خطوة على الطريق الطويل نحو المساواة... نساء السودان ينتزعن التوقيع على "سيداو"

الخميس 29 أبريل 202105:12 م

صادق مجلس الوزراء السوداني، ليل الثلاثاء، على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، في انتصار جديد يُحسب لنضالات النساء اللائي كان لهن القدح المُعلى في الثورة الشعبية التي أطاحت الجنرال عمر البشير (حزيران/يونيو 1989 – نيسان/أبريل 2019).

وكان نظام البشير ذو التوجهات الإسلامية، قد رفض المصادقة على الاتفاقية، مدفوعاً بتفسيرات دينية ترى أن نصوص الاتفاقية مدمرة لكيان الأسرة، ومشيعة للمثلية والفاحشة في مجتمعٍ محافظ ذي غالبية مسلمة، وأفراده على قناعة بأن نصوص الشريعة الإسلامية تُكرّم المرأة، ولا تنطوي على أي من أشكال التمييز، ما ينفي الحاجة لاعتماد مناهج غربية لصون حقوق وكرامة النساء بالبلاد.
جدير بالذكر أن مجلس الوزراء السوداني لم يصادق على جميع بنود الاتفاقية، وتحفظ على المواد (2) و (16) والمادة (29/1).
جدير بالذكر أن مجلس الوزراء السوداني لم يصادق على جميع بنود الاتفاقية، وتحفظ على المواد (2) و (16) والمادة (29/1).
وتتعلق المواد الآنفة الذكر بالمساواة بين المرأة والرجل، وأمور ذات صلة بالزواج والعلاقات العائلية، وإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية للتحكيم في أي خلاف بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.
ولتكون هذه المصادقة نافذة، يجب أن تحصل على موافقة مجلسي السيادة والوزراء، باعتبارهما يضطلعان بمهام التشريع مؤقتاً، لحين تعيين أعضاء المجلس التشريعي (البرلمان).
لكن لا توجد شواهد بإمكانية الرفض خلال مداولات الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء بشأن الاتفاقية، لعدة أسباب أهمها ترجيح المصالح السودانية.
وفي هذه الحالة يمكن مقايسة (سيداو) بإلغاء المجلس لاتفاقية مقاطعة إسرائيل، التي تمت بدعوى صيانة المصالح، وضمان كسر العزلة الدولية المفروضة على السودان لثلاثة عقود بسبب اتهامات تتصل برعاية الإرهاب، وانتهاك حقوق الأقليات بمن فيها النساء.
وتكمن مصلحة السودان هنا في الإشارة إلى ما قاله مسؤولون في نظام المخلوع البشير، بأن دولاً أوروبية عرقلت انضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية بسبب امتناعه عن الانضمام لاتفاقيات دولية، من ضمنها (سيداو).
مع العلم أن السبب الرئيس الداعي لقولنا إن المصادقة ما هي إِلَّا مسألة وقت، لكون الأغلبية المُرجحّة لأي قرارات في الاجتماع المشترك للمجلسين بيد المدنيين، كونهم يمثلون مجلس الوزراء كاملاً، ويتقاسمون مجلس السيادة مع عناصر المكون العسكري مناصفةً.
وتكمن مصلحة السودان هنا في الإشارة إلى ما قاله مسؤولون في نظام المخلوع البشير، بأن دولاً أوروبية عرقلت انضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية بسبب امتناعه عن الانضمام لاتفاقيات دولية، من ضمنها (سيداو).

رأي نسوي


رحبت أميرة عثمان، رئيسة مبادرة لا لقهر النساء (أحد أكبر جماعات الضغط النسوية بالبلاد)، بالمصادقة على (سيداو)، بيد أنها أكدت لرصيف22 أن الخطوة وإن بدت مهمة تبقى خطوة في طريق طويل لانتزاع الحقوق.
ولاحق نظام البشير النساء بقانون النظام العام السيئ الصيت، وعاقبهن بالجلد العلني، والسجن، والغرامات، بسبب تقديرات تخص رجال الشرطة بشأن سلوكهن أو أزيائهن، بل حتى طريقة مشيهن في الشارع.
وسبق أن انتقد البشير ذاته في نهايات حقبته طريقة تطبيق قانون النظام العام، باعتبارها مدخلاً لممارسة الابتزاز من قبل منفذي القانون.

وترى عثمان أن معارك كبيرة تنتظر النساء لإصدار قانون ضد التعنيف، وتعديل مواد قانون الأحوال الشخصية، وضمان تمثيلهن العادل والمنصف في مؤسسات صنع القرار.
وتأمل النسوة قيادة معاركهن بشأن قانون الأحوال الشخصية، للوصول إلى تجريم الزواج دون سن الـ(18)، وكذلك إجراء تعديلات لتتمكن المرأة من تزويج نفسها، مع ضمان ترتيبات لائقة في حالات الطلاق، وما بعد الانفصال.
وعلى مستوى التمثيل، تكافح النسوة لتعديل وضعيتهن في مؤسسات صنع القرار، حيث تحوز النساء مقعدين فقط ضمن مقاعد مجلس السيادة الانتقالي البالغة 14، فيما يتولين خمس حقائب وزارية من ضمن 26 حقيبة بمجلس الوزراء.

تيار الرفض

يضم الفريق المناهض لسيداو رجالات الدين والدعاة، والأحزاب والجماعات الإسلامية، والمحافظين وهم السواد الأعظم لتيار الرفض.
يقول قتادة محمد عبد الله، القيادي الشاب بجماعة أنصار السنة المحمدية المعروفة بالولاء لدولٍ خليجيةٍ، لرصيف22 إن سيداو محاولة غربية لهدم الدين بالتغلغل بدعاوى حقوق الإنسان.
ويعتقد قتادة بأن الاتفاقية تتيح مساواةً مطلقة بين الرجال والنساء، ما يستوجب لاحقاً الطعن في أحكام تأسيسية، كفقه المواريث، وقضايا القوامة، والتعدد، والطلاق، والزواج من غير المسلم، هذا إلى جانب إتاحة العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

ويضيف: "الاتفاقية التي تحث النساء على التمرد بدعاوى التحرر، من شأنها أن تحدث مشكلات جمة داخل الأسر، وتزيد من معدلات الطلاق، وحالات التقاضي داخل محاكم الأسرة".
واستدل قتادة على ما يسميه مشروع التهديم، بظهور عدة حوادث لاختفاء فتيات من منازل ذويهن، ومن ثم ظهورهن مع رجال تحت مسمى أزواج بعد إبرام عقود باطلة بعيداً عن وليّ الأمر.
 ضف إلى ذلك –والكلام ما يزال لقتادة- تنامي مظاهر الزي الخليع، وتعاطي الممنوعات بين النساء، على عين الأشهاد في بعضٍ من مناطق العاصمة بدعاوى الحرية. 
أما ثالثة الأثافي –حسب قتادة- فتكمن في اعتراف سيداو بالمثليين، والمطالبة بحقوق لهم تصل إلى الزواج بوثائق رسمية.

مكامن القوة

في ظل كل هذه التعقيدات في المفهوم، وفي النصوص، يلزمنا الحديث عن نقاط القوة والضعف بين مناصري الاتفاقية ومناوئيها على السواء.
تعتقد الناشطة النسوية، نسرين عطا المولى، أن أكبر نقاط القوة لديهن، هي تلك المتمثلة في المصادقة على الاتفاقية نفسها، ما يعطي قوة دفع قانونية كبيرة للنساء داخل الفضاء العام السوداني.
وتضيف في حديثها لرصيف22 أن إقرار الاتفاقية يعني إزالة جميع التعارضات بينها وبين بعض القوانين المحلية المكرسة لدونية المرأة.
وتتابع: "توالي الانتصارات القانونية يفسح المجال أمام اندياح الوعي النسوي المتصاع لرفض جميع أشكال التمييز على النوع، وإنهاء جميع أشكال انحيازات المجتمع الذكورية".
بدوره، يرى قتادة أن الدولة، وإن صادقت على كل القوانين، فسيبقى ذلك حبراً على ورق، فالمجتمع متمسك بالتعاليم الإسلامية، والسلوك القويم، ما يجعل أي محاولات بخلاف ذلك تغريداً خارج السرب.

نقاط الضعف

يَظن قتادة محمد عبد الله بأن أكبر ثغرة في دفاعهم عن الشريعة الإسلامية مقابل سيداو متمثلة في وصول طاقم حكومي معظم عناصره من حملة الجوازات الأجنبية، ممن تراهم –دوماً- في معاداة مع الدين، فهم تارةً مع إقرار العلمانية، وتارةً مع التطبيع مع دولة الكيان، وتارةً مع سيداو، على حد قوله.
لكن قتادة لا يخفي مخاوفه في قوله: "مع ثقتنا الكبيرة في المجتمع، نخشى أن تسن الدولة مناهج وقوانين تعمل على استئصال شأفة الإسلام، أسوة بنموذج أتاتورك في تركيا".
وللمفارقة، فإن أميرة عثمان بدت ساخطة من تحفظ الحكومة على بعضٍ بنود (سيداو)، كونها لا تستجيب لقضايا محل اهتمامهن، مثل زواج الصغيرات، وإمكانية عقد القران دون رضا الفتاة.
تقول أميرة إن هذا الوضع شبيه جداً بما جرى إبان أزمة المناهج، من دون مزيد من الإيضاحات.
وما جرى في أزمة المناهج –دون إطالة- هو أن رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، اختار استرضاء جماعات إسلامية متشددة اعترضت على مناهج دراسية صكها مختصون، بوقف العمل بتدريسها لحين إخضاعها لمزيد من الدراسة.

وتتابع أميرة: "لنضع دوماً نصب أعيننا أن الهدف ليس سيداو، وإنما الهدف هو السعي الدائم والحثيث لأجل الكرامة والحرية والمساواة، وكل القيم النبيلة التي قامت لأجلها الثورة".
أما نسرين عطا المولى فترى أن أكبر نقاط الضعف في تنزيل الاتفاقية لأرض الواقع، تلك المتصلة بشيطنة الاتفاقية وتصويرها بأنها أمر منافٍ لكل خلق قويم، وتقول إن ذلك يستدعي منهن الكثير من الجهد للتنوير بالاتفاقية وبنودها، والإشارة إلى أن جميع دول منظمة التعاون الإسلامي وعددها 54، باستثناء الصومال، صادقت على الاتفاقية.
خطوات كبيرة
خطوات كبيرة ومهمة اتخذتها الحكومة الانتقالية لصيانة حقوق النساء، بدءاً بإلغاء قانون النظام العام، مروراً بتجريم ختان الإناث وإقرار بروتوكول حقوق المرأة في إفريقيا، وصولاً للمصادقة على (سيداو).
فهل حان الوقت لتضع النسوة أسلحة المقاومة؟ الإجابة المؤكدة هي لا، فالمعارك قادمة، والطريق لا يزال طويلاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard