"كان الحزن في الهواء"... يوم انكسرت عاصمة صحراء فلسطين

الأربعاء 27 يناير 202110:42 ص

تقف البلدة القديمة في مدينة بئر السبع؛ عاصمة الجنوب الفلسطينيّ، والتي غدت اليوم تسكنها أغلبية يهودية، شاهدة على حضور تاريخيّ حافل بالتأثير السياسي وتطور الفعل الحضاري في منطقة النقب الصحراويّة جنوب فلسطين. ونعني بالبلدة القديمة، كما تسمى اليوم، الجزء الأصلي التاريخي من مدينة بئر السبع، التي وصلت قمة أدائها السياسي والثقافي عام 1936. حينها تملّكت مبانيها نخب مختلفة من أطياف المجتمع الفلسطيني. فإلى جانب بدو النقب، السكان الأصليين، سكنت المدينة عائلات فلسطينية مسلمة ومسيحية وموظفون وأدباء حتى نكبة فلسطين واحتلال المدينة بعد معركة دامية مع العصابات الصهيونية، وبالأساس مع فصيل البلماح الإسرائيلي.

يسمى سقوط مدينة بئر السبع في الوعي الجماعي عند كبار السن في النقب بـ"كسرة بير السبع" ، أي اليوم الذي كُسرت فيه مدينة بئر السبع، انطلاقًا من اعتبارها العمود الفقري للبادية، لما مثّلته من رمزية لعرب النقب وارتباطهم بأرضهم. يسمي كبار السن في النقب الأعوام حسب الأحداث التي وقعت فيها، وعند رواية القصص يتوجه عرب النقب لنكبة فلسطين قائلين "يوم ما انكسرت السبع"، أي يوم احتلال المدينة.

حفظ التاريخ بالسرد والشعر

وعن السرد التاريخي للفترة والذي تناقلته الأجيال عبر كبار السن، يقول أستاذ التاريخ والأسير السياسي المحرر أحمد أبو جابر لرصيف22: "لطالما حدّث آباؤنا قصصًا عن الصمود والمعارك مع المحتلين. لقد خاف الأباء من نسيان هذا التاريخ، فنظموا قصائد شعرية كثيرة عن مواجهة الفرسان البدو من الصحراء للعصابات الصهيونية، وعن الحزن الذي حلّ جرّاء تقديم الرجال حياتهم كتضحية"، ويضيف قائلاً: "رافقتنا منذ الصغر قصص الفروسيّة أمام احتلال المدينة بالسلاح المتطور والسلاح البريطاني، وقصص الأطلال والبيوت المهجرة سمعناها من الإباء في كل زيارة للأراضي المهجرة والقرى؛ هنا سكن الشيخ الفلاني وهنا عاشت قبيلة مهجرة، الأرض تشتاق لأهلها.  الكل يعلم ذلك".

"مثّلت مدينة بئر السبع المركز الثقافي وديوان الشيوخ الأكبر ومكان استضافة الوفود والتفاوض، هذه المكانة أخذت بالتحوّل بعد الاحتلال الإسرائيلي ولم تعد كما كانت. تركيا وبريطانيا لم تفعلا ما فعله اليهود. ورغم الظلم الواقع والحضور الأجنبي في الحقبتين، إلا أن التهجير الجماعي وسلب الأرض والمجازر الجماعية كانت سمة واضحة للاحتلال الإسرائيلي"، يقول أبو جابر.

مثّلت مدينة بئر السبع المركز الثقافي وديوان الشيوخ الأكبر ومكان استضافة الوفود والتفاوض، هذه المكانة أخذت بالتحوّل بعد الاحتلال الإسرائيلي ولم تعد كما كانت

سيادة الصحراء

لاقى عرب النقب المعاناة وضيق العيش والاستعمار بنديّة دائمة. لم يهمّهم من يحكم البلاد بالسلاح الثقيل، لكن ما كان فعلاً ذا أهميّة في بادية النقب هو حجم "إمبراطوريتهم". على المستعمر أن يعلم أن الصحراء تتبع لعُرف أهلها، الأرض للعرب والحدود متعارف عليها بالطرق العربية، حتى أنّ تركيا، وعند محاولتها، لم تستطع فرض الطابو على أرض عرب النقب لعدم اعترافهم بالأبعاد السيادية التي اعتقدت بها تركيا. كذلك كانت بريطانيا، التي وصلت إلى الحد الذي اعترفت فيه بالقضاء العشائري البدوي كمنظومة عرفية في حل النزاعات حتى بين عساكرها وعرب النقب، واعترفت بالسيادة العربية على الأرض حتى وصول العصابات الصهيونية إليها ".

الندية كانت شعار عرب النقب. السيادة على الأرض كانت على الدوام طريقة عيشهم. وحتى عند دخول الانجليز الى صحراء سيناء والنقب، لم ينتظر عرب النقب مجيء القوات التركية لطردهم، فتنظم الجيش البدوي الأول انطلاقًا من مدينة بئر السبع حتى تم تنظيف كامل النقب وسيناء من الوجود الإنجليزي.

الكيان الإداري الأول جنوب فلسطين

تأسست المدينة كأول كيان إداري في الجنوب الفلسطيني في العام 1900. وعلى الرغم من محاولة الارشيف التركي ترويج رواية تفيد بأن تأسيس المدينة كان مبادرة عثمانية، إلا أن معظم روايات المؤرخين ومنهم عارف العارف، الذي سكن المدينة، تقول غير ذلك. فقد أشار العارف في كتاب "تاريخ بئر السبع وقبائلها" إلى أن تأسيس أول كيان إداري في النقب جنوب فلسطين كان بمبادرة شيخ شيوخ النقب حمّاد الصوفي، الذي عيّن أميرًا على جنوب فلسطين، على مناطق السبع وغزة وسيناء بأمر من السلطان العثماني عبد الحميد، وهو أيضاً قائد الفرقة السابعة والعشرين في الجيش العثماني. توفي الصوفي (1793-1923) عن عمر فاق الـ120 عاماً. وهو شيخ قبيلة الترابين.

أسس الصوفي الحاضنة والكيان الإداري الأوّل في بادية فلسطين. حارب الانجليز باسم الخلافة العثمانية في العام 1914 حتى طردهم من النقب وسيناء وصولًا إلى قناة السويس المصرية بعد تكوينه للجيش النظامي الوحيد الذي تأسس من قبائل بئر السبع البدوية، وقد كتب التاريخ عدة معارك دامية مع الإنجليز أدارتها قبائل بئر السبع التي شهدت بطولات عديدة فيها. توقفت حملة الصوفي لتحرير الأرض العربية من الاحتلال الإنجليزي، في أعقاب رفض الأتراك مدّ جيش الصوفي بالسلاح لمواجهة المدفعية الإنجليزية في السويس، فتراجع الصوفي وجيش عرب النقب إلى بئر السبع. وأعدمت تركيا اثنين من قيادات جيش الصوفي وهم الشيخ فاعور الوحيدي والشيخ صقر أبو ستة.

"كنا نعلم أن الكل يتعرض للتهجير. لكن حتى بعد تهجيرنا من أرضنا لم نفقد الأمل، لأن مدينة السبع لم تسقط"

كانت خيانة تركيا للصوفي ثقيلة عليه، خوف العثمانيين من تشكّل كيان عربي قوي في صحراء النقب دفعهم لقبول دخول الإنجليز إلى بادية فلسطين وسيناء، حسبما يقول مؤرخون مثل نعيم شقير وماكس فون أوبنهايم، دفعت خيبة الأمل الصوفي للتنازل عن الشيخة والإمارة ولكن لم تتوقف مدينة بئر السبع عن العمل حتى بعد زوال الاحتلال التركي فيها.

سقوط المدينة... سقوط العالم

سقوط المدينة عنى سقوط العالم بالنسبة لعرب النقب، فهي أكبر ما يعرف أهل الصحراء، وسميت بأم الخيام لأنّ أهل البادية رأوا في المدينة التي وجدت في مركز ديرتهم الحصن المنيع وبيت الشيوخ وسقف الصحراء، وفي شهادتها لرصيف22، صورت الحاجة الثمانينية بسمة الصانع سقوط المدينة في أيدي اليهود في الذاكرة على أنها سقوط النقب، فتقول: "دخل اليهود النقب وكنا نسمع عن جرائم في كل مكان، يقال إنهم قتلوا رجالًا في منطقة الترابين أو أعدموا شبانًا من عدة عائلات في يوم واحد. وكان الفرسان يتجمعون ويأخذون سلاحهم وخيلهم ويغادرون للانضمام للمقاومين في غزة أو في شمال النقب. الجميع كان ينتظر دوره ليتم ترحيله. عشائر كاملة طردت من أرضها على أقدامها تلاحقها سيارات اليهود. تم تهجيرنا من وادي الشريعة بهدف إجبارنا على قطع الحدود باتجاه الأردن. وقفت العشائر على الحدود ووضعت خيامها. هنالك من دخل الأردن وهنالك من انتظر أن يخرج اليهود من أرضه ليعود إليها وهناك من رحل إلى أرض عشيرة ثانية".

وتضيف بسمة الصانع: "كنا نعلم أن الكل يتعرض للتهجير. لكن حتى بعد تهجيرنا من أرضنا لم نفقد الأمل، لأن مدينة السبع لم تسقط، كانت لا تزال صامدة ولم نعتقد بأنها ستسقط. المدينة ليست مثل الخيمة، خيامنا نستطيع أن نحملها معنا ونذهب إلى أرض أخرى، فكل الأرض للعرب ولن تضيق علينا. إلا أنّ المدينة منيعة وفيها الكثير من الشيوخ والفرسان، لم نتصور أن اليهود من الممكن أن يحتلوها". وأنهت حديثها قائلة: "جميعنا بكينا عندما وصلنا خبر سقوط المدينة. كان الحزن في الهواء. شعرنا أننا خسرنا ديرتنا وخرج من تبقى من الرجال ليحاربوا من جديد".

"مبنى السرايا تحول إلى محطة الشرطة الأكبر في المدينة بهدف تذويت السيادة النفسية على عرب النقب. حتى شوارع المدينة سُميت بأسماء الضبّاط البريطانيين الذين سلّموها للإسرائيليين"

إسرائيل تهوّد التاريخ

احتوت مدينة بئر السبع على عدة مبان ضخمة لا تزال شاهدة على الحالة الحضارية في قلب الصحراء حتى اليوم، منها مسجد بئر السبع الكبير ومدرسة أبناء الشيوخ ومبنى السرايا التركي والعديد من البيوت والمباني الأخرى. يقدم الشاب مفيد أبو سويلم جولات في البلدة القديمة لبئر السبع معرفاً بتاريخها. يقول أبو سويلم لرصيف22: "تعاني البلدة القديمة اليوم من تهويد المباني القليلة التي لا تزال تحت ملكيّة العرب. إذ تحاول بلدية بئر السبع التضييق عليها بفرض الضرائب ووضع الحواجز أمام ترميمها من قبل الأهل. كما تضع البلدية لافتات تحكي فيها تاريخ المباني للزوار ومعظم ما يكتب فيها خاطئ وكأنها ليست مدينة عربية. هكذا يتم تهويد المباني ومحاولة تزوير وإعادة بناء لتاريخها. ويضيف أبو سويلم: "المسجد التاريخي والوحيد في المدينة تحول إلى متحف ومُنعت الصلاة فيه. كما تقام فيه مهرجانات تذوق للنبيذ سنوياً لاستفزاز مشاعر أهل المنطقة. بيت المؤرخ عارف العارف تحول مكتبًا لشركة روسية تقوم بصرافة الشيكات. مبنى السرايا تحول إلى محطة الشرطة الأكبر في المدينة بهدف تذويت السيادة النفسية على عرب النقب. حتى شوارع المدينة سُميت بأسماء الضبّاط البريطانيين الذين سلّموها للإسرائيليين. ومن بين أكثر الأسماء  المنتشرة هنا هي كلمة يوآف وهو اسم الحملة العسكرية الإسرائيلية التي احتلت المدينة".

ويتابع أبو سويلم: "تتعامل إسرائيل مع الرمزية بجدية كبيرة؛ ترى مؤسسات ضخمة تتسلط على مباني لها قيمة رمزية ومعنوية. تمنع إسرائيل عن بدو النقب طابع الحياة البدوي وتفتتح متاحف لعرض "التراث البدوي" تصور فيه- وفي يافطات الشوارع وأوراق المعلومات- التاريخ على أنّه بدأ عند احتلال فلسطين. حتى بئر النبي إبراهيم وهو معلم أساسي في رواية تاريخ المدينة حيكت حوله رواية إسرائيلية كاملة في محاولة لإعطاء الشرعية للوجود الإسرائيلي في المدينة ".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard