الإنجيل الجديد... ميلو راو الذي "يبحث عن تعريف الإنسانية من خلال الجريمة"

الخميس 29 أبريل 202110:28 ص

في الحوار الذي تلا عرض الوثائقي "The new gospel/ الإنجيل الجديد" في الرابع من أبريل/نيسان المنصرم، جهد المخرج المسرحي ميلو راو، إلى إحالة كل سؤال يوجّه اليه إلى إيفان سانييه، وهو كاتب وناشط في حقوق المهاجرين المزارعين المقيمين في إيطاليا، مزارعٍ في الأصل ويُعدّ الشخصية المحرّكة لفيلم راو الوثائقي.

وهذا ليس بأمر مستغرب لدى صاحب مفهوم "الواقعية العالمية" إذ لا يسعى المخرج السويسري إلى خلق منتج فني فحسب، بل يهدف إلى خلق مسار إنتاجي، ينقض فكرة المسرح أو العمل الفني كمُنتج خاضع لراهنية لحظة العرض وبعلاقة الأخير مع متلقيه، ويحاول أن يعود إلى معالجة المشكلة الأساسية بشكل براغماتي بدل الاكتفاء بمسرحتها.

هكذا يتحوّل المسرح إلى تكوين "يوتوبي" يسعى بشكل ناجع لتصحيح هذا الفائض من المظلوميات الناتج عن المنظومة بحد ذاتها.  قبل الحديث عن فيلمه الأخير، من المهمّ في هذا المقال، الإضاءة على أعمال راو السابقة، وتحديداً انشغاله بالقتل وجريمة وإعادة التمثيل من ناحية، وما سأسمّيه بـ"طور المحاكمات" التي كوّنها من خلال عملين: "محكمة الكونغو" و"محاكمات موسكو".

هل يمكن أن يتحوّل المسرح إلى تكوين "يوتوبي" يسعى بشكل ناجع لتصحيح هذا الفائض من المظلوميات

محاكمات

يحوّل طور المحاكمات الخشبة إلى منصة بديلة وفعلية للبحث عن عدالة محتملة. لا يقوم بذلك عن طريق الترميز عبر نص معدّ سابقاً أو عبر مواقف ارتجالية يديرها ممثلون، بل يبني محكمة حقيقية في فضاء يتحوّل إلى خشبة لا أبطال فيها الا الأشخاص الحقيقيين على أرض الواقع. في هذا الفضاء، يحدّد راو القواعد والإطار العام الذي يتمثل بمحاكمة تتمّ في فضاء مغلق، تمتدّ على مدى ثلاثة أيام، يحضرها جمهور مع لجنة من المحلفين ويتم تصويرها. ليس هنالك من بداية أو نهاية محددتين أو من سيناريو مكتوب مسبقاً. لكل فرد مشارك في المحكمة حرية التصرف ضمن الإطار العام الذي حدّده المخرج. هذا ويتمّ توثيق التجربة عبر فيلم وثائقي يصار إلى عرضه واستخدامه لاحقاً في أطرٍ متعددة ومتنوعة.

في "محكمة الكونغو" (2013)، يتمّ الإضاءة على تبعات الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1994 إثر الإبادة الجماعية في رواندا. يطلق كثيرون على تلك الحرب الدموية تسمية "الحرب العالمية الثالثة" والتي أدّت إلى أكثر من 6 مليون ضحية. 

 يبني محكمة حقيقية في فضاء يتحوّل إلى خشبة لا أبطال فيها الا الأشخاص الحقيقيين على أرض الواقع... ميلو راو والإنجيل الجديد 

يشارك في فيلم "محكمة الكونغو/ The Congo Tribunal" جان لوي جيليسين، اسم بارز في المحاكم الدولية، وهو قاضي محكمة راو. كما ستجمع المحكمة- التي شيدها الرجل المسرحي على أساسٍ فيه القدر الكافي من المسرحة والأدائية التي تقترب أكثر من الحياة اليومية منه إلى الخشبة- كل من وزير الداخلية ووزير الموارد المعدنية، ومحامين ومتضررين كثر من الشركات الخاصة وشركات استخراج المعادن الدولية.

يغوص الوثائقي في كل التفاصيل الاجتماعية والجيو-سياسية والاقتصادية والتاريخية للكونغو، في محاولة للفهم وللقيام بمحاكمة شاملة تضمّ كل الأطراف، مقدّماً "بورتريه للاقتصاد العالمي" كما يسميه، ويظهّر عبر بحثه المعمّق شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية في ظل تنصّل الأمم المتحدة من مسؤولياتها.

أدانت محكمة راو ممثلي الحكومة وبعد أشهر من تقديم عرض "محكمة الكونغو"، تمّت إقالتهم على أرض الواقع

أدانت محكمة راو ممثلي الحكومة وبعد أشهر من تقديم عرض "محكمة الكونغو"، تمّت إقالتهم على أرض الواقع. قد يكون هذا الأمر محض صدفة أو لربما نتيجة تراكم كبير يصل العمل الفني بحبل من التراكمات التي يصعب تشريحها، ولكن ما يبقى جديراً بالذكر هو استمرار راو في ملاحقة المجتمع الدولي والجهات الخارجية التي كان لها دور في الحرب، إذ أرسى المخرج السويسري تلك المحاكمة في برلين، في محاولة لإدانة الإتحاد الأوروبي والبنك الدولي المتورطَين في نهب ثروات الكونغو، وسيعيد تقديمها قريباً.

الجريمة وإعادة التمثيل  

هذا الانشغال لراو بالتفكّر حول الجريمة عبر استحضارها على الخشبة هو انشغال مزدوج، لأنه يستحضر أيضاً، بمعنى ما، تاريخ المسرح الحافل بالعنف والجريمة منذ المسرح اليوناني وقبله. ليست مسرحيات أسخيلوس ويوريبدس سوى مثال على العنف المتمثل في الإرث المسرحي قبل العودة إلى الأرض الواقع. هذا الانغماس في استحضار الجريمة وتمثيلها في تساؤل مزدوج حول الجريمة في فضاء المجتمع وحول الجريمة على الخشبة، طاول عدة أعمال لراو، منها على سبيل المثال لا الحصر "إعادة التمثيل: ت(و)اريخ المسرح" التي تعيد تمثيل جريمة قتل المثلي إحسان الجارفي، من قبل أربعة أفراد في بلجيكا.

ينشغل راو بالتفكّر حول الجريمة عبر استحضارها على الخشبة وهو انشغال مزدوج، لأنه يستحضر أيضاً، بمعنى ما، تاريخ المسرح الحافل بالعنف والجريمة، وهذا الهم يطال أعماله مثل "إعادة التمثيل: ت(و)اريخ المسرح" التي تعيد تمثيل جريمة قتل المثلي إحسان الجارفي

عرض يبدأه بتساؤل حول المسرح "متى تبدأ التراجيديا على الخشبة؟"، وينهيه بتساؤل يحيل نوعاً ما إلى الجمهور ومسؤوليته، بينما تتأرجح المسرحية لما يزيد عن الساعة بين زمانين: زمان تجربة الأداء الذي يقول الكثير حول حياة الممثلين الهواة، وبين زمان إعادة تمثيل الجريمة بأصغر وأقسى تفاصيلها. هذان الزمنان يتقاطعان كما لو أنهما بشكل أو بآخر مكملان للحظة حدوث الجريمة.

هذا التمثيل الذي يغوص في واقعية قصوى والعودة إلى اللحظة الآنية أي لحظة العرض، يحيلان إلى معان متعددة لكلمة تمثيل بحد ذاتها وتساؤلات حولها: من يملك أحقية تمثيل جريمة ما، بمعنى امتلاك حقيقتها، ضحايا الجريمة؟ أي ضحايا؟ المجرمون أنفسهم؟ أم جمهورها، أي من يتفاعل معها؟ ماذا يمثل الجمهور في هذه الحالة وما هو دوره؟

من المفترض لواقعة القتل هذه، أننا كجمهور، نتفاعل معها للمرة الثانية في فضاء آمن، لأننا نعرف أنه خيالي ولا يمتّ للواقع بصلة. يحرص ميلو راو أن يذكر أن ما يجري على الخشبة هو محض تمثيل، ولكن في الوقت نفسه يبدو شديد الحرص أيضاً ألا يفوّت إعادة تقديم أي لحظة عنف قد تنتج عن هذه الجريمة، أكانت فعلاً متخيلاً أم فعلاً موثقاً في سجلات التحقيق التي اطلّع عليها راو.

وفي هذا السياق، تبدو لحظة العنف طاغية لدرجة تصبح حقيقية فعلاً في عين المشاهد. وهنا أعود لمعاني كلمة "تمثيل": ماذا تمثل اللحظة الآنية التي يرى فيها المشاهد جريمة يُعاد تمثيلها بكل واقعية وبكل العنف الممكن، مع وعيه الكلي أن تلك اللحظة تنتمي إلى موطن الخيال؟

من المهم في هذا السياق الاطلاع على القاعدة الأولى لمانيفستو غنت، وقد أطلقه راو إثر استلامه ادارة مسرح غنت، حيث يضع الخطوط العريضة لـ"مسرح مدينة لأجل المستقبل/ city theatre of the future". يسعى راو، من خلال هذا المانيفستو، للابتعاد عن النظم غير المعلنة التي تؤطر المسرح الأوروبي. تذكر القاعدة الأولى ما يلي: "لم يعد الأمر (متحدثاً عن المسرح) مجرد تصويرٍ للعالم، إنما يتعدى ذلك لتغييره. الهدف ليس وصف أو تصوير الحقيقة، إنما جعل فعل تمثيلها بحد ذاته حقيقياً".

"لم يعد (المسرح) مجرد تصويرٍ العالم، إنما يتعدى ذلك لتغييره. الهدف ليس وصف أو تصوير الحقيقة، إنما جعل فعل تمثيلها بحد ذاته حقيقياً"

أظنّ هنا إحالة ضمنية إلى أن الحقيقة ليست أحادية الجانب، ولأجل ذلك يتحدث راو عن تمثيل الحقيقة عوضاً عن الحقيقة بحد ذاتها، ومن ناحية أخرى هو انتقال إلى لحظة التمثيل على الخشبة على أنه حامل للحظة حقيقية وجب التفكر حولها. ولكن كيف يستطيع فعل إعادة تمثيل العنف والجريمة على الخشبة تغيير العالم؟ هذا الاستحضار للجريمة ليس مجرد بحث جمالي مربوط بتاريخ المسرح فقط. 

يطيب لي أن أعتقد أن الأمر أشبه باستخدام نفس المفهوم الذي بني عليه منطق الطب التجانسي أو المعالجة المِثلية Homeopathy. أي أن نعالج المصاب بجرعات متنوعة لمسبب المرض بذاته. أن نعالج العنف باستحضاره كما هو، أو بجرعات مخففة أو مضاعفة على الخشبة، مع تساؤل حول اللحظة الآنية وحول دور المشاهد في كل هذه الطبقات من التمثيل.

في مقابلة له مع التلفزيون الفرنسي (TV5) يقول راو إنه "يبحث عن تعريف الإنسانية من خلال الجريمة"، كما لو أنه يذهب إلى الحد الفاصل بين ما هو إنساني وما هو بربري ليعيد تعريف هذا المفهوم الذي بات مبهماً: الجنس البشري بسلبياته وإيجابياته.

 مسيح عالمي... ماركسي

في فيلمه الأخير، يعود راو إلى ماتيرا، مدينة إيطالية أثرية، عُرفت بكونها موقع تصوير لأفلام كثيرة، أبرزها فيلم "آلام المسيح" (2004) لميل غيبسون و "إنجيل متى" (1964) لبازوليني.

يبدأ الوثائقي بميلو راو وإيفان سانييه على سطح مبنى يطل على المدينة، بحيث يشرح راو عن عظمة المدينة لكونها موقعاً أثرياً استخدمه كل من المخرجَين. يجد إيفان، الشاب الداكن البشرة، بأن فكرة التصوير في هذه المدينة هي فكرة ممتازة، ثم يعلّق "إنه الموقع المثالي". تنتقل الكاميرا بعد هذه الجملة لتصوّر مشاهد حي عشوائي مدقع في فقره في نفس المدينة.

تتقاطع مشاهد حيوات المهاجرين مع مشاهد إعادة تمثيل حياة المسيح في فيلم "الإنجيل الجديد"، بحيث نرى إيفان وأصدقاءه يتظاهرون لصالح حقوق المزارعين مرتدين لباس المسيح ورسله

لن يستغرق المشاهد الكثير من الوقت قبل أن يفهم أن الموضوعة المطروحة هي موضوعة المهاجرين واللاجئين الذين يعملون في حقل الزراعة ويخضعون، بالإضافة لأشكال الاضطهاد الناتجة عن عدائية المنظومة للمهاجرين، إلى استغلال المنتجين الزراعيين لهم. يعود اللقاء الأول بين ميلو راو وإيفان سانييه لسنوات سبقت مرحلة التصوير. تربطتهما علاقة متينة مبنية على تناغم سياسي وفكري، وليست فكرة الوثائقي إلا وليدة تلك العلاقة. سيلعب إيفان دور المسيح في الوثائقي الذي سيعيد تمثيل مشاهد من الإنجيل، حيث يجسد المهاجرون المزارعون والجهات المختصة الإيطالية الأدوار الأساسية.

شُكّلت مشاهد الفيلم على مسارات عدة تجاورت وتقاطعت فيما بينها لتشكل هذه المادّة الوثائقية مساحة فضح، تفكّر وفعلٍ في آن. المسار الأول يتابع إيفان وأصدقاءه المزارعين، أولئك الذين لا يملكون أوراق رسمية للاعتراف بهم كجزء من المجتمع الإيطالي. لإيفان سانييه دور كبير في مجابهة شبكة استغلال المهاجرين. يروي الناشط الكاميروني الأصل كيف بدأ ذلك عام 2011، حيث كان يعمل مزارعاً بدوره. حين أوشك أحد أصدقائه على الوفاة بسبب المرض، لم يثر هذا الأمر أي اهتمام لدى المنتِج الذي احتقر المزارعين وطلب منهم العودة إلى العمل.

في بداية الفيلم تتحدث سيدة عن ابنتها التي ولدت في ماتيرا والتي تعيش بعيداً عنها. "ستأخذ عملية الحصول على أوراق بعض الوقت"، تقول السيدة التي تعيش في خيمة الآن. توثق الكاميرا في مكان آخر في الفيلم خوف شاب على بعد أمتار من سيارات الشرطة. إنهم يدمرون مساكن المهاجرين في ميتابنتو، "أنا خائف... لا أحد معي إلا الله".  

لا ينحصر مسعى راو بنقل المظلومية على الشاشة ما يسهم بتعاطف آني، يوشك أن يوغل – في حالات معينة- في ثبات المهاجرين في موقع الضحية، الأمر الذي يجعلهم دوماً مادة دسمة للنقل والتناقل والتماهي دون أن يتغير شيء على أرض الواقع. على غرار عمله في نمط المحاكمات وفي بعض عروضه المسرحية، ارتأى راو أن يعيد تمحور قضية الهجرة واللجوء ناقلاً إياها من مرحلة تمثيل  الذات إلى مرحلة إعادة التمثيل والتماثل، فاشتباك فعلي وعملاني مع الحياة."

المهاجرين في مشاهد من حياة المسيح وفقاً لما ورد في إنجيل متّى

سيتم كل هذا عبر الاستعانة هذه المرّة ببعض المشاهد من حياة المسيح وفقاً لما ورد في إنجيل متى.

 بعيداً عن تكرار مقولة إن "المسيح كان مهاجراً" التي أطلقها البابا فرانسيس عام 2016، دأب راو من خلال شراكة مُحكمة ومعمّقة مع المهاجرين أن يضع تحديات وآلام المهاجر في تقاطع فعلي مع قدسية معاناة المسيح وصلبه. إيفان إذن هو السيد المسيح الذي نراه في مشاهد متعددة تمّ اختيارها من إنجيل متى بعناية، وهي محكومة بما يخدم قضية المهاجرين اليوم دون أن يؤدي هذا الأمر إلى تقديس آخر لصورة إيفان أو المسيح.

ثمة إشارة في الوثائقي إلى علاقة جدلية ومرتبكة مع فكرة التقديس بحد ذاتها. في إحدى المشاهد يروي أحد المهاجرين عدم رضاه عن أداء إيفان الذي يقول الشيء وينفذ ما يخالفه في اليوم الآخر، الأمر الذي يضعه كمهاجرٍ في مواقف سخيفة وغير معلومة النتائج. يتماشى هذا المُعطى بشكل عام مع أدوات راو – إذا ما صحّ القول- التي تندرج إحداها تحت خانة المساءلة: مساءلة نفسه أو مجريات الحكاية أو حتى مساءلة دور المسرح أو السينما. إذ لا يحصر الأخير دور الأفراد الذين يتعاون معهم بكونهم شخصيات وجب أن تكون ممثلة على الخشبة أو أمام الشاشة. هو يبني مع شركائه – وهنا أعني أصحاب القضية كإيفان - لموضوعات سياسية يتخطى وجودها وجود منتجه الفني. وهذا ما يفسّر على سبيل المثال، اختياره لمشهد مريم، المرأة التي تمسد رأس المسيح بالزيت (كما ورد في إنجيل يوحنا 12)، بين كل حكايا المسيح المتداولة. في هذا المشهد، نرى إيفان مجسِّداً شخصية المسيح، مستمتعاً بشدة بيدي المرأة على رأسه حتى يقول له سمعان، أحد الرسل الذي كان متواجداً، إن في هذا الأمر إسراف، وأن الفقراء أحق بهذا الزيت. ثم أتت الجملة التي كان وقعها كوقع الصاعقة في سياق الفيلم: "لماذا تدين هذه المرأة... الفقراء ستجدونهم دائماً أما أنا فلن تجدونني بعد حين".

"المسيح أقرب أن يكون ماركسياً اليوم" فكيف نقرأ تجربة المهاجرين في قصصه؟

ليس في هذا المشهد إدانةً للمسيح بقدر ما هو إدانة لمنظومة اقتصادية شاملة مع محاولة واعية لبناء علاقة جدلية مع قدسية صورة المسيح أو المنقذ الذي يمثلّه إيفان. في النقاش الذي تلا عرض الوثائقي، ذكر كل من راو وإيفان أن المسيح أقرب أن يكون ماركسياً اليوم، وأشار راو أننا بحاجة أن نخلق مسيحاً عالمياً غير محصور ببشرة أو بجنسية كما انتقد بشدة النظام الرأسمالي.

داخل وخارج زمن "الإنجيل الجديد"

هكذا تقاطعت مشاهد حيوات المهاجرين مع مشاهد إعادة تمثيل حياة المسيح. في أحيان كثيرة تداخلت فيما بينها، بحيث نرى إيفان وأصدقائه يتظاهرون لصالح حقوق المزارعين مرتدين لباس المسيح ورسله، وعلى العكس في المشهد الأخير، نرى الجمهور يشاهد صلب المسيح، ويسأل يهوذا: ألست صديق المسيح؟ هذه المساحة المجازية المشتركة بين زمن المسيح المتخيل وزمن المهاجرين الآني، تحيل إلى طرح إشكاليات عاصية عن الزمن وهاربة من التاريخ.

الحقيقة ليست أحادية الجانب، ولأجل ذلك يتحدث راو عن تمثيل الحقيقة عوضاً عن الحقيقة بحد ذاتها

خط آخر من خطوط الوثائقي يتمثل باستحضار فنانين عملوا في فيلمي غيبسون وبازوليني وتصوير عملية التحضير لتصوير الفيلم. إنريكي إيرازوكي هو الممثل الذين لعب دور المسيح في فيلم بازوليني عام 1964. سنراه هنا، يمرّن إيفان على مشاهده، كما سيكون بين مشاهدين كثر حضروا مشهد تعذيب وصلب المسيح. ثمّة تقاطع ما في فيلم راو مع بازوليني، الذي رغم كل الانتقادات التي طاولت فيلمه، "أراد أن يجسد المسيح في زمانه مع ألفي عام من الحكايات التي تناولته من بعده". تلقف راو في معالجته هذه الجملة وذهب بها إلى أقصى أبعادها.

ثمة استخدام مكثّف لعملية التداخل بين المساحة التخيّل ومساحة الزمنية الواقعية لتصوير الفيلم، بحيث يتمّ التركيز على عملية المشاهدة. إنريكي إيرازوكي ورجل الدين الذي أشاد بإيفان في المشاهد الأخيرة للفيلم، كانا بين كثر حضروا عملية التصوير واتسمّت وجوههم بامتعاض كبير للعنف الذي شاهدوه للتو. الكل يعرف أن المشهد مفتعل وسينمائي ولكن الإحساس بالذنب كان طاغياً. يذكر هذا الأمر بما ورد في منشورات راو (وكما ذكر الباحث في الشأن الثقافي عمار المأمون في إحدى كتاباته) مع رؤية الأخير للواقعية ما بعد الحداثية للمسرح التي تهدف إلى "جعل المشاهد نفسه يشعر بأنه مذنب، خصوصاً أن ما يراه من "إعادة تمثيل" واقعي، وقد شهده مسبقاً ولم يتصرف.  

تتبدى فسحة الأمل الكبرى خارج مساحة العمل الفني. إذ لا يقف عمل الثنائي إيفان وراو عند حدود تصوير فيلم. فكرة الوثائقي تجاورت بسلسلة تحرّكات فعلية كانت ناجعة لصالح المهاجرين المزارعين: كان هنالك تظاهرات، وتمّ توقيع عريضة الكرامة، كما تمّ تشكيل من خلال الفيلم شبكة أوروبية وأميركية تؤمن تبادل تجاري عادل بين العامل الزراعي والمنتج والمستهلك. أما عن عملية عرض الفيلم، فتمّ اختيار ما يزيد عن مئة صالة سينما وقنوات توزيع مستقلة بحيث يعود جزء من عائدات الفيلم إلى عدد من الصالات التي تعاني اليوم بسبب الجائحة. 

بسبب هذه المساعي الحثيثة لإيفان سانييه، وهو أيضاً مؤسس لجمعة كاب، هنالك ما يوازي مئتي مهاجر حصلوا على أوراق، كثيرون أيضاً أصبحوا يتمتعون بسكنٍ لائق عبر بيت الكرامة وأمور كثيرة أخرى لن يتسع لها هذا المقال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard