بعد تقليص صلاحيات البرلمان البحريني... تساؤلات حول مسيرة الديمقراطية

الثلاثاء 27 أبريل 202101:39 م

في 20 نيسان/ أبريل 2021، وافق مجلس النواب البحريني على مرسوم بقانون يقلّص عدد النواب المشاركين في المناقشة العامة إلى عشرة أعضاء فقط، وينص على ألا تزيد مدة المناقشة لأي عضو عن خمس دقائق.

وبحسب المرسوم نفسه، لا يجوز أن تتضمن المناقشة توجيه النقد أو اللوم أو الاتهام ولا أن تتضمن أقوالاً تخالف الدستور أو القانون أو تشكل مساساً بكرامة الأشخاص أو الهيئات أو إضراراً بالمصلحة العليا للبلاد.

وبعد إقراره، أحيل المرسوم بقانون إلى مجلس الشورى. ويشمل الهيكل التشريعي في البحرين غرفتين برلمانيتين، هما: مجلس النواب، ويتألف من 40 عضواً يُنتخَبون بالاقتراع المباشر، ويتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية؛ ومجلس الشورى، وهو استشاري ومن المفترض أن تكون له صلاحيات أقل من الغرفة الأولى، ويتألف من 40 عضواً يعيّنهم الملك مباشرة.‎

مسيرة من تقليص الصلاحيات

أتت الخطوة الأخيرة على ما تبقى ممّا كان يشكّله البرلمان في البحرين من نموذج للديمقراطية، فصلاحيات مجلس النواب تتقلص يوماً بعد يوم، بالرغم من مطالبات المعارضة ببرلمان كامل الصلاحيات منذ عام 2011، يكون صوت الشعب والمشرّع له. يضع ذلك العديد من علامات الاستفهام على ماهية التجربة الديمقراطية في البحرين وسيرورتها.

وكان مجلس النواب قد أعطى أعضاء مجلس الشورى عام 2018 الحق في توجيه الأسئلة للوزراء لاستيضاح الأمور الداخلة في اختصاصهم، مانحاً المزيد من الصلاحيات للغرفة الثانية المعيَّنة.

ووافق المجلس ذاته عام 2014 على تعديل لائحته الداخلية، وأقرّ اشتراط موافقة ثلثي أعضاء المجلس على جدية استجواب أي وزير، ما جعل آلية الاستجواب شبه مستحيلة.

أمام هذا التراجع، استنكرت سبع جمعيات سياسية، خمس منها تُعتبر قريبة من السلطة (المنبر الوطني الإسلامي، الصف الإسلامي، تجمع الوحدة الوطنية​​، الوسط العربي الإسلامي، التجمع الوطني الدستوري) واثنتان مستقلتان/ معارضتان (التجمع القومي الديمقراطي​​، المنبر التقدمي​​​)، ما وصفته بالخطوة الجديدة التي استهدفت تقليص صلاحيات النواب بذريعة ضبط المناقشات العامة في جلسات مجلس النواب.

وقالت في بيان أصدرته إن الخطوة الجديدة "تستهدف القضاء على ما تبقى من صلاحيات للمجلس النيابي بطريقة تحول دون العمل البرلماني الذي يلبّي طموحات شعب البحرين"، مضيفةً أن "هذه المحاولات مستمرة للإبقاء على هذا العمل في حال من المراوحة وجعل البرلمان فاقداً للصلاحيات التي لا بد أن يتمتع بها أي مجلس برلماني خاصة في ما يخص دوره في الرقابة والمساءلة والنقد".

وعبّرت الجمعيات عن دهشتها من أن ذلك يتم "على أيدي مجموعة من النواب"، منتقدةً "تمرير التعديل بطريقة تفضح هزالة أداء المجلس وتخبّط مواقفه إزاء مسألة النهوض بواقع التجربة البرلمانية وكذلك القضايا المصيرية التي تواجه معيشة المواطن وتعاني منها البلاد".

واتهم البيان النواب بأنهم "يفرّطون بالحد الأدنى من الأدوات المتاحة بأيديهم لأسباب تبدو مبهمة وشخصية ليس لها علاقة بخدمة تطور مسيرة المجلس النيابي وتفعيل دوره الرقابي، ولا بحماية مصالح المواطنين".

"البرلمان ناقص الصلاحيات"

في تعليقه على التطور الأخير، قال النائب عن كتلة "تقدّم" فلاح هاشم لرصيف22: "صوّتنا بعدم الموافقة على هذا المرسوم، وذلك على أساس أن ما ورد في التعديل، بشأن عدم جواز أن تتضمن المناقشة العامة توجيه اللوم أو النقد أو الاتهام، هو تقييد، إذ يُفترض أن تمكّن الأدوات البرلمانية، والمناقشة العامة إحداها، النائب من أن يعكس نبض الشارع ومطالبه، من خلال استيضاح سياسات الحكومة حول موضوع ما مع الوزير المختص، وتبادل الرأي بشأنه وتفنيد حججه أو أدلته، وبذلك تبيان النواقص والخلل في إدارته أو قراراته لذات الموضوع".

"بدل أن يمثّل النواب (البحرينيون) شعبهم ويدافعوا عن حقوقه ومصالحه، يمثلون الحكومة ويدافعون عنها ويبررون لها كل خطوة تراجعية"

وبشأن تقليص هامش العمل البرلماني بشكل مستمر منذ عدة سنوات، يعتبر هاشم "أن ما حدث يدلّ على أن ما تم في بعض المناقشات العامة، وخاصة مناقشة سياسات سوق العمل، وقبلها سياسات التعليم، كان له دور في كشف مدى ضعف هذه الجهات، وخواء سياساتها وإجراءاتها التنفيذية، ما دفع باتجاه تقليص دور المجلس وتضييق هامش العمل فيه".

يعترف هاشم بأن "واقع المجلس بتركيبته الحالية وضعفه أمام الجهاز التنفيذي، بالإضافة إلى العقبات الأخرى، من مجلس شورى، وإجراءات تطول أمام أي تشريع، كل ذلك لا يساعد أو يؤمَل منه إمكانية تعديل بعض هذه القوانين المقيّدة لعمل المجلس، والدليل أن هناك اقتراحاً بقانون تقدّمتُ به مع نواب آخرين لتعديل في بعض مواد اللائحة الداخلية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ويتعلّق بالاستجواب وإلى الآن يقبع في اللجنة قيد الدراسة".

من جانب آخر، ترى القانونية هديل كمال الدين أن "البرلمان ناقص الصلاحيات قبل أن يقوم بهذه الخطوة التي صدمت المجتمع". وتضيف لرصيف22: "لنكن واقعيين، الصلاحيات التي قام البرلمان بسحبها ما هي إلا صلاحيات شكلية يستخدمها النواب للظهور الإعلامي والدعاية الانتخابية، فالدستور ينص على ألا يصدر قانونٌ ما لم يقرّه كلٌّ من مجلسي الشورى (المعيّن أساساً من الملك) والنّواب (المنتخب من خلال نظام انتخابي لا يعطي صوتاً انتخابياً متساوياً لجميع المواطنين من خلال التوزيع غير العادل للدوائر)، وبالطبع لا بد من تصديق الملك عليه".

ووصف النائب يوسف زينل التعديل القادم من الحكومة بأنه "سلب جديد لصلاحيات النواب، وتحجيم لوظيفتهم الرقابية على السلطة التنفيذية وأجهزتها، وهي الوظيفة التي يتطلب القيام بالحد الأدنى منها توجيه النقد للوزراء المختصين".

كما تساءل: "هل تسعى الحكومة لتدجين ممثلي الشعب؟ ولمصلحة مَن استمرار مسلسل التراجع للتجربة التي تمثل محور المشروع الإصلاحي لجلالة الملك؟".

وفي سياق التعليق على ما جرى، أسفت نائبة الأمين العام للشؤون التنظيمية وعضوة اللجنة المركزية في المنبر التقدمي دينا الأمير لـ"تفريط النواب وتنازلهم عن صلاحياتهم تباعاً وطوعاً، ما جعلنا أمام تراجعات".

"ما حدث مشهد سريالي بامتياز. كيف بممثلي الشعب (البحريني) أن يقلّصوا صلاحياتهم بأيديهم؟! ما نعرفه هو أن مقام تمثيل الشعب هو مقام مراقبة ومحاسبة، وهذا يحتاج أكبر قدر ممكن من الصلاحيات والآليات لتضييق الخناق على الفساد"

وأضافت لرصيف22: "بدل أن يمثل النواب شعبهم ويدافعوا عن حقوقه ومصالحه، يمثلون الحكومة ويدافعون عنها ويبررون لها كل خطوة تراجعية"، معتبرة أن "تقليص صلاحيات النواب لا يخدم المسيرة الديمقراطية ولا حماية مصالح الناس" وأن "قبة البرلمان هي منصة لتفعيل دور الرقابة وكشف مَواطن الخلل والفساد، والتي أصبحت الآن مفقودة بسبب هذا التعديل".

وترى الأمير "أن الفسحة التي كانت متاحة للنقد وإبداء وجهة النظر أصبحت أكثر ضيقاً مما كانت عليه".

"مشهد سريالي"

يصف المدوّن أحمد الحربان ما حدث بأنه "مشهد سريالي بامتياز"، ويتساءل في حديثه لرصيف22: "كيف بممثلي الشعب أن يقلّصوا صلاحياتهم بأيديهم؟! ما نعرفه هو أن مقام تمثيل الشعب هو مقام مراقبة ومحاسبة، وهذا يحتاج أكبر قدر ممكن من الصلاحيات والآليات لتضييق الخناق على الفساد، وضمان تحقيق المصلحة العامة، بما يخدم البلد والمواطنين"، معتبراً أن ما حدث "قفزة وليس خطوة، قفزة كبيرة إلى الوراء، وجريئة أيضاً، لأنها بالغة الوضوح، وغير مكترثة".

بدورها، تصف الناشطة النسائية إيمان شويطر التعديل الأخير بأنه "تقييد آخر يُضاف إلى التراجعات التي سبقته في تقليص صلاحيات المجلس، مثل منع الاستجواب وتقييد صلاحيات اللجان البرلمانية، وهذا يعني تراجعاً خطيراً للتجربة الديمقراطية التي بدأت عام 2002 دون تقدّم محرَز".

واعتبرت أن هذا التعديل "مخالف للدستور الذى يعطي الحق للمجلس النيابي بانتقاد ومحاسبة الحكومة والعمل على تصحيح مسارها رقابياً وتشريعياً".

وأضافت لرصيف22: "إن العمل بموجب هذه التعديلات سيشكّل زيادة في التقييد على حرية التعبير المجتمعي وليس على المجلس فقط، لأنه إذا كان المجلس الوطني، وهو الذي يمتلك حصانة وله الحق في النقد والمناقشة ومحاسبة الحكومة، قد أسقط عن نفسه هذا الحق، فما بالك بالمواطنين؟".

"كيف تُصوِّت هيئة تشريعية يُفترض فيها أن تكون تمثيلية لحقوق الشعب (البحريني) لإخراس نفسها؟ وظيفة المجالس التمثيلية الفاعلة هي زيادة وتوسيع الأدوات التي تدافع بها عن هموم وقضايا الناس وتجعلها حاضرة وحيوية، وليس الانتقاص من مساحاتها"

واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من النقد الموجّه للنواب، من كافة أطياف المجتمع في البحرين، واعتبرت الأغلبية أن البرلمان لا يقوم بدوره في تطوير حياة الناس أو منح البحرينيين الامتيازات التي يتطلعون إليها من حكومتهم.

وتساءلت الناشطة النسائية فريدة غلام: "كيف تُصوِّت هيئة تشريعية يُفترض فيها أن تكون تمثيلية لحقوق الشعب لإخراس نفسها؟ بئس المقترح وبئس الموافقة"، مضيفة لرصيف22: "وظيفة المجالس التمثيلية الفاعلة هي زيادة وتوسيع الأدوات التي تدافع بها عن هموم وقضايا الناس وتجعلها حاضرة وحيوية، وليس الانتقاص من مساحاتها وإمكاناتها حتى تصل إلى مستوى الصامت، ما يُضعف الثقة في كفاءتها التمثيلية".

ماذا بعد؟

بعد آخر فصل من تقليص صلاحيات مجلس النواب، يرى فلاح هاشم أن "هناك الكثير من العمل الذي يتطلب مواقف مبدئية، خاصة في ما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين مع توجّه الدولة بخطوات متسارعة نحو الأخذ بسياسات نيوليبرالية وسياسات السوق المفتوحة، وما ينتج عن ذلك من تبعات على عموم المواطنين، وبالذات حقوق العمال والمتقاعدين".

وبرأيه، "يجب مواصلة العمل على فضح هذه السياسات وتبيان مساوئها، وهذا دور يتطلب حشد كل الطاقات داخل المجلس وخارجه، ما أمكن".

ويشير هاشم إلى أنه "في ظل هذا الوضع، وتركيبة البرلمان وآلية العمل، يصعب -إلى درجة الاستحالة- أن يتحقق أي تطور في إصلاح آليات عمل المجلس بدون توافقات مع الجانب الرسمي، وهذا ما يتطلب إرادة سياسية من الدولة في هذا الاتجاه بالدرجة الأولى. كما أن هذا التطور يتطلب أيضاً مشاركة كل مَن يعنيه الإصلاح في العملية السياسية والتحلي بالنَفَس الطويل وتحمل المسؤولية بالدرجة الثانية".

أما الحربان فيقول إن "الناس يتطلعون إلى برلمان يُشبههم، لا برلماناً يُرسّخ قناعة بأنه مجرد واجهة وديكور. وبالصلاحيات الحالية لا يمكن تحقيق الكثير للأمانة، بل ولا القليل في رأيي، ويكفي أن نسأل أي مواطن عن رأيه في البرلمان، وأظن أننا كلنا نعرف الإجابة. فإذا كان هذا رأي المواطن، فما هو رأي المسؤول؟".

تتفق القانونية كمال الدين مع مطالبات المعارضة ببرلمان كامل الصلاحيات ينفرد بالتشريع، وبتعديل النظام الانتخابي والدوائر الانتخابية وإلغاء المراكز العامة، ليصل إلى البرلمان مَن اختاره الشعب فعلاً ويدافع عنه وعن حقوقه "فبرلمان بهذه الصلاحيات، للأسف لا يستطيع تحقيق ذلك ولا أستبعد أن يقوم بتقليص المزيد من صلاحياته في الأيام القادمة".

بدورها، عبّرت دينا الأمير عن استيائها من "تركيبة المجلس الحالي وضعف الأداء وتقليص صلاحياته"، وقالت: "شخصياً لا أنتظر شيئاً من هذا المجلس كما بقية المواطنين، فمنذ تأسيس المجلس النيابي لم يتحقق شيء لا تريد الدولة له أن يتحقق. واستطاع بعض النواب المعارضين مواجهة الحكومة تحت غطاء المجلس النيابي وانتقادها وإبداء وجهات نظر حول سياستها بل وطرح المشاريع البديلة".

وتبدي الأمير اعتقادها بأنه "من الأفضل استغلال كافة المساحات الممكنة حتى لو كانت في الحد الذي تعتقد الدولة أنه يؤمّن لها الأمان من النقد، ذلك لأنني أؤمن بأن المناضل الحقيقي هو الذي يستغل ثقب الإبرة ليعبر من خلاله".

أما الناشطة النسائية إيمان شويطر، فأعربت عن أملها في "برلمان حقيقي يتحدث باسم الشعب ويدافع عن حقوقه ومصالحه، يكون أفراده على مستوى من الحنكه والخلفية السياسية والجرأه والقدرة على المواجهة ومقارعة السلطة بقوة إقناع وصلابة رأي ويمتلك استقلالية القرار، لا يخضع لولاءات أو إملاءات أي سلطة، ويضع مصلحة ومطالب المواطن فوق مصالح البرلمانيين الخاصة، ويعمل على استغلال الصلاحيات التي منحها الدستور استغلالاً أمثل، بل ويعمل على توسيعها بما تقتضيه مطالب ومصالح المواطن وبما يرتقي به وبالمجتمع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard