرسال الهدايا والكحل لأم العريس، وشرط عندنا أن تكون سبعة مقاطف، كما تجدهم حين يرزقون بمولود يطلبون منا تنفيذ مستلزمات المولود، من الطبق الملون الذي يضعون الكحل فيه، وغيره، كلها عادات قديمة أخذناها عن أجدادنا، وتورث للأجيال يوماً بعد يوم".

"أنشأت مدرسة لتراثنا"

لم يختلف الأمر كثيراً مع العم فضل المولى علي عبد الله (72 عاماً)، الذي يعيش بقرية أدندان النوبية بأسوان، فهو يحرس التراث النوبي بطريقته الخاصة باستخدام مواد الطبيعة.

"كل حراس التراث النوبي إلى يومنا هذا ورثوه عن أسلافهم، كما تجد اللحن النوبي مثلًا هو هو الآن كما كان يُعزف قبل مئات السنين، تجدهم يسيرون على نفس خطى الأجداد"

بعد إتمامه مرحلة الثانوية، اتجه إلى التعليم الفني ليملك الخبرة والمهارة في التعامل مع الأشكال الفنية، يحكي أنه يستخدم خامة الكرناف لصنع الأعمال الفنية التراثية النوبية والمصرية، ويجتهد في استخدام وتدوير مادة الكرناف، وهي قطعة على شكل مثلث من بقايا جريد النخل كانت، ولا تزال تُحْرَق، ولا يتم الاستفادة منها أو استخدامها في أي شيء.


الطنبور، آلات موسيقية نوبية من إبداع عبد الماجد

ويضيف عم فضل المولى: "بعد استخدامي للمواد البلاستيكية، والزجاجية في صناعة الأعمال التراثية، وجدت ضالتي في الكرناف حيث تعاملت مع المادة باستخدام أدوات النجارة المعروفة (المنشار، الغراء، الورنيش للدهان) وغيرها".

يحاول عم فضل المولى العمل على أشياء تستخدم في تفاصيل الحياة اليومية، وتعكس الروح النوبية، يقول: "لم تتوقف منتجاتي على الأعمال الفنية التراثية النوبية القديمة، والأنتيكات فقط، بل أصنع من الكرناف أشياء نستخدمها في حياتنا اليومية، فالجريد نصنع منه العنجريب، ونسقف به البيوت، ونستخدمه في أشياء كثيرة، وآخذ بقايا الكرناف أيضاً لاستخدامه في صناعة الأباليك، والأطباق، ومقدمة المراكب، وسروج الجمال، والأباجورات، والبومبنيرة، والنورج، والرحاية، وغيرها".

يعرض عم فضل أعماله المصنوعة من الكرناف بشكل دوري في المعارض المحلية، وفي المتاحف كمتحف النوبة، ومتحف النيل وغيرهما، وفي المعارض الدولية، وآخرها في الإمارات بالقرية العالمية في الجناح المصري، وذلك بعد أن رشحه المستثمر المصري إبراهيم جابر لعرض أعماله هناك.


من أعمال فضل المولى التراثية النوبية

وعن نوعية الإقبال على التعليم في مدرسته، يقول: "في ظل تطور التكنولوجيا تجد نسبة كبيرة من الشباب عازفين عن تعلم ومعرفة تراثهم، في نفس الوقت تأتيني أم بولدها إلى المدرسة لتعلم فنون التراث النوبي القديم، وتقطع مسافات بعيدة من محافظة مجاورة للوصول إلينا لتتعلَم وتُعَلِم ولدها".


المدربة عيشة عبد الله (47 عاماً)، المسؤولة عن تسويق وإنتاج المشغولات التراثية، وتسويقها

يستبعد الباحث في التراث المصري أيمن عثمان، وصاحب موسوعة "تراث مصري"، وجود دافع مادي كبير للعاملين على التراث النوبي يدفعهم إلى الحفاظ عليه، واستثماره، يقول لرصيف22: "منتجات التراث النوبي التذكارية مُجدية للعاملين بشكل محدود، مقارنة بالمنتجات المستوردة، فإنك تجد المستهلك يتجه للأخيرة لأنها الأرخص، فالمعروف عن الشغل اليدوي أنه غالي الثمن للجهد المبذول في صناعته".

يُرجع عثمان تمسك النوبيين بتراثهم، وثقافتهم إلى تمسكهم بـ "أصولهم" بداية من تمسكهم بالأنساب، ورفضهم الزواج من غرباء عنهم، ويوضح: "النوبة بالأساس هي أمة تنقسم إلى ثلاثة أعراق هي الفاديكا، والمتوكي "الكنوز"، والجعافرة، ولكل عرق لغته الخاصة به، يُفرض على الآباء تعليم لغتهم النوبية لصغارهم، كما لا يُسمح لهم بالزواج من غير النوبيات".

ولد عثمان من أم نوبية وأب قاهري؛ يقول مستشهداً بقصته لتوضيح فكرته: "يُعاني جدي إلى الآن من الحرب التي شُنت عليه جراء موافقته على زواج ابنته من القاهري الذي أحبته، حُرم جدي من الميراث في أرض مُطلة على خزان السد العالي، وهُجِّرَ من النوبة، هو وأسرته ليعيش في القاهرة. فهم من الأساس معتزون بتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم كما بمهنهم، تجد كل حراس التراث النوبي إلى يومنا هذا ورثوه عن أسلافهم، كما تجد اللحن النوبي مثلًا هو هو الآن كما كان يُعزف قبل مئات السنين، تجدهم يسيرون على نفس خطى الأجداد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard