الصورة السياحية للفقراء... الرئيس في بيتنا!

الأربعاء 5 مايو 202110:12 ص

في بداية عام 2019، تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لثاني أغنى رجل في العالم "بيل غيتس" مؤسس شركة "مايكروسوفت"، وهو يقف منتظراً دوره لشراء البرغر في مطعم (Dick's) بولاية سياتل الأمريكية، كما تم تداول صورة للرئيس التركي أردوغان وزوجته، وهما يتناولان طعام الإفطار مع مواطن تركي وعائلته ثاني أيام رمضان، 14 نيسان 2021، الأمر الذي تكرر كثيراً فيما سبق، حيث غالباً ما تمّ تداول صور رؤساء عرب عديدين يتناولون الطعام مع مواطنين "عاديين"، أو يقومون بأفعال اعتيادية تظهرهم أقرب لـ"البشر" مع استحالة تصديقنا لذلك.

كيف تضرّ صورة المُحسن بالمحتاج للإحسان؟ كيف يروّج الأغنياء صورة "سياحية" عن الفقر الذي نعرفه؟

بعض التعاريف المرتبكة

"كان بإمكان الله أن يجعل كل الرجال أغنياء، لكنه أراد أن يكون هناك فقراء في هذا العالم، حتى تتاح للأغنياء فرصة لفداء خطاياهم". القديس إلوي.

يشير مصطلح العمل الخيري لفضيلة إنسانية، حيث واجب المواطن أن يساهم في خير أخوانه في البشرية وإسعادهم، وهذا يبتعد عن مفهوم الصدقة الديني، الإسلامي والمسيحي، لأن الصدقة تقع في نطاق "حب الله" بينما العمل الخيري يقع في خدمة الإنسانية، وحين تتدخل المؤسسات في آلية عمل الصدقة تتحول إلى فعل خيري.

إن عملية الإصلاح الاقتصادي المرتكبة باسم التنمية كما زيادة الإيمان الديني، كلاهما كان وبالاً على الفقراء، فلكي يستحق الفقراء "الإحسان" أصبح لزاماً عليهم أن يعملوا، تحت الضغط والإكراه والتهديد بفقدان حتى الفتات التي تمنحهم إياها المنظمات الخيرية والمساجد والكنائس

يهدف الإحسان بالمفهوم الديني، لتصحيح التفاوت الاجتماعي عن طريق إعادة توزيع جزء من الثروة، فحسب توما الأكويني ليس الإنسان إلا مدير ما يمتلك، وبالتالي إن واردات الكنيسة يجب أن يذهب جزء منها إلى الفقراء، وفق قواعد صارمة وقوائم واضحة، لكن في "زحمة" منظومات التفكير الدينية، تتناقص الصدقات والتبرعات، وأيضاً مع سيادة أفكار التنوير ثم الليبرالية الاقتصادية، ما أدى إلى تناقص العمل الخيري، سواء باختفائه خلف مفهوم الفقر كـ"عقاب" ديني أو حتمية إلهية، أو بانتصار دافع الإصلاح الاقتصادي وزيادة الإنتاج.

فعملية الإصلاح الاقتصادي المرتكبة باسم التنمية كما زيادة الإيمان الديني، كلاهما كان وبالاً على الفقراء، فلكي يستحق الفقراء "الإحسان" أصبح لزاماً عليهم أن يعملوا، تحت الضغط والإكراه والتهديد بفقدان حتى الفتات التي تمنحهم إياها المنظمات الخيرية والمساجد والكنائس.

صورة الفقير

أنشأت المسيحية صورة ليسوع الفقير، كما فعل الإسلام، بصورة محمد، الراعي، ثم التاجر الصغير الذي يذهب بمال زوجته فيتجر به، لكن هذه الصورة أصبحت لاحقاً مرذولة، وأصبح الفقر "خطيئة" الفقير أولاً، ثم خطيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، واختفت صورة المرابي الجشع، القط السمين صاحب المال، من قوائم الشخصيات المكروهة لدى منظومة الأديان، فأصبح الكهنة أنفسهم والشيوخ هم قطط "الأديان" السمان بالتعاون مع المصرفيين ورجال الأعمال.

هناك نوع جديد من العنف يبنى على أساس تصور جديد عن الحق وسيادة القانون، هو عنف "فاعلي الخير"، حسب ما تقول الناشطة غياتري شاكرافورتي سبيفاك، أستاذة العلوم الإنسانية في جامعة كولومبيا، ومؤلفة كتاب "التربية الجمالية في عصر العولمة"، فتقول في مقابلة لها: "لدينا صورة مثالية لفقر متحضّر يروج له من قبل فاعلي الخير الأثرياء ووكالات الإغاثة. هناك دائما سحر مصاحب لتلك الصورة الفاتنة: الأطفال الذين يلعبون في المجاري المفتوحة. بالطبع هذا المشهد دليل على الظلم الاجتماعي الخطير.

"كان بإمكان الله أن يجعل كل الرجال أغنياء، لكنه أراد أن يكون هناك فقراء في هذا العالم، حتى تتاح للأغنياء فرصة لفداء خطاياهم"

العمل الخيري، من أعلاه إلى أسفله، إن لم يهتم بالتعليم الذي يقوي الروح، فإن نتائجه ستكون عكسية، ولن يُنتج مقاومة مستقبلية للظلم، وسيكون قاصراً على توثيق لحظات المُحسنين المشاهير".

إن التركيز على الصورة "الجميلة" للفقراء الذين يبتسمون "بفخر" رغم فقرهم، يجعل الهدف الأساسي من الإعانة يعمي عن الأسباب الحقيقية للفقر، وهو جور القوانين العمل وعدم توفر فرص مناسبة وكافية للجميع، كذلك انتشار عمالة الأطفال، كما أن المؤسسات الإعلامية الكبرى تقوم بتجميل الصورة البشعة للجوع والحرب بالاتكاء على "بالرغم من أن..."، فيصبح أي خبر يتعلّق بمجاعة كبرى أو حرب أهلية أو نهب لثروة شعب، مقبولة، إذ "بالرغم من أنـ"ـهم فقراء وغير متحضرين، إلا أن بلدهم وجهة سياحية مناسبة لكم في عطلة الميلاد هذه.

الرأسمالية الخيرية

تستمر صورة بيل غيتس، أحد أغنى أغنياء كوكب الأرض في ارتباطها بالعمل الخيري الذي يذهب لمكافحة العديد من المشاكل الناشئة، الملاريا وغيرها من الأمراض المعدية، الفقر وحماية الصحة، لكن كيف يفعل غيتس ذلك؟

أنشأت المسيحية صورة ليسوع الفقير، كما فعل الإسلام، بصورة محمد، الراعي، ثم التاجر الصغير الذي يذهب بمال زوجته فيتجر به، لكن هذه الصورة أصبحت لاحقاً مرذولة، وأصبح الفقر "خطيئة" الفقير أولاً، ثم خطيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، واختفت صورة المرابي الجشع من قوائم الشخصيات المكروهة لدى منظومة الأديان

ببساطة يستثمر غيتس ثروته في مجموعة من الصناديق السيادية والصناديق الاستثمارية والائتمانية في مئات الشركات ويستخدم بعض أرباح هذه الأسهم في تمويل تبرعاته، حتى الآن نستطيع القول إننا محظوظون لامتلاك شخص سخي مثل بيل غيتس، لكن ببساطة ما هي القطاعات التي يستثمر فيها غيتس؟

يستثمر  في مجموعة من الشركات الضخمة في مجال البحث والتنقيب عن النفط والغاز، كـ"توتال وبي بي"، كذلك في صناعة الأسلحة، بي إيه إي سيستمز في إنكلترا، صناعات التعدين، المنتجات المعدلة وراثياً، ماكدونالد وكوكاكولا، أي أن استثماراته تقع في المجال الذي يصنع المزيد من الأمراض والمزيد من الفقر، الأمر مشابه لأن يقوم سرطان الثدي بارتداء الشريط الوردي.

ويبدو الأمر كتضارب مصالح، غيتس ضد غيتس، لكن إذا عرفنا حجم التهرب الضريبي الذي يحصل وعدد الشركات التابعة له والتي تحصل على تبرعات أيضاً نستنتج أن هذه الصورة لفاعل الخير مزيفة فحسب، وهي لا تخرج عن فكرة الصدقة الديني، التي تحصل مرة واحدة، فيشتري بها المؤمن الجنّة.

إن تعريف غرامشي للعمل الخيري الذي هو أداة تستخدمها النخب لتوجيه الحركات الاجتماعية وتعزيز إشراك المنظمات المعتدلة في التنمية، تستخدم هنا بشكل معكوس، حيث يستخدم لدعم الحركات الاجتماعية للحدّ الذي يساعد على الحفاظ على النظام القائم بأقل تكلفة ممكنة، وبالتالي قتل أي إمكانية لاستيلاد فرص تحقيق تغييرات عميقة في الأنظمة المحافظة "المستنيرة".

العمل الخيري والسياسة


في الصورة الثانية التي تحدثنا عنها، يبدو المواطن العادي هنا مشغولاً بصورته وصورة عائلته أكثر من الرئيس نفسه، الذي يبدو منهمكاً بالأكل فعلاً.

تلتزم العائلة هنا بإجراءات التباعد الصحي، وتستخدم الزوجة كمامة، ويغطي أعضاء العائلة جميعهم الجزء السفلي من أجسادهم التزاماً بقواعد اللياقة والنظافة، ويجلسون الجلسة "الصحية": الظهر مستقيم، اليدان على الرجلين، بينما الرئيس يجلس مرتاحاً، غير آبه بأي قواعد صحة أو حتى لياقة، "هو يأكل فعلاً".

الصورة التي يبحث فيها الرئيس المؤمن، المُحسن بتواضعه وقبوله الإفطار مع مواطن بسيط، عن المساواة، تبدو ببساطة غير عادلة، وتعطي انطباعاً مخالفاً للغاية المرجوة منها، إنها تدلّ بشكل واضح على السلطة، ليس على السلطة التي يفرضها حضور الرئيس بنفسه وعدم احترامه للقواعد، بل أيضاً السلطة التي تكتنزها العائلة في داخلها، الخفية والتي تجعلهم يشعرون أنهم ليسوا على قدم المساواة مع عائلة الرئيس.

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه العالم هو تطبيع صورة غير طبيعية، كالعنف "الطبيعي" في الحروب الأهلية في أفريقيا، "ولاية" الرجل على المرأة في العديد من البلدان الإسلامية، والفقر الذي يتم قبوله كنتيجة اعتيادية بل و"منطقية".

الصورة التي يبحث فيها الرئيس المؤمن أردوغان، بتواضعه وقبوله الإفطار مع مواطن بسيط، عن المساواة، تبدو ببساطة غير عادلة، وتعطي انطباعاً مخالفاً للغاية المرجوة منها، إنها تدلّ بشكل واضح على السلطة، ليس على السلطة التي يفرضها حضور الرئيس بنفسه وعدم احترامه للقواعد، بل أيضاً السلطة التي تكتنزها العائلة في داخلها، والتي تجعلهم يشعرون أنهم ليسوا على قدم المساواة مع عائلة الرئيس

تقول غياتري: "الديموقراطية أمر حيوي جداً عند التعامل مع أفقر الفقراء: الجماعات التي تعتقد أن بؤسها أمر طبيعي، وأنه حينما يحين وقت الجوع فعليها أن تشدّ أحزمتها غير الموجودة وأن تعاني، وأن تقبل بالكارثة بصمت. الأمر أكبر من أطفال يلعبون بالحجارة في الشوارع، إنه يمتد إلى كل جانب من حياة أولئك الناس، الذين يعملون للأثرياء في حرارة حارقة، مقابل القليل أو اللاشئ، وهذا نوع مختلف من الفقر".

من المؤكد أن العمل الخيري أمر جيد، لكن يجب التفكير جيداً في أي عملية تهدف لسدّ التفاوت الاجتماعي ألا تكون غايتها إخفاء أسباب هذا التفاوت، إدامته وتبريره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard