بلاد العرب الحرّة... كتيبة عربية قاتلت الإنجليز تحت راية النازية

الأربعاء 19 مايو 202110:29 ص

فور انتهاء معارك الحرب العالمية الأولى، وانقشاع غبار ساحات الوغي، كان على منطقة الشرق الأوسط أن تستعدّ لمستقبلها الجديد الذي سيحدّده الفائزون في معارك الحديد والنار، والتي منحهم فوزهم بها صكَّ إعادة تشكيل العالم من جديد، وفقاً للهوَى الأوروبي.

بطبيعة الحال، أطيح ببقايا أي نفوذ للإمبراطورية الألمانية المنهزمة من الشرق الأوسط، وتحديداً من العراق، الذي لطالما أبدت ألمانيا اهتماماً به وبنفطه الوفير، في فترة لم يكن فيها البترول قد اكتشف في أغلب بلاد الخليج، وهو ما يفسِّر الرغبة المحمومة في إنشاء خط سكة حديد "بغداد - برلين"، كأحد أشكال توطيد التعاون بين الإمبراطوريتين الألمانية والعثمانية التي كانت تبسط سيطرتها على العراق.

وفقاً لاتفاقية "سايس بيكو"، تم تقسيم المنطقة بين الدولتين الكبيرتين، فرنسا وإنجلترا، وعرف الشرق الأوسط ترسيماً حدودياً دقيقاً لأول مرة، بعد سنواتٍ عاشت فيها جميع الدول باعتبارها ولايات كبيرة ضمن الجسد الأكبر لدولة الإسلام الكبرى، وهي الدولة العثمانية التي خرجت من الحرب ميتاً ينتظر إعلان وفاته، وهو ما جرى بالفعل على أيدي الحركة الكمالية الأتاتوركية عام 1924م.

الجيش العراقي الألماني

بقوة نظام "الانتداب" حكمت بريطانيا العراق ومصر والسودان، فيما أطلقت يد فرنسا في الشام وشمال المغرب، بعدما اعتبرت عصبة الأمم (الشكل الأول للأمم المتحدة)، أن شعوب هذه المناطق عاجزة عن إدارة نفسها بنفسها.

لهذا أوكلت إدارتها إلى البريطانيين والفرنسيين من منطلق أن "سعادة وتقدم هذه الشعوب ما هو إلا أمانة مقدسة في عنق المدنية، وأن ضمانات القيام بهذه الأمانة واجب في عنق الدول الكبرى"، حسبما أكد بيان عصبة الأمم الذي أقرَّ نظام الانتداب حينها. وبموجب هذه "الأمانة المقدسة" مارست الدول الكبرى احتلالاً مكتمل الأركان للدول العربية، وعيّنت مندوباً سامياً فاقت صلاحياته حكّام هذه الدول بملوكها ووزرائها، واستمرَّ هذا الحال حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

هتلر، أنتَ الأمل

حكم الفرنسيون والإنجليز بلاد المشرق وكأنهم لن يخرجوا منها أبداً، سريعاً تبدّدت الوعود بمساعدة الشعوب المغلوبة على الانتصار، ونصّب الأغراب أنفسهم ملّاكاً جدداً للأرض العربية، وهو ما أثار حفيظة الشعوب التي لم تتوقف عن الحلم بالعودة لحكم أنفسها بأنفسها من جديد.

اعتمد عدد من السياسيين العرب على معادلة بسيطة في مساعيهم لتحرير بلادهم من نير القبضة الأنجلو-فرنسية، خلاصتها أنّ الأمل الوحيد في التخلص من المحتلين هو الاتكاء على ألمانيا ومخلّصها الأكبر هتلر

شكّل وجود القوى الأجنبية في حد ذاته أكبر حافز لنمو الشعور القومي في بلاد المشرق، والتي كانت تمرّ بتحديات الفقر والجهل والضعف العسكري، ما جعل الخلاص من شبح الانتداب أشبه بمحاولة صيد عنقاء. هانَ شأن العرب في عيون الأمم العظمى، فبقيت مصائرهم رهن اجتماعات قوى الغرب في فنادق أوروبا الكبرى.

بقي الحال مجمّداً على ما هو عليه، رغم المكاسب النسبية التي حققتها الحركات القومية في مصر والعراق، والتي ظفرت لحكّامها بقسطٍ من الصلاحيات، إلا أنها كلها بقيت رهينة الفلك البريطاني والفرنسي، وبقيت كلمة "المندوب السامي" تعلو أي كلمة أخرى حتى لو كانت صادرة عن ملك البلاد نفسه.

وهو الوضع الجامد الذي أصابته حالة من السيولة مع قرب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وعودة بزوغ ألمانيا الهتلرية إلى الساحة العالمية، كقوة عظمى يمكن الركون إليها لإزاحة القوى الأخرى، بعدما حققت سلسلة انتصارات سريعة أكدت عدم مناعة الإنجليز والفرنسيين، وأنهما قابلان للقهر كأي قوة أخرى.

اعتمد عددٌ من السياسيين العرب على معادلة بسيطة في مساعيهم لتحرير بلادهم من القبضة الأنجلو-فرنسية، تمثلت في الآتي: نحن نعيش أضعف حالاتنا، لا نملك جيشاً يحمينا ولا شرطة تدرأ عنّا شر البنادق الأوروبية + الألمان في طريقهم ليكونوا أقوى جيش عسكري في العالم + علاقة العداء بين ألمانيا وبين فرنسا وإنجلترا بادية الوضوح = أملنا الوحيد في التخلص من المحتلين هو الاتكاء على ألمانيا ومخلّصها الأكبر هتلر.

لذا يجب أن نصفّق له بكل ما يمكننا وندعو له بكل توفيق، وهو ما تجلّى في النداء الشعبي الشهير الذي رفعته المظاهرات المصرية، حين صرخت في وجوه الإنجليز: "إلى الأمام يا روميل (قائد عسكري ألماني حاول احتلال مصر)".

بداية من العام 1938م، عاش العالم أوضاعاً استثنائية بعدما تمكن هتلر من ضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا إلى أراضيه، وهو الإجراء الذي لم يثر رد فعلٍ كبير لدى دول أوروبا الكبرى، ما حمّس العرب على العمل سريعاً للانضمام إلى القطار الألماني، وهو ما تجلّى بطبيعة الحال في العراق الذي كان أكثر الدول العربية تمتعاً باستقلال ذاتي نسبي في أغلب شؤون الحكم التنفيذية.

وفي نوفمبر 1938م، قدّم حكمت سليمان، رئيس وزراء العراق الأسبق، خطة إلى الدكتور جروبا، رجل ألمانيا الأول في بغداد والعالم العربي، للقيام بانقلابٍ موالٍ لألمانيا وتركيا في العراق، وهي الخطة التي لم تسر حتى نهايتها، لكنها أشارت إلى قرب عودة ألمانيا كلاعب رئيسي في المنطقة العربية، وهو الدور الذي استمرّ في النمو حتى أصبح نفوذ القنصل الألماني في العراق لا يقل عن نظيره الإنجليزي، رغم تمركز الدبابات البريطانية في بلاد الرافدين.

تطوّر دعم الحسيني، أبرز رجل دين في العالم الإسلامي، للألمان من مجرد الخطابة والهتافات إلى السعي لتعزيز الجيش النازي بوحدات قتال عربية، تساهم في المعارك التي تخوضها قوات المحور شرقاً وغرباً

لم يستطع العراق احتمال هذا التنازع طويلاً، بعدما انقسم سياسيوه وضباط جيشه ما بين مؤيدٍ للإنجليز أو للألمان، وهو التناحر الذي بلغ ذروته حين انفجر الموقف بإعلان رئيس الوزراء العراقي، رشيد عالي الكيلاني، ثورة على الإنجليز وعلى رجالهم، وأبرزهم عبد الإله بن علي الهاشمي، الذي تولّى الوصاية على العرش لحين بلوغ الملك فيصل الثاني بن غازي السن القانونية لتولّي عرش العراق، وهي الثورة التي أدّت وقوع مصادمات عنيفة بين الجيشين العراقي والإنجليزي.

تأخر فيها الألمان عن نصرة حلفائهم، فانتصرت القوات الإنجليزية وأعادت الوصي على العرش إلى منصبه، في الوقت الذي فرَّ فيها من البلاد أبرز القياديين العراقيين المؤيدين لهتلر إلى ألمانيا، وعلى رأسهم كبار قادة الجيش، والكيلاني ومحمد أمين الحسيني، مفتي القدس، والمطارد من قِبَل الإنجليز بسبب مقاومته العنيفة لقراراتها الرامية لتوطين اليهود في فلسطين.

برلين، قِبلة العرب

بعد فشل ثورة الكيلاني، استضافت برلين الرمزين العربيين الكبيرين؛ رئيس الوزراء رشيد الكيلاني ومفتي القدس وأبرز رجل دين في العالم الإسلامي بأسره، حينها، أمين الحسيني، لينضم الرجلان إلى زمرة السياسيين العرب الذين استوطنوا في برلين، ولحقوا بركاب النازية معتقدين أنها وسيلتهم الوحيدة لتحرير بلادهم.

تمتّع الحسيني بمكانة كبيرة في برلين، وعقد صلات شديدة القوة بأكبر رؤوس النظام النازي، بمن فيهم هتلر، وتناثرت أحاديثه وخطبه التي أيّد فيها القيادة الألمانية بكل حماس، ولم يتوقف عن دعوة الجماهير العربية لنصرتها أينما وجدتها، وفيما بعد تطوّر دعم الحسيني للألمان من مجرد الخطابة والهتافات إلى السعي لتعزيز الجيش النازي بوحدات قتال عربية، تساهم في المعارك التي تخوضها قوات المحور شرقاً وغرباً.

ما أن تقدّم الحسيني بهذا الاقتراح حتى لاقى هوى لدى القيادة الألمانية، التي بدأت بالفعل في نفخ نار العصبيات القومية تحت الرماد في أراضي الأمم المحتلة لتشعل اللهيب في جميع أنحاء الإمبراطورية الإنجليزية مترامية الأطراف، فسعت القوات النازية إلى تشكيل وحدات قتالية "قومية/ وطنية" تقاتل الإنجليز تحت راية الصليب المعقوف، وهو ما جرَى في الهند وكرواتيا والدول الإسكندنافية، ودول أوروبية أخرى كإسبانيا وبلجيكا.

جنود من البوسنة

ذات السيناريو سعت برلين لاستنساخه في التجربة العربية بعد موافقتها على اقتراح الحسيني، وبموجب هذه الموافقة، فتحت ألمانيا أبوابها لاستقبال جنود عرب ضمن صفوف جيوشها، أطلقت عليهم اسم "جيش بلاد العرب الحرة"، واشتهرت في الأدبيات المشرقية أيضاً باسم "الكتيبة العربية الألمانية".

لم يبد أن النازيين أبدوا اقتناعاً كبيراً بالكفاءة القتالية للعرب، فلم يوكلوا لهم أي مهامٍ كبرى واقتصر استخدامهم على الحراسة وتأمين الطرق، وربما كان هذا سبب حالات المعاناة التي عاشها الجنود العرب في المعسكرات الألمانية

الكتيبة العربية

يقول أمين الحسيني في مذكراته: "عندما قامت حركة العراق عام 1941، تقدم عدد من الطلاب العرب في ألمانيا للتطوّع، فلبّت الحكومة الألمانية طلبهم وشرعت في تدريبهم، فلما وصلت برلين طلبت من الألمان توسيع نطاق هذه العملية حتى تنتظم جميع العرب في بلاد المحور، وقد حدث في ذلك الحين أن عدداً من العرب الذين أخذهم الإنجليز ليكونوا عمالاً في اليونان وقعوا أسرى في أيدي الألمان وكان معظمهم من الفلسطينيين.

فاتفقنا مع السلطات الألمانية على إخراجهم جميعاً من معتقلات الأسر وإرسالهم إلى ميادين التدريب العسكري، وكان الألمان قد أنشأوا في اليونان مدرسة حربية، كما أنشأوا ميادين تدريب لتخريج ضباط صف، وأقاموا دورة خاصة في دنهاك لاهاي بهولندا، لتدريب عدد من الشبان العرب على أعمال المغاوير الكوماندوز.

ولما انتهت هذه الدورة وتخرجوا منها، تلتها دورات أخرى في مناطق عديدة للتدريب على أعمال المغاوير وعلى مختلف الأسلحة، تخرج منها عدد كبير من شبان العرب. في معسكرات ألمانيا وإيطاليا، كانوا هم النواة الأولى لتكوين قوات عسكرية عربية في بلاد المحور".

ويكشف لوكاز هيرزوير في كتابه "ألمانيا الهتلرية والمشرق العربي"، أن أمين الحسيني قدّم ذات الاقتراح إلى القائد الإيطالي موسوليني، ولكنه لم يلقَ آذاناً صاغية منه.

في العام 1942م، بحسب لوكاز، بدأت الفرقة بـ130 رجلاً من متطوعين عرب، أغلبهم عراقيون وسوريون وفلسطينيون، استجابوا لنداءات الحسيني للجماهير المشرقية بحمل السلاح تحت الراية البافارية، وحملوا على أكتافهم شعاراً خاصاً بهم كتب عليه اسم فرقتهم بحروف عربية، شأنهم شأن فرقة "النمر" الهندية، فرقة "شارلمان" الفرنسية، فيلق "والون" البلجيكية و"الفرقة الزرقاء" الإسبانية، وغيرها من التكتلات العسكرية القومية التي دشّنها الألمان، وآووا فيها الآلاف من الجنود الأجانب ضمن صفوف جيشه.

ووفقاً لكتاب "بين الصالحين: القصص المفقودة من وصول الهولوكوست الطويل إلى الأراضي العربية" للكاتب الأمريكي روبرت ساتلوف، فإن إنشاء هذه القوة الهجينة نتجت في إطار جهود النازيين الشاملة لإنشاء وحدات قتالية مكوّنة من جنود شرق أوسطيين، وهو ما جرى التمهيد له باجتماعات استراتيجية طويلة جمعت النازيين بكبار القادة العرب في عام 1941م.

ويضيف روبرت أنه بموجب هذا التعاون، جنّد النازيون عدداً من الجنود العرب الذين أجبروا قسراً على الخدمة في الجيشين الفرنسي والإنجليزي، وبالإضافة إليهم، استقبلت الكتيبة العربية عدداً كبيراً من المتطوعين، قدَّر ساتلوف بأن عددهم بلغ 6500 جندي جرى تقسيمهم على 4 كتائب.

تلقت هذه القوات العربية/ الإسلامية دعماً كبيراً من الحسيني، فلم يتوقف عن زيارتها، والصلاة معهم والخطابة فيهم لإقناعهم بأهمية التعاون العربي الألماني، ولم تنقطع نداءاته للجماهير العربية بدعم هذه الكتيبة المناضلة.

أوكل هتلر قيادة تلك الفرقة العربية للقائد العسكري "هيلموت فيلميHellmuth Felmy"، ونصّت مذكرة إنشائها، والتي حملت توقيع رشيد الكيلاني، بأن يخضع الفيلق العربي لقوانين الجيش الألماني، على ألا يتم تقسيم الكتيبة إلى أكثر من جزء، وإنما تقاتل كاملة في جبهات القتال التي تقرّرها القيادة الألمانية في البلاد العربية، سواء في العراق أو سوريا أو فلسطين أو شرقي الأردن.

يقول أنطونيو مونوز في كتابه "المتطوعون في القوات المسلحة الألمانية"، إن الدعاية الألمانية ضخّمت من شأن هذه القوة العربية، وتحديداً في الدعاية الموجّهة إلى البلاد العربية، وأطلقت عليها إذاعة برلين لقب "فرقة الموت".

كان هدف الفرقة الأول هو إصلاح الخطأ الذي وقع فيه هتلر إبان ثورة 1941م، فسعت لغزو العراق وإعادة الكيلاني إلى السلطة وتكون نواة لجيش عراقي جديد موالٍ لألمانيا، وهو المسعى الذي فشل فيه الألمان مجدداً، فنقلت الكتيبة إلى سوريا ومنها إلى اليونان، اعترض الحسيني على هذه الخطوة، وطالب بإرسال الكتيبة العربية إلى مصر لمساعدة قوات المحور في حربها ضد قوات الحلفاء.

عدد من العرب الذين أخذهم الإنجليز ليكونوا عمالاً في اليونان وقعوا أسرى في أيدي الألمان وكان معظمهم من الفلسطينيين

لم يستمع الألمان لنصيحة الحسيني وأرسلوا "جيش بلاد العرب الحرة" إلى عددٍ مختلف من الجبهات في أنحاء العالم، وهو ما كان سبباً في بزوغ أولى المشاكل داخل الكتيبة، فالمتطوعون العرب التحقوا بها من أجل المساهمة في تحرير بلادهم لا خدمة الرايخ النازي في جبهات قتال لا تعنيهم، كروسيا والقوقاز.

يقول ساتلوف إن الفيلق العربي خدم في جبهات القوقاز وتونس واليونان ويوغوسلافيا، وغالباً ما كانت توكل إليه مهمة مواجهة الثوار المحليين من أصحاب الأراضي، الذين يدشنون أعمال مقاومة سرية بحقِّ المحتلين الألمان.

إلا أنه لم يبد أن النازيين أبدوا اقتناعاً كبيراً بالكفاءة القتالية للعرب، فلم يوكلوا لهم أي مهامٍ كبرى واقتصر استخدامهم على الحراسة وتأمين الطرق، وربما كان هذا سبب حالات المعاناة التي عاشها الجنود العرب في المعسكرات الألمانية، فوفقاً للمستشرق الألماني "بيتر هانة Peter Heine".

فإن الجنود العرب عانوا من صعوبات داخل المعسكرات الألمانية، بسبب الاختلاف التام في الثقافات، وفي أحيانٍ كثيرة كان المتطوعين العرب يشعرون بالإهانة بسبب تجاهلهم، هو ما أدّى لحدوث تمرد صغير نفّذه 44 جندياً عربياً ضد قادتهم الألمان، خلال احتدام المعارك على الجبهة السوفيتية.

في النهاية، لم يقدّر لهذه الكتيبة العربية الألمانية أن تحقق أيّاً من أهدافها المنشودة، وذابت في جسم القوات المسلحة الألمانية، ولم تلعب دوراً كبيراً في الساحة العربية، حتى انتهت الحرب بهزيمة ألمانيا، وكان هذا إعلاناً رسمياً بحلِّ هذه الفرقة وانقضاء فعاليتها إلى الأبد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard