النساء سافرات، والرجال ملثمون، والنسب أمومي... عندما حكم الأمازيغ شمال أفريقيا والأندلس

الأربعاء 9 أكتوبر 201911:15 ص

من دعوة إصلاحية استطاعت في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، في فترة قصيرة، أن تضم قبائل صنهاجة كلها، تأسست الدولة المرابطية، وسيطرت من عاصمتها الواقعة في مراكش، على مساحات شاسعة من بلاد المغرب.

نشهد في الحقبة المرابطية علاقة خاصة للمرأة الصنهاجية المرابطية المغربية بالسلطة السياسية، ومشاركة واسعة في الحياة الاجتماعية والأدبية، فضلاً عن دورها الفعّال في ميادين السياسة والنصيحة والحكم.

زينب النفزاوية، دعمت أزواجها في حكمهم

كان العرف السائد منذ فترة مبكرة أن تشارك المرأة المرابطية في العمل السياسي، فقد حضرت في اجتماعات القبيلة، وأدلت برأيها في القرارات الهامة، كما كانت لها السيطرة والنفوذ على شعبها في الكثير من الأحيان، وذلك بحسب ما يذكر الدكتور حسن علي حسن في كتابه "الحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس (عصر المرابطين والموحدين)".

تعّد زينب النفزاوية، أحد أهم النماذج المعبرة عن الدور السياسي الذي لعبته المرأة المرابطية، فزينب التي تزوجت من مجموعة من حكام وملوك المغرب، استأثرت بقدر هائل من النفوذ والسلطة في عهد كل منهم. وقد اجتمعت أقوال العديد من المؤرخين على الإشادة بفضلها، حتى وصفها ابن الأثير في كتابه "الكامل" بقوله "كانت من أحسن النساء".

ورغم عدم إلمامنا بالتاريخ المبكر لزينب النفزاوية، فإن المصادر التاريخية المغربية تحدثنا عن زواجها من أحد الزعماء المحليين لقبيلة أغمات، ولكن بعد فترة من هذا الزواج تزوجت زينب من لقوط المغراوي، أقوى أمراء أغمات في بدايات القرن الخامس الهجري. ومع قيام حركة المرابطين، كُتب فصل جديد في حياة زينب، ذلك أنها ترملت بعد أن قُتل زوجها على يد المرابطين الذين تمكنوا من السيطرة على معظم بلاد المغرب.

ولم يلبث أن تزوجت أمير المرابطين أبو بكر بن عمر اللمتوني، وكانت زينب تشير عليه وتنصحه في أمور الحكم والسلطة، وفي عام 460هـ/ 1068م تقريباً، تبدلت حياة زينب رأساً على عقب، ذلك أن الأخبار قد وصلت إلى أبي بكر بن عمر بأن بلاد الجنوب قد انقلبت عليه ونقضت عهودها معه، فوجد نفسه مرغماً على السفر لتلك البلاد لحل ما بها من مشكلات، وقبل أن يبدأ أبو بكر رحلته، طلّق زوجته، وأشار عليها كذلك بأن تتزوج من ابن عمه يوسف بن تاشفين، بعد أنْ تنقضي مدة عدتها.

وبالفعل، تزوجت زينب من ابن تاشفين، ومارست في عهده نفس الدور السياسي الذي لطالما عهدته في حياة أزواجها السابقين، فبحسب تعبير ابن خلدون في تاريخه، أنه "كان لها رياسة أمره وسلطانه"، وبدعم زوجته زينب، التي ساندته في سياسته وتخطيطه، أسّس يوسف بن تاشفين الدولة المرابطية الكبرى التي استولت على جميع بلاد المغرب والأندلس.

نموذج زينب النفزاوية، لم يكن النموذج الوحيد في الدولة المرابطية، حيث تتحدث المصادر التاريخية عن مجموعة أخرى من النساء اللاتي اشتركن في العمل السياسي، وقمن بتقديم النصائح والاستشارات المهمة للحكام والولاة، ومن أهمهن: حواء بنت تاشفين، ومريم بنت إبراهيم بن تفلويت، وزينب بنت علي بن يوسف.

النسب الأمومي... الظاهرة التي تفرّد بها الأمازيغ

من النقاط الهامة، التي تؤكد على الحضور القوي للمرأة في المجتمع المرابطي، مسألة انتشار النسب الأمومي، إذ نُسب الكثير من الرجال إلى أمهاتهم، بدلاً مما هو شائع في المشرق الإسلامي من النسبة إلى الأب.

من الجدير بالذكر أن تلك المسألة قد أثارت انتباه مجموعة من المؤرخين الذين تناولوا أخبار المرابطين، فعلى سبيل المثال، يذكر شهاب الدين النويري في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" أن "جميع الملثمين ينقادون لأمور نسائهم، ولا يسمون الرجل إلا بأمه، فيقولون: ابن فلانة، ولا يقولون ابن فلان".

كان من بين القادة المرابطين الذين نسبوا إلى أمهاتهم، كل من محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة وابن الصحراوية وبنو غانية، هذا بالإضافة إلى مجموعة من الشعراء والأدباء، من أمثال ابن اللبانة وأبو الحسن ابن القابلة.

في دراستها المعنونة بـ "البيت ذي النسب الأمومي والمرأة الصنهاجية في العصر الوسيط"، تحاول الدكتورة غانية البشير أن تفسر تلك العادة، بما أسمته "الإقامة الخؤولية"، إذ كان من العادات الاجتماعية المعروفة عند قبائل صنهاجة، أن الزوج يقيم عند أقارب زوجته، وكان إذا أراد الرحيل من القبيلة، لا يُسمح له باصطحاب زوجته، وتُطلّق منه زوجته بشكل تلقائي، وبالتالي فقد كان من المتعارف عليه في تلك الحالة أن يُنسب الابن إلى أمه، وأن يشارك أيضاً في إرث خؤولته.

الثقافة الأمازيغية اعتمدت النسب الأمومي، فكان يُقال مثلاً محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة، مما أثار انتباه عدد من المؤرخين، فنرى شهاب الدين النويري يخبرنا أن الأمازيغ "لا يسمون الرجل إلا بأمه، فيقولون: ابن فلانة، ولا يقولون ابن فلان"

حق المرأة الأمازيغية المرابطية في الإرث، وتمتعها بذمة مالية منفصلة، وامتلاكها للعديد من العقارات والمجوهرات، أتاح الفرصة لظهور بعض النساء من ذوات الثراء الفاحش، وبذلك تمتعن باستقلالية وسلطة اجتماعية وقمن بأداوار فعالة في الحياة السياسية للدولة المرابطية

السفور والاختلاط 

من المؤكد أن المرأة المرابطية قد نالت قدراً كبيراً من التقدير المجتمعي، سواء كان هذا التقدير داخل الحيز الأُسَري الضيق، أو في الفضاء المجتمعي الرحب.

على سبيل المثال، يتحدث المؤرخ الموريتاني المختار ولد حامد، في كتابه "موسوعة حياة موريتانيا"، عن الأوضاع المتميزة التي نالتها المرأة المرابطية داخل محيطها الأسري، فيقول: "إن النساء عند عامة أهل القطر، كأنهن لم يخلقن إلا للتبجيل والإكرام والتودد لهن، فلا تكليف عليهن ولا تعنيف، فالمرأة سيدة جميع ما يتعلق بالبيت من متاع وماشية والرجل بمثابة الضيف".

أشار الدكتور كمال السيد أبو مصطفى في كتابه "جوانب من حضارة المغرب الإسلامي"، إلى إحدى النقاط المهمة التي تساعد في فهم المكانة الممتازة التي نالتها المرأة المرابطية، وذلك عندما أثبت حق المرأة في الإرث، وتمتعها بذمة مالية منفصلة، وامتلاكها للعديد من العقارات والمجوهرات، ما أتاح الفرصة لظهور بعض النساء من ذوات الثراء الفاحش، خصوصاً أن الكثير من الروايات التاريخية تثبت أن بعض الآباء قد حبسوا جزءاً معيناً من أملاكهم للإنفاق على بناتهم.

امتلاك النساء لتلك الثروات، أتاح لهن الفرصة للمشاركة بقوة وبفعالية في المجال العام، إذ استخدم بعضهن أموالهن في الأعمال الخيرية وفي طرق البر والإحسان والعطف على الفقراء والمساكين، ما رفع من شأنهن، وزاد من صيتهن وشهرتهن.

مشاركة النساء في الحياة الاجتماعية لم تقتصر على أعمال الخير فحسب، بل تعدت ذلك، إذ ظهرت نماذج نسائية متعددة في شتى مناحي الحياة ومجالاتها، فعلى سبيل المثال، عُرفت أم عمرو ابنة عبد الملك في مجال الطب، واشتهرت نزهون الغرناطية في ميدان الشعر، بينما بزغت الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين في الحقلين، الثقافي والأدبي، في حين ذاع صيت زينب بنت عباد بن سرحان في أروقة التصوف والزهد، وذلك بحسب ما تذكر الباحثة سعاد عبد الله في أطروحتها "المرأة في المغرب والأندلس في عصر المرابطين".

ويذكر الدكتور حسن علي حسن في كتابه سابق الذكر، أن المرأة المرابطية قد تمتعت بقسط وافر من الحرية، حتى أنها قد اختلطت بالرجال في الأماكن العامة والمناسبات المختلفة، بل وتميزت عن غيرها من نساء المغرب الكبير، بسفورها وتركها للحجاب، في ظاهرة غريبة ونادرة في المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard