منيرة القديري كائن فضائي يستحم بالنفط

الاثنين 10 مايو 202110:18 ص

"في صيف 1988، رأيت وشقيقتي والدتنا تصعد على متن مركبة فضائية في باحة منزلنا الأمامية. لن أنسى ذلك اليوم ما حييت، وصورتها وهي تصعد تلك السلالم الحديدية مرتديةً بزّتها الزاهية الألوان ومع تسريحة شعرها القصيرة. كان القرص الكبير يحوم بهدوء فوقنا."

 أنا فقط أعيد قصّ الحكاية التي وضعتني في مواجهة منيرة القديري في معرض "المركبة" الذي يجمع بين السيرة الذاتية أو ما يقاربها والخيال العلمي.

كان الجو يتنفس أضواء نيون متجمّدة وكنتُ في مواجهة منحوتات وتسجيلات يختلط فيها الواقع بفن العمارة المستقبلي وتفسير الأحلام والخطف على أيدي المخلوقات الفضائية.

لكن هل تعرف منيرة القديري أن اللغة خطرة أيضاً وتستطيع أن تكون مشروع عزلة ممكنة؟ أسألها اليوم عن الحكاية نفسها كي أفكّ هذا التعقيد والتشابك بين الحلم والحقيقة، وتجيبني: "كل ما أتذكّره أنه أُغمي عليّ في تلك الحظة، واستيقظت باكيةً وأنا أحدّق في شقيقتي. سألتها: أنتِ أيضاً رأيتِ ما جرى أليس كذلك؟ أومأنا نحن الاثنتان بنعم، وكنّا تحت وقع الصدمة".

لا تبالغ الفنانة منيرة القديري حين تقول: "أنا فرانكنشتاين الهوية العربية"، فهي منحدرة من جذور سعودية وفارسية، ولدت في داكار وأنهت دراستها في اليابان، حيث حصلت على شهادة الدكتوراه في دراسات الميديا  وركز بحثها على "جماليات الحزن في الفكري الشرقي"

حسناً... حاولتُ أن أكتفي بهذه الإجابة، أنا أيضاً أحب أن يُساء فهمي ولا يجد الآخرون سبيلاً إلى معرفتي بوضوح، ولا تعنيني كثيراً الظواهر التي يتعذر تعليلها والاتصال التخاطري الغامض بين الأطفال وجلسات استحضار الأرواح، لكن لعبة الاحتمالات سرعان ما استنفدت كل مجهودي، فعدت وسألتُ منيرة بطيش: "المركبة وكل شيء... كان حلماً إذن؟"، وتخيلتها وهي ترمي قطعة نقدية في الهواء كي تحسم الإجابة بنعم أو لا.

على غرار قنبلة موقوتة وضعت القديري هذه الحكاية في وسط العائلة/ النواة لتفككها وتبدأ رحلة التشكيك في كل شيء، بما فيها الهوية التي تبدو زلقة من الصعب الإمساك بها، وهي ترتدي زي الرجال وتلتفت بزهو حين يناديها أحدهم ب "sir".

ربما هو فعل طفولي أن تدرك أن التشابه يحمي من الرفض والطرد وأن الاختلاف يفتح الاحتمالات للجرح، ورغم ذلك تختار الهروب من العالم المُنظّم والمنضبط عن طريق الاستغراق الكلي في الشيء الوحيد الذي يثير اهتمامك: الفن. والفن بالنسبة إلى منيرة القديري تفاعل متواصل بين الواقع والخيال، بين ما هو ظاهر على السطح، والغرف السريّة الكامنة في الأسفل.

من مشروع "المركبة"

المزيد من امرأة واحدة...

لا تبالغ الفنانة البصرية الكويتية حين تقول: "أنا فرانكنشتاين الهوية العربية"، فهي منحدرة من جذور سعودية وفارسية، ولدت في داكار وأنهت دراستها في اليابان، حيث حصلت على شهادة الدكتوراه في دراسات الميديا من جامعة طوكيو للفنون، وركز بحثها على "جماليات الحزن في الفكري الشرقي" النابعة من الشعر، الموسيقى، الفن والممارسات الدينية.

ولا نستطيع أن نحيط بمشروعها البصري في مقال واحد، حتى لو تعقبنا أعمالها المعروضة حالياً في كل من كندا والصين وألمانيا، أو جهّزنا البوشار لنشاهد مقابلاتها على اليوتيوب حيث تضحك بإفراط وهي تحكي عن عشقها لمسلسلات الأنمي اليابانية المدبلجة بالعربية، وخاصة كارتون النينجا كابامارو، المولع بالنودلز، بصوت المؤدي ويلم عتيق.

تشتغل منيرة القديري على مشهديات تسبح فيها شخصيتها المتكرّرة حتى تصبح ذات بعد أيقوني، تضعنا أمام فرجة محيّرة...

وتشتغل منيرة القديري على مشهديات تسبح فيها شخصيتها المتكرّرة حتى تصبح ذات بعد أيقوني، تضعنا أمام فرجة محيّرة في فيديو آرت "وا ويلاه" و"أبو أذية" وهي تنفّذ سلسلة من الرقصات على أنغام الأغاني الشعبية الحزينة عن الحب والرثاء، وتقوم بلعب دور المغني الذكر، في حين يلعب دور المغنيات شبابٌ يرتدون زي النساء.

بقصّة شَعر قصيرة، تبدو مستعدة لوضع شوارب في أي لحظة وقلب الأدوار والمُسلّمات الجندرية. تُذكّرنا بتلك الحكاية الشرقية "صبي الساحر"، حيث يصل الإنسان إلى كتاب المعرفة بعد عناء ومشقة ليكتشف أنه مؤلَّف من صفحات هي عبارة عن مرايا، لأن السبيل الوحيد لإحراز المعرفة هو الحفر في الذات.

من عرض "أبو أذية"

دروس الظلام

هكذا يسير السائر في اتجاهات وتعرجات ودوران حلزوني خلف منيرة القديري مُحاولاً أن يجمع صورتها المتكررة من هنا وهناك قبل أن يدرك أن النفط هو الدبوس الصغير الذي يصِلُ كل هذه الأعمال ويجمع مفهوم الهوية المبعثرة أيضاً.

هي طفلة ما بعد النفط، التي لم تعرف سوى الوجه الحديث والجذاب للكويت، بينما اختفى تماماً الوجه القديم وبقي حبيس التراث والخيال الشعبي، حبيس ما قبل التاريخ بطريقة ما، وكأن النفط هو نقطة البداية لكل شيء. تقول: "في الخليج كانت صناعة النفط تُحاط بهالة من الغموض، وكنا ننظر إليه على أنه المادة السحرية الميتافيزيقية، النعمة الإلهية التي هبطت لتُخرجنا من العوز".

وتترك الفنانة التشكيلية الباب موارباً كي يتسلل منه الماضي ومعه فيلم فيرنر هيرتزوغ "دروس الظلام" (Lessons of Darkness)، الذي أنجزه في العام 1991 إثر نهاية حرب الخليج، ويُصوّر حقول نفط الكويت المُشتعلة بعد أن أضرم فيها الجنود العراقيّون المنسحبون النار، في فعل اعتُبر أسوأ أذى بيئي متعمّد في التاريخ.

هي طفلة ما بعد النفط، التي لم تعرف سوى الوجه الحديث والجذاب للكويت، بينما اختفى تماماً الوجه القديم وبقي حبيس التراث والخيال الشعبي، حبيس ما قبل التاريخ بطريقة ما، وكأن النفط هو نقطة البداية لكل شيء

لحظتها فقط أدركت منيرة الطفلة أن "الذهب الأسود" مادة تُستخرج من جوف الأرض، بل مادة هشة مشتعلة وقابلة للزوال أيضاً. لكن هيرتزوغ اختار أن يفصل الحدث تماماً عن سياقه التاريخي والجغرافي، ويضع المَشاهد الجوية البانورامية للحرائق في قالب جمالي على خلفية موسيقى أوبرالية تستحضر ما يفترضه الخيال الغربي تحديداً عن يوم القيامة. وهذا ما أثار حفيظة منيرة القديري تجاه هذا الألماني الذي سلب منها حكايتها، لتقدّم بعد نحو عقدين عملاً مضاداً هو "وراء الشمس"، كأنما لتُعيد الحدث إلى سياقه التاريخي.

ويتألّف الفيديو من مشاهد "في أتش أس" (VHS) مُهتزّة التقطها صحافيّ يدعى عادل اليوسفي لحقول النفط المشتعلة، مترافقة مع ابتهالات صوفية كان التلفزيون الوطني الكويتي يبثها يومياً في الثمانينيات. وليخلق هذا التداخل بين التلاوة الخاشعة ونيران النفط المنبثقة بغموض من الأرض مشهداً كابوسياً يُذكّر بنهاية العالم. وتقول منيرة القديري لرصيف22 إن العمل عُرض في مهرجان برلين السينمائي وكانت تتمنى أن يكون هيرتزوغ موجوداً كي يراه: "استرجعت حقي، رغم أنني كفنانة أتفهّم مشروعه لكن إحساس الطفلة لوّن كل انطباعاتي عنه".

من الفيديو التركيبي "وراء الشمس"

الكويت مشروع فضائي

ولا تغفل أعمال منيرة القديري ما مرّت به الكويت في الستينيات من "معجزة عمرانية" غير مسبوقة في التاريخ، تم خلالها تحويل البيئة العمرانية، في فترة زمنية وجيزة، من بيئة تقليدية تتمثل في طرق ترابية ومساكن ذات أفنية (أحواش) داخلية مبنية من الأحجار البحرية والطين والأخشاب المستوردة، إلى بيئة حديثة مُخططة ومنفذة طبقاً لأحدث نظريات تخطيط المدن في ذلك الوقت، بحيث اشتمل المخطط الهيكلي الأول الذي وضعه المكتب البريطاني مونبريو وسبينسلي وماكفرلين في عام 1952 على تصوّرٍ أزال كل ما هو قديم، ووضع الأساس لمنطقة وسط مدينة تحتوي على مبان عامة حكومية وإدارية ومناطق ترفيهية وخدمات عامة لتأسيس مجتمع حديث.

ونظراً لتوفر الإمكانيات المادية لتنفيذ تلك المشاريع الكبرى، اجتذبت الكويت مهندسين ومعماريين وعمال بناء فاق عددهم عدد أفراد الجيش في الدول العربية الأخرى. لكن هذا التحول المفاجئ وسرعة البناء والتطوير عزّز الشرخ بين الماضي والحاضر وأصاب السكان بالصدمة، تقول القديري: "لطالما أثارت العمارة الفائقة الحداثة والمستقبلية في الكويت صوراً في اللاّوعي عن المركبات الفضائية والمجرّات التي أصبحت تزورنا في أحلامنا ليلاً".

ولعل أبرز من كتب عن تلك الحقبة المعماري الفلسطيني سابا جورج شبر، الذي عمل كمستشار للتخطيط في "مجلس الإنشاء والتعمير"، نجد في كتابه "تمدين الكويت" ما يدل على هذه الظاهرة التي "حدثت بسرعة الضوء" وما رافقها من شعور بالصدمة والاغتراب: "غالباً ما كنت أتساءل، هل أعيش واقعاً أم حلماً؟ شعرت في أحيان كثيرة بالنفور والكرب والاكتئاب.

أصبحت تُعمي أنظارنا متاهةٌ من الحركات الجمنازية المعمارية التي ليس لها أي جوهر أو مغزى. كانت الأشكال والهيئات والتمائم تنتشر وتتكاثر يوماً بعد يوم. أصبحت الهندسة المعمارية شكلاً من أشكال الألعاب البهلوانية الجوية بدلاً من أن تكون مجهوداً في الإبداع والاقتصاد والنظرية العضوية. وبات من النادر الوقوع على خطوط مثبَّتة في الأرض. بدلاً من ذلك، تبدو كلها وكأنها تدور على محور لتؤشّر باضطراب شديد إلى الفضاء الخارجي".

منحوتة Deep Float

إرث ملعون ومُبارَك

ليس مشروعاً فضائياً وحسب وإنما مُؤقت أيضاً بحسب منيرة القديري فـ "بلدٌ لم يفكر أن يؤسس قاعدة لصناعةٍ أو تجارةٍ ما ويعتمد 90% من اقتصاده على النفط، سوف يختفي باختفائه لا محالة"، وقد استلهمت التشكيلية الكويتية من رؤوس الحفارات، التي كانت تُستعمل للوصول إلى آبار النفط الجوفية، تصميم مجسمات عن تلك الأدوات المبتكرة التي برزت في حقبة اكتشاف النفط، لكنها بقيت مجهولة بالنسبة للمواطن الكويتي بسبب الإغلاق الأمني الذي كان يحيط بعمليات التنقيب.

عملها "أور- بت 1" (OR-BIT 1)، هو عبارة عن رأس آلة حفر لولبيّة ترتفع بضعة سنتمترات عن القاعدة في ما يشبه الحيلة "البترو- سحريّة"، وتدور حول نفسها بهدوء وكأنها تحفر السماء لتذكرنا بأن للنفط أبعاد هوسيّة، بما يحمله من معان وآمال وتطلّعات تفوق الخيال.

"أور- بت 1" (OR-BIT 1)

أزهار الشر

تجيد القديري تعرية المخبوء في الذاكرة وهي تحكي كيف شهد السكّان المحليّون لأوّل مرّة حضور الآلات الصناعيّة المُستخدمة في التنقيب، فعاينوها بمزيج من الرهبة والارتياب. تقول: "لم نكن نعرف شيئاً حول آليات استخراج النفط. وهذه هي القضية الرئيسية، ثمة رغبة في إخفاء مدى هشاشة هذه الصناعة وعدم استدامتها وإمكانية أن نعود إلى مربع الفقر بأسرع من رفة الرمش".

ومن بين الأعمال النحتيّة الأخرى التي استلهمتها من تلك الأجهزة التي كانت تُعتبر أسطورية وإعجازية، نجد عمل "زهرة الحفر" (Flower Drill) ويمثّل ثلاثة رؤوس حفر ضخمة مصنوعة من الـ"فايبرغلاس" وهي مادّة مكوَّنة من البلاستيك البتروليّ.

هذه الأزهار الوحشيّة، التي أعيدت صياغتها كي تتفتح من جديد من مواد النفط وثقافته، هي تنبّؤات تُشير إلى تدمير الكوكب المحتوم بسبب الاعتماد المتواصل على الوقود الأحفوري. وكأن هذه الآلات المشؤومة سوف تتحدى الطبيعة وتنتصر على التلف وتستعيد شكلها الأول مخالِفة المجرى الطبيعي للحياة.

"غوّاص" اللؤلؤ في كندا

هكذا تبدو تجارب منيرة القديري الجديدة أكثر ميلاً إلى تنبؤ وخلق عالم ما بعد النفط، بالإضافة إلى سعيها المحموم إلى سد ثغرات الذاكرة واستعادة الجزء الممحو من تاريخ الخليج الذي تحول إلى خيال شعبي.

بطريقة يتعذر تفسيرها، ثمة بتر داخلي لا شفاء منه ولا بدّ من اجتراره وإعادة تشكيله في صيغ متعددة، حتى يحدث الخلاص من وطأة ذلك الألم، بالأحرى التصالح معه وقبوله بل حبه في النهاية. الحكاية الشخصية القابلة للتعميم هنا، هي أن منيرة اختبرت شعوراً بالضياع وبعدم الانتماء إلى أي مكان إثر عودتها إلى الكويت، لذلك بدأت بمحاولة إيجاد خيط يربطها بأسلافها، مثل ذلك الخيط الذي يساعد على الخروج من المتاهة في الميثولوجيا الإغريقية.

الفن بالنسبة إلى منيرة القديري تفاعل متواصل بين الواقع والخيال، بين ما هو ظاهر على السطح، والغرف السريّة الكامنة في الأسفل

تقول: "في اليابان توقير السلف عبادة لا تزال قائمة، لكن هذا المفهوم غير موجود في العالم العربي". وقادها النبش في الماضي إلى جدها الذي كان يعمل مُغنياً على مراكب الصيد، حين كان اقتصاد الكويت والخليج عامة يعتمد على استخراج اللآلئ. إذ جرت العادة أن تبحر القوارب باتجاه الضفاف الغنية بالمحار في بداية موسم الصيف وتمتد رحلات الغوص لأربعة أشهر. ولقضاء تلك المدة الطويلة في البحر، يصطحب الغواصون معهم مغنياً يسمى بالعامية "النهام" الذي يقوم بغناء الأهازيج والأشعار التي تساعدهم على مواصلة العمل والتخفيف من شعور الغربة.

واكتشفت القديري أن الحياة قبل النفط كانت مرسومة بخطوطٍ مختلفة ولكن باللون نفسه، لون اللؤلؤة الذي يشبه، بطريقة ساخرة، تماوج لون النفط. لذلك بنَت عملها التركيبي "غوّاص"، الذي يعرض حاليا في Art Gallery of Burlington في كندا، وفق مستويات عدة، فهو يتبع حركات سباحة متزامنة لأربع نساء يرتدين بدلات غوص تتشابه في لمعانها القزحيّ مع الأصداف والنفط، وقد تم تصميم الرقصة لتتماشي مع أغنية تقليدية كانت تُصاحب أنشطة صيد اللؤلؤ.

من الفيديو الفني "غوّاص"

يُدير العمل رؤوسنا إلى لحظات ومفاصل تاريخية مؤثرة في بنية المنطقة وتكوين وعيها العام. لكن منيرة القديري تقول بأسلوبها المراوغ لرصيف22 إن الرؤية الخفية وراء هذا العمل، ووراء الكثير من المنحوتات والأعمال التجهيزية والأدائية التي قدمتها، هي كونها تستبق نهاية النفط. إذ تأتي فكرة "غواص" في الواقع من ممارسة موجودة منذ قرون في أذربيجان وهي الاستحمام بزيت النفط الخام كطقس لاستعادة الحيوية، وما تزال منتجعات منطقة القوقاز تجتذب الزوار للاستشفاء والتجميل حتى اليوم.

من الفيديو الفني "غوّاص"

وقبل أن تُكتشف هذه المادة كوقود كانت تُستخدم بكثرة كمضاد للالتهاب وتوضع على الجراح لقتل الفطريات. يصعب التكهن بما سيكون عليه العالم بعد إيجاد بدائل جديدة للطاقة، لكن لعل هذه المادة السحرية ستتكيف في المستقبل وتعود على شكل مراهم وحمامات للتداوي، كي تبدأ الخرافة من جديد...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard