مصر في العاشر من رمضان 1973... زيارة إلى معسكر الأسرى الإسرائيليين

الخميس 22 أبريل 202105:36 م

لا تنتهي الحكايات حول حرب السادس من أكتوبر سنة 1973. فما روي عنها أقل مما لم يرو، ومع تجدد كل ذكرى لها يكون هناك الجديد. ولحرب أكتوبر احتفالان، احتفال في السادس من أكتوبر، وآخر في العاشر من رمضان. حيث توافق التاريخان يوم الحرب. اليوم لن نتكلم عن المعارك وما دار فيها من بطولات، ولكن سيكون الحديث حول معسكر الأسرى الإسرائيلي في مصر، وما حصل فيه وكيف تعاملت القوات المسلحة معهم، حيث كان والدي أحد القائمين على معسكر الأسرى سنة 1973 برتبة رائد. قمت بسؤاله عن المعسكر وعما حصل فيه أثناء الحرب، بالإضافة إلى أنه كتب العديد من المقالات والقصص حول المعسكر نشرت في مجلة الإذاعة والتلفزيون في مصر في أوائل التسعينيات.

كان هنالك مقرّان فرعيّان لمعسكر الأسرى؛ الأول في الجيش الثاني في المنطقة الممتدة من بور سعيد إلى الإسماعيلية، والمقر الثاني في مقر الجيش الثالث من منطقة الفردان وحتى السويس، والمقر الرئيسي في المنطقة المركزية في القاهرة. المعسكر الرئيس كان في منطقة دهشور. ولم يكن الضباط على أي دراية بمكان آخر للمعسكر، حتى أنه في يوم السادس من أكتوبر عند قيام الحرب لم تأتيهم أية أفواج من الأسرى. واكتشفوا في نهاية اليوم أن المعسكر الرئيس مقره في منطقة السجن الحربي، والذي أصبح مكانه ستاد القاهرة الرياضي في حي مدينة نصر الآن. وكان هذا جزءًا من خطة الخداع ضد إسرائيل.

السجن الحربي كان مجهزاً، لأنه في الأساس سجن؛ مجهز بالزنازين وبكل الاحتياجات. لذلك كان نقل الأسرى فيه سهلاً، بالإضافة إلى أن معسكر دهشور تم استخدامه لاستقبال الأسرى المصريين العائدين من الأسر في اتفاقيات تبادل الأسرى.

دفن القتلى له شروط يتم التدريب عليها. فمن المهم أن يتم دفن القتلى سريعاً للحفاظ على الروح المعنوية للجنود، حتى لا يتأثروا بوفاة زملائهم أثناء المعركة

لا يوجد في الجيش ما يسمى بقوة معسكر الأسرى؛ قوة يتم تشكيلها أثناء الحرب من عناصر مختلفة. فهناك أشخاص للحراسات وللاستجوبات. ومن عظمة القوات المسلحة المصرية قيامها بعمل طواقم خدمة اجتماعية لرعاية الأسرى في الأسر، للتعرف على مشاكلهم وحلها، واستقبال الطرود التي تأتيهم، وتسليمها لهم عن طريق الصليب الأحمر. ويعد ذلك من الجوانب الإنسانية لرعاية الأسرى والحفاظ على كرامتهم وعدم إهانتهم.

يتم تجميع القائمين على معسكر الأسرى لحظة القتال، وهم من العناصر غير المقاتلة. هذه العناصر في الجيش يكون لها مهمات أثناء المعركة يتم تدريبهم عليها. فجنود الموسيقى العسكرية ومدربي اللياقة البدنية ليس لهم دور قتالي أثناء المعركة، فيتم إسناد أدوار لهم مثل دفن القتلى في المعركة، ويتم تدريبهم عليها ثم يعودوا لوحداتهم مرة أخرى. دفن القتلى له شروط يتم التدريب عليها. فمن المهم أن يتم دفن القتلى سريعاً للحفاظ على الروح المعنوية للجنود، حتى لا يتأثروا بوفاة زملائهم أثناء المعركة.

ضمن العناصر غير مقاتلة التي تنضم للمعسكر لحظة القتال، هناك ضابط من التعيينات يعتبر مسؤولاً عن طعام الأسرى وغذائهم، وضباط من المخابرات لعمل الاستجوابات، وضباط من المهمات لأجل الملابس واحتياجات الأسرى. هؤلاء العناصر يجتمعون أثناء التدريبات لكي يتعرفوا إلى بعضهم البعض، ويكونوا على دراية بمهامهم سوياً، ويتم تفتيشهم، فالغرض الأساسي من تفتيشهم هو التعرف على المشكلات وحلها وليس فرض العقوبة. وقد تم التدريب على هذه العمليات لمدة خمس سنوات، منتظرين ظهور الرمز بتحويل هذه التدريبات لعمليات حقيقية.

أول فوج وصل للمعسكر الرئيسي في السجن الحربي في القاهرة، كان يوم السادس من أكتوبر في السابعة مساءً دون أن يمر على المناطق الفرعية. يتم في بادئ الأمر، وعند حضور الأسرى، تطهيرهم؛ يتم تجميع ملابسهم وحرقها. ثم يدخلون عربات مجهزة للتطهير، وهي خاصة بتطهير الأسرى من الإشعاعات والكيماويات وكل ما له علاقة بالحرب البيولوجية والجراثيم. بعد ذلك، يتسلم كل منهم ملابسه كملابس العسكري المصري بالضبط. ثم يتم إطعامهم بنفس القدر الذي يأكل منه العسكري المصري.

وبسبب الحالة الهيستيرية التي أصابت الطرف الإسرائيلي بسبب وجود أسرى إسرائيليين، حينما حدثت الثغرة ودخلوا منطقة السويس، قاموا بأسر المدنيين، ولم يجدوا عسكريين. بالنسبة لمن في معسكر الأسرى في مصر، ظلوا يستقبلون أفواج من الأسرى الإسرائيليين حتى وقف إطلاق النار الأول.

الأسرى الإسرائيليون لم يكونوا محبوسين في زنانزين، بل كان يتم إخراجهم في طوابير للمشي تحت الشمس مرتين في اليوم. وفي عيد الفطر، أحضر الضباط كعك العيد من منازلهم وأطعموا الأسرى منه.

كان هناك ضابط اسمه "ناخوم بيرفن"، وهو طبيب، عمل في النقطة 37 الحصينة في السويس، وكان معه عسكري إسرائيلي أصيب برصاصة في كتفه.  وأثناء قيام الطبيب الضابط ناخوم بعلاج الجندي، تم أسرهما. اعتقد الطبيب أن هذا الجندي قد مات لأنه لم يكمل له علاجه. وحين رأى الطبيب هذا العسكري في طابور الشمس، أصابه الذهول لرؤيته وقد عولج وكان سليماً.

الأسرى الإسرائيليون لم يكونوا محبوسين في زنانزين، بل كان يتم إخراجهم في طوابير للمشي تحت الشمس مرتين في اليوم. وفي عيد الفطر، أحضر الضباط كعك العيد من منازلهم وأطعموا الأسرى منه.

من ضمن معتقدات الجيش الإسرائيلي أنه يعتقد أن العرب مجموعة من المتخلفين. لذلك، عندما عرف هذا الطبيب أن العسكري الإسرائيلي لا يزال على قيد الحياة، تم أخذه لزيارة مستشفى القوات المسلحة، لكي يعرف أن هذا العربي المصري متطور أكثر منه. والطبيب ناخوم كان متزوجاً من ممثلة المسرح الأولى في إسرائيل. قامت المخابرات المصرية بجمع المعلومات عنه، فعرفوا عنه كل شيء، وأحضروا له ملابس بالألوان التي كان يفضلها، وكان يفضل اللون البني. وقد اندهش من معرفتهم اللون الذي يحبه. حينها، أخبروه في قيادة المعسكر بكل المعلومات عنه فأصيب بالذهول. وبعدما ارتدى ملابسه وأغموا عينيه وذهبوا به للمستشفى، عاد منبهراً. وقد عرف وقتها أن المصريين ليسوا متخلفين، بل أصحاب علم وحضارة.

من ضمن حكايات معسكر الأسرى،  أسير إسرائيلي أصابته نوبة إنهيار عصبي. وعند الكشف على صحته، عُرف أن عيد ميلاد ابنته أوشك، وكان قد وعدها أن يحتفل به معها. قائد المعسكر كان ضابطاً سودانياً استشهد شقيقه في حرب 1967، وكان توعد الجندي الإسرائيلي بعقاب شديد، كثأر لشقيقه الذي أستشهد في 1967. وتوتر المعسكر كله بسبب تهديد القائد.

في اليوم التالي عرفوا العقاب، والذي كان إحضار مجموعة من العاملين في إذاعة ("كول كاهير"- صوت القاهرة) الناطقة بالعبرية لكي يبعث لابنته بتهنئة عبر الأثير، وكان وقع هذا الفعل عليه عظيماً، فقرر وقتها أنه حين يعود من الأسر سيترك إسرائيل ويعود لوطنه الأصلي في الأرجنتين. فالمصريون والعرب ليسوا همجيين يستحقوا القتل كما علموهم هناك.

ربما كان هذا أهم شيء علّمتهم إياه الحرب ومعاملتهم كأسرى؛ أن يعرف الجنود الإسرائيليون أن مصر دولة عظيمة وقوية وصاحبة حضارة حقيقية، وأنهم لن يحاربوها مرة أخرى، وأن القيادة الإسرائيلية قد خدعتهم بما أخبرتهم عن المصريين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard