"غُلِبَت الروم" أم "غَلَبَت الروم"؟ تفاسير سورة الروم المتقلبة

السبت 7 ديسمبر 201912:42 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ قسم ثقافة في رصيف22 "تفاسير القرآن... إبداع دينامي ثري"

تم إعداد هذه المادة بمشاركة شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.


تخيلوا أنكم لم تقرأوا سورة الروم في المصحف التقليدي قبل ذلك، وحاوِلوا قراءتها كما كُتبت في عهد النبي محمد بهذا الشكل، بدون نقاط أو تشكيل أو علامات ترقيم، كما كان وقتها، قبل تطور اللغة العربية: هل هي "غَلَبَت الروم" أم "غُلِبت الروم"؟ هل هي "سَيَغْلِبُون" أم "سَيُغْلَبُون"؟

القراءة مختلفة، وبالتالي فإن المعنى مختلف، وبالتأكيد ستختلف التفسيرات... وفي ضوء ذلك، كيف ستفهم الآية التالية: "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"؟ أي نصر سيفرحون به؟ نصر الروم، أم النصر على الروم؟

هذه الحيرة هي ما وقع فيها العلماء في القرون الإسلامية الأولى، وهو ما دفع أستاذة التاريخ، وعميدة كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأمريكية ببيروت، البروفيسورة ناديا ماريا الشيخ، إلى البحث في هذا الأمر، فأنتجت دراسة بعنوان: " Sūrat al-Rūm: A Study of the Exegetical Literature"، عرضت خلالها الخلافات بين المفسّرين في قراءتها، خلال الفترة من القرن السابع الميلادي، وحتى أواخر القرن الرابع عشر، أي منذ بداية الإسلام وحتى عصر الحروب الصليبية.

ويتبيّن من الدراسة أن تفاسير الآية تأثرت بالظروف السياسية الخاصة بكل عصر، وأن العلاقات بين الدول الإسلامية المتعاقبة وبين الروم أو الدولة البيزنطية، وتبدلها بين الودِّ والعداء، منذ عهد النبي وحتى عهد الحملات الصليبية، أثرت على تفسير الآيات لدى علماء المسلمين، وجعلتها تنقلب من النقيض إلى النقيض.

فعلاقة المسلمين بالروم وقت نزول الآيات كانت علاقة ودّ، خاصة بعد أن أكرم امبراطور بيزنطة، هرقل، رُسُل النبي إليه لدعوته للإسلام، وتعامل مع رسالته باحترام، في الوقت الذي قطع كسرى الرسالة وتعامل مع دعوة النبي بإهانة. كذلك كان النبي يعتبر الروم من أهل الكتاب، باعتبارهم مسيحيين، في حين أن الفرس كانوا مجوساً يعبدون النار، وبالتالي كان الروم أقرب إلى النبي إيديولوجياً من الفرس.

ولكن هذا الودّ تغير بعد ذلك، خاصة في عصر الحملات الصليبية، حين غزت أوروبا أراضي المسلمين في بلاد الشام ومصر، وأصبحت لغة المفسّرين حين يتحدّثون عن الروم عدائية، حيث اعتبروهم "كفاراً"، وبالتالي اختلفت تفسيراتهم لآيات سورة الروم الافتتاحية، بدرجات متفاوتة.

السياق التاريخي لنزول الآيات

تتعلق الآيات الافتتاحية لسورة الروم بالحروب البيزنطية - الفارسية في أوائل القرن السابع، وتحديداً في فترة توَلِّي هرقل أمور الإمبراطورية البيزنطية، حيث كان الفرس يحتلّون أراضٍ واسعة لها في الشرق؛ ففي عام 611م احتل الفرس سوريا، وفي 614 احتلوا القدس ونقلوا الصليب المقدس إلى قطيسفون، عاصمة الفرس وقتها، ثم احتلوا مصر بين 617 و619م.

وفي عهد هرقل (تـ641م)، بدأت انتصارات الروم تتوالى بين عامي 622م حتى 628م، ودخل البيزنطيون نينوى في العراق، وقتلوا كسرى هناك عام 627م، بحسب ناديا الشيخ.

المتواتر تاريخياً، أن الدعوة الإسلامية بدأت عام 610م، وكانت هجرة النبي إلى المدينة عام 622م وتوفي عام 632م، حسبما تتفق أغلب المصادر. وتشير الشيخ من التواريخ، كيف تزامنت الدعوة الإسلامية، والصراع بين المسلمين وقريش، وبين الحروب الفارسية البيزنطية.

وكان العرب وقتها في ولاءاتهم منقسمين بين الفرس والروم، القوتين العالميتين العظمتين وقتها، وانعكس هذا الانقسام على صراع قريش مع النبي، فتناولت الآيات الافتتاحية لسورة الروم الأمر.

ولكن وقت نزول سورة الروم مختلف عليه، بين من يرى أنها نزلت بمكة كالطبري، وابن حزم الأندلسي، ومن يرى أنها نزلت بالمدينة كالطاهر بن عاشور، وأبو السعود العمادي، وبين من يرى أنها مكية فيما عدا بعض الآيات منها، كالزمخشري والبيضاوي.

والخلافات في التفسير ربما كانت ستكون محسومة، لو كان هناك إجماع على توقيت نزولها، كما سيتبين.

العلاقات بين الدول الإسلامية المتعاقبة وبين الروم أو الدولة البيزنطية، وتبدلها بين الودِّ والعداء، منذ عهد النبي وحتى عهد الحملات الصليبية، أثرت على تفسير الآيات لدى علماء المسلمين، وجعلتها تنقلب من النقيض إلى النقيض

"غُلِبَت الروم" أم "غَلَبَت الروم"؟ جاءت الآيات الافتتاحية لسورة الروم محكومة بالحروب البيزنطية - الفارسية في أوائل القرن السابع، فكيف فهمها المسلمون في التفاسير الأولى وكيف تغيرت معانيها مع تغير علاقة العرب مع أوروبا؟

"غُلِبَت" أم "غَلَبَت"؟

ووفقاً لما ذكره النحوي أبي زكريا الفراء (تـ.207هـ/822م) في كتابه "معاني القرآن"، فإن القرّاء يتفقون على قراءتها "غُلِبَت الروم" باستثناء الصحابي ابن الصحابي عبد الله بن عمر ابن الخطاب، الذي قرأها "غَلَبَت"، وبذلك قال النحوي البصري الأخفش الأوسط.

ويذكر النحوي المصري أبو جعفر النحاس (تـ.338هـ/950م) في كتابه "إعراب القرآن"، أن القراءة المختلفة "غَلَبت" هي قراءة أهل الشام.

وأضاف الإمام الترمذي (تـ.297هـ/892) في صحيحه، وكذلك أبو إسحق الزجاج (تـ.314 هـ/923م)، لقائمة من قرأوها "غَلَبَت" من صحابة النبي: علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله ابن عباس، كما قال بها التابعي معاوية بن قرة.

وذكر ابن جرير الطبري (تـ.310هـ/923م)، في تفسيره، أن ابن عمر حين قرأها "غَلَبت"، سألوه: على أي شيء غلبوا؟ فقال: على ريف دمشق.

ووفقا للقراءة الأولى: "غُلِبَت الروم...، سَيَغْلِبون"، فإن الروم هزموا من الفرس، وسينتصرون فيما بعد، ووقتها سيفرح المؤمنون (المسلمون) بنصرهم، كونهم أهل كتاب مثلهم. وهذه القراءة ترجح أن السورة مكية، قياساً بتواريخ الصراعات.

أما تفسير القراءة الثانية "غَلَبَت الروم...، سيُغْلَبون": فهو أن الروم هَزَمُوا الفرس، وسيُهزم الروم بعد ذلك على أيدي المسلمين، وهذه القراءة ترجح أن السورة مدنية.

في يوم بدر أم يوم الحديبية.. متى انتصر الروم؟

يرجح الطبري القراءة الشائعة (غُلِبت الروم)، ويقول إن اليوم الذي انتصر فيه المسلمون في بدر هو نفسه الذي انتصر فيه الروم على الفرس، ويتفق معه المفسر والفقيه الشيعي الشيخ الطوسي (تـ.543هـ/1148م)، في كتابه "التبيان في تفسير القرآن"، وبهذا الرأي قال أبو بكر بن العربي (تـ.543هـ/1148م)، والقرطبي (تـ.671هـ/1273م)، والزمخشري (تـ.528هـ/1144م)، ويضيف القرطبي أن الفرح كان لوفاء الله بعهده للمسلمين.

ورغم الاتفاق على يوم بدر (2هـ/624م)، فإن معظم التفسيرات تتضمن أيضاً تاريخاً لاحقاً، وهو يوم صلح الحديبية بين المسلمين وقريش، والذي أتاح للمسلمين دخول مكة والحجّ إلى الكعبة، وكان ذلك في 6هـ/628م، ويتزامن هذا التاريخ (الحديبية) فعلياً مع الانتصار النهائي للبيزنطيين (الروم) على الفرس، كما أوضحنا، وفقا لناديا الشيخ، ولا يتفق مع يوم بدر.

التحالف الإيديولوجي بين الروم والمسلمين في التفسيرات الأولى

مقاتل بن سليمان (تـ150هـ)، من أوائل المفسّرين، الذين اعتمدوا قراءة "غُلِبَت الروم"، وقال إن الفرس غلبوا الروم ففرح بذلك كفار مكة وقالوا للمسلمين:

إن فارس ليس لهم كتاب ونحن منهم وقد غلبوا أهل الروم، وهم أهل كتاب قبلكم، فنحن أيضاً نغلبكم كما غلبت فارس الروم. فتراهن معهم الصحابي أبو بكر (الخليفة فيما بعد) على أن الروم سينتصرون على الفرس خلال بضع سنين، فلما كان يوم بدر غلب المسلمون قريش، وأتى المسلمين الخبر بعد ذلك يوم صلح الحديبية عام 6 من هجرة النبي، أن الروم قد غلبوا الفرس ففرح المسلمون بذلك.

وينقل الطبري عن الصحابي أبي سعيد الخدريّ قوله: كنا مع محمد والتقينا مشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب، ونصر الله أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا على المشركين، وفرحنا بنصر الله أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ".

وهاتان الروايتان تتشابهان مع غيرهما في تفسير القراءة التقليدية "غُلِبَت الروم، ... ومن بعد غلبهم سَيَغْلِبون"، وفقا لتفسيرات ما قبل الحروب الصليبية.

عصر الحروب الصليبية والعداء للروم

الحملات الصليبية على أراضي المسلمين امتدت من القرن الحادي عشر حتى القرن الثالث عشر الميلادي، (تقريباً من: 1096 وحتى 1272). وفي هذا العصر تشير البروفيسورة الشيخ أن الرابطة الإيديولوجية بين المسلمين والروم كـ"أهل كتاب"، تعرّضت لإنكارٍ شديد في تفاسير الآيات، واعتبر الروم "كفاراً"، ووجدت القراءة الثانية (غَلَبت الروم...، سيُغْلَبون) شعبية بين المفسرين، رغم استمرار القراءة الأولى التقليدية.

تلاحظ الشيخ أن أبرز مفسري هذه الفترة رجّحوا القراءة المختلفة أو الثانية (غَلَبَت...، سيُغْلَبون)، وأبرزهم: الزمخشري (تـ528هـ - 1144م) في تفسيره "الكشاف"، وأبو حيان الأندلسي في تفسيره "البحر المحيط"، وقاضي القضاة البيضاوي (تـ685هـ - 1286م)، وقال الأخير في تفسيره الذي حمل اسمه، أن المسلمين بالفعل غلبوا الروم في السنة التاسعة من الهجرة، واحتلوا بعض أراضيهم (يقصد بادية الشام).

وحاول المفسرون تقديم تفسير جديد لـ"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"، حيث قال الزمخشري إن الصراع الفارسي الرومي المستمر من شأنه تعزيز الإسلام. أما الصوفي عبد الكريم القشيري (تـ465هـ - 1072م)، فيعتمد القراءة التقليدية، لكنه يؤكد على أن المسلمين فرحوا بانتصار الروم "رغم أن الكفر يوحدهم مع الفرس". أما القرطبي فيرى أن فرح المسلمين سببه تفضيلهم لفوز عدو ضعيف على عدو أقوى تهديداً. بينما يرى الفخر الرازي (تـ606هـ - 1209م) بشكل صريح أن الابتهاج كان لفوز المسلمين في غزوة بدر، لا لفوز الروم.

وجمع أبو حيان مجموعة الأسباب التي أدت لفرح المؤمنين، وهي 1- انتصار الروم على الفرس، 2- انتصار المسلمين على عدوهم، 3- النصر يشهد على صدق النبي، 4- الظالمون ضربوا بعضهم بعضاً (الفرس والروم).

محمد النيسابوري (550هـ - 1155م)، فيوجز أسباب الفرحة في 1- تأكيد وعد النبي. 2- ضعف الفرس يقوّي العرب. 3-الفرس ليسوا أهل كتاب، بينما الروم مسيحيون.

وفي تفسيره يقدم ابن عبد السلام السلمي (تـ660هـ - 1261م)، قائمة مختلفة جزئياً عن أسباب الفرح: وصلت الأخبار إلى المسلمين بموت كسرى في يوم الحديبية، لذلك فرحوا لضعف الفرس وقوة العرب، أو فرحوا بانتصار الروم على بلاد فارس لأنهم أهل كتاب مثلهم، أو لأنها كانت بشرى بانتصارهم المرجو على المشركين، أو لأن النصر يصادق على وعد النبي.

وأخيراً، يشرح البيضاوي أن الابتهاج كان 1- لفوز أهل الكتاب على الكافرين، 2- للكشف عن صدق المسلمين، 3- لتقوية إيمان المسلمين بدينهم.

وكما تشير الشيخ، فإن القوائم المذكورة أعلاه، حاولت بوضوح إسقاط التفسير التقليدي، وتجاهل فرحة المؤمنين بانتصار الروم كأهل كتاب على الفرس "المجوس الكافرين"، على عكس التفسيرات الأولى.

الحروب الصليبية تقتحم تفسير الروم بشكل واضح

الشيعي أبو علي الطبرسي (تـ548هـ - 1153م)، رسم خطاً بين "مكة" و"القدس"، موضحاً أن "القدس كانت للروم تعادل الكعبة بالنسبة للمسلمين". ففي شرحه لـ"فرحة" المؤمنين، يعتبر أن المؤمنين سيفرحون لطرد الفرس من القدس، وليس لنصر البيزنطيين، لأن البيزنطيين كفار. الأسباب الأخرى للفرح لديه هي ضائقة المشركين، وتحقيق نبوءة النبي، وإعلان انتصار المسلمين في المستقبل.

ويقترن هنا افتراض كفر البيزنطيين مع التأكيد الجديد على أهمية القدس، التي كانت محتلّة وقتها من الروم.

يُدْخل أبو حيان القدس أيضاً في الصورة، حيث يقول: "في بضع سنين سيحتلّ المسلمون القدس". في تفسيره لـ" في بعض سنين".

وبالتالي، لدينا على الأقل تفسيران للقرآن، أحدهما شيعي (مجمع البيان، للطبرسي) والآخر سني (البحر المحيط، لأبي حيان)، يضعان مسألة القدس بصورة واضحة في تفسير الروم، ليندرجا تحت قائمة الكتابات التي توسعت بقوة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، وهي كتابات "فضائل القدس"، بالتزامن مع الحروب الصليبية، واحتلال الروم للقدس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard