"اغتصاب سهر الصايغ"... لماذا البحث المهول عن المشهد الدرامي على غوغل؟

الأحد 18 أبريل 202112:46 م

"اغتصاب سهر الصايغ، سهر الصايغ، مشهد اغتصاب سهر الصايغ، الطاووس، مسلسل الطاووس الحلقة 2...".

هذه الكلمات كانت من بين ما تمّ البحث عنه على محرّك البحث Google بشكل ضخم جداً في الأيام الماضية.

على Google Trends، وردت كلمة "Breakout" إلى جانب أول ثلاث عبارات، وتعني بحسب محرّك البحث أن البحث عن "سهر الصايغ" على سبيل المثال، زاد بنسبة 5000% عن الفترة التي سبقت عرض مسلسل الطاووس الذي بدأ مع شهر رمضان الحالي.

ويحكي المسلسل المصري قصّة فتاة، تجسّد دورها الممثلة المصرية سهر الصايغ، تتعرّض لاغتصاب جماعي، من خلال تخديرها عن طريق مشروب أثناء تواجدها في حفل زفاف، ومن ثم اصطحابها إلى غرفة فندقية، تُغتصب فيها بالتناوب من قبل مجموعة شباب ذوي نفوذ. ويجسّد الممثل السوري جمال سليمان دور المحامي في القضية التي يعتبرها "حرباً". والمسلسل من إخراج رؤوف عبدالعزيز وكتابة كريم الدليل، وأشرف على الكتابة محمد ناير. 

البحث عن "سهر الصايغ" على Google عقب مشهد اغتصابها في مسلسل "الطاووس" زاد بنسبة 5000% عن الفترة التي سبقت عرض العمل... لماذا البحث المهول؟

تتقاطع تفاصيل المسلسل العريضة مع تفاصيل جريمة الفيرمونت التي هزّت مصر العام الماضي، والتي كشف عنها بشكل أساسي حساب "AssaultPolice" أو شرطة الاعتداءات. وهي حادثة فتاة تعرّضت لاغتصاب جماعي موثّق من خلال فيديو مسرّب في 21 شباط/فبراير 2014، في فندق فيرمونت بالقاهرة.

جاء نصّ إعلان الحساب عن الجريمة آنذاك: "تكملةً للجرائم التي نسمع عنها في هذه الفترة من الطبقة الغنية في مصر، السلطوية الذكورية… جريمة الفيرمونت. مجموعة من سبعة شباب ذوي نفوذ كبير، وضعوا مخدّراً لفتاة بمشروبها خلال حفلة، ثم اصطحبوها إلى إحدى غرف الفندق، واغتصبوها بالتناوب، كما صوّروا الاعتداء وهم يتفاخرون به، ثم وقّعوا أسماءهم على مؤخرتها".

كثيرون اعتبروا أن المسلسل يحكي قصة الفيرمونت. ولكن صنّاعه نفوا ذلك. وتناقضاً لتصدّر مشهد الاغتصاب محرّك البحث Google، اعتبر مراقبون على مواقع التواصل الاجتماعي أن المسلسل لا يتناسب مع شهر رمضان وأنه لا بد من إيقافه. هنا علّق جمال سليمان أن هذا أحد الأجزاء القبيحة من مواقع التواصل، مشيراً إلى أن "هذا المسلسل يحكي قضية رأي عام، قضية تهم كل عائلة، قضية السلم الاجتماعي والاستقرار"، ولفت إلى ضرورة المشاهدة والمناقشة بدلاً من المطالبة بالإيقاف. 

وبنفس الطريقة التي يتصدّر فيها مشهد الاغتصاب العبارات الأكثر بحثاً في الوقت الحالي، تصدّرت كلمة "فيرمونت" أكثر الأسماء بحثاً على الموقع الإباحي PornHub العام الماضي، بالتزامن مع انتشار التفاصيل.

"سهولة تحصيل المحتوى الإباحي رفع سقف الاستثارة"

يقودنا هذا إلى مجموعة من التساؤلات، على رأسها: لماذا قد يبحث أي شخص عن مشهد اغتصاب على الإنترنت؟ ولماذا يدرج البعض مشاهد الاغتصاب تحت "الإباحية"؟

من هذا المنطلق كان لنا حوار مع طبيب الأمراض النفسية وعلاج الإدمان المصري علي قرقر. يقول لرصيف22 إن "للأمر شقّين، الأول خاص بتناول العنف والمواد العنيفة المتاحة في الوسائط الإعلامية، وهو الأمر الذي صاحب البشرية بقدم التاريخ، من خلال الإعدامات على مرأى الجمهور والمبارزات حتى الموت في روما على سبيل المثال، وهو ما كان يولّد للبعض شعوراً بالرضى". 

يتابع: "لكن ذلك الفضول البشري لم يختلف مع تطور الأمر، واستمر استهلاك المحتوى العنيف في التلفزيون والسينما وألعاب الفيديو بسبب تلك النزعة الفطرية التي تميل لإشباع رغبة الاستثارة من خلال محتوى عنيف مشابه، وتتضاعف المشكلة مع إضافة الشق الآخر للأمر وهو الشق الجنسي، الأمر المسكوت عنه في الأغلب، إلى جانب ضعف الوعي الذي قد يسمح للبعض بالبحث عن محتوى مثل الاغتصاب باعتباره محتوى جنسياً".

ويعتقد أن سهولة تحصيل المحتوى الإباحي رفع سقف الاستثارة، ليجعل العديد يميلون لاستهلاك المحتوى الجنسي العنيف دون الالتفات للتفاصيل التي تحتاج درجات الوعي القادر على التمييز بين الجنس العنيف والعنف ذي الطابع الجنسي، "وهنا ينبغي القول إن تفضيل الجنس العنيف يختلف عن العنف الجنسي الذي يضع الفرد تحت طائلة اضطرابات الاستثارة الجنسية Paraphilias، والفارق طبعاً يرتكز على الإدراك والموافقة المشتركة". 

"سهولة تحصيل المحتوى الإباحي رفع سقف الاستثارة، ليجعل العديد يميلون لاستهلاك المحتوى الجنسي العنيف دون الالتفات للتفاصيل التي تحتاج درجات الوعي القادر على التمييز بين الجنس العنيف والعنف ذي الطابع الجنسي"

وشدد على أن "صنّاع المحتوى الإباحي وناقليه يجب أن يكونوا تباعاً تحت طائلة المحاسبة، حتى لا يتسبب محتواهم في تعزيز مثل تلك الرغبات المَرَضية المؤذية للفرد والمجتمع، كما أن زيادة الوعي المجتمعي بالأمور المرتبطة بالجنس وممارسته قد تغير من نمط الاستهلاك ذلك". 

وكان الطبيب قد سأل عن البحث على Google عن فظائع داعش مثلاً. هل يبحث الناس عن ذلك؟

الإجابة كانت نعم. من بين ما تمّ البحث عنه في مصر خلال السنوات الخمس الماضية كان: "اغتصاب داعش للإيزيديات" و"تعذيب داعش".



المشاهدة مقابل التصديق/التعاطف؟

تقول لرصيف22، الناشطة الحقوقية المصرية سالي يسري عزيز، إن البعض يبرر البحث عن مشاهد الاغتصاب بأن "الناس لا بدّ من أن تشاهد لكي تصدّق"، وأشارت إلى أن "في حادثة الفيرمونت على سبيل المثال، هناك من بحثوا عن الفيديو وعادوا ليرددوا كلاماً على مواقع التواصل من قبيل 'هي أكيد اللي غلطانة'، أو يحدثونا عن قيم الأسرة المصرية".

ولفتت إلى أن نتائج Google لم تكن صادمةً بالنسبة لها، لأن ذلك حدث بالفعل مع حادث جريمة الفيرمونت وما سبقها من حوادث تحرّش/اغتصاب جماعية، مضيفة أنها شخصياً ضد عرض مشاهد العنف بشكل عام ولكنها "لا تعلم فنياً كم سيؤثر هذا على أي عمل". 

وتقول إنه برغم نفي ربط المسلسل بجريمة الفيرمونت إلا أن الاقتباس واضح. وعلى هذا تعلّق: "أنا ضد، بشكل واضح وصريح، عمل مسلسل من قضية لا تزال مفتوحة، دون مراعاة مشاعر الضحية/الناجية. وضد فكرة أن الجمهور يجب أن يشاهد لكي يصدّق ويتعاطف، لأن هذا يرسخ ثقافة عدم تصديق الناجية/الضحية ولو سلمنا بهذا المعتقد، فكل سيدة/فتاة عليها أن تمشي بكاميرا سرّية في حال تعرضت لأي إيذاء في أي وقت".

وختمت: "من حق الناس أن تنزعج من مشاهد عنيفة، فيها اغتصاب ومجازر ودم وغيره، لكن إن كان اعتراض هؤلاء من جانب ديني أو لأننا في شهر رمضان، فمن الأولى منع حدوث هذه الجرائم في رمضان، أو منع تحرّش مَن مثل رامز جلال بأحد ضيوفه، حيث يكون التحرّش تحت بند المزاح، أو منع ممثلة من قول 'ياريت تتحرّش بيا' في أحد أعمالها، إلخ". (ظهرت ياسمين رئيس، في مسلسل "ملوك الجدعنة" الذي يعرض حالياً، وهي تقول العبارة).

"صورة نمطية لمشهد اغتصاب"

أما الشابة المصرية سيمون سمير، فتقول لرصيف22 كمتابِعة، إنها حين شاهدت مشهد الممثلة المصرية سهر الصايغ، رأت نفس الصورة النمطية لمشاهد الاغتصاب: رجال بنظرات وأفعال شهوانية، وضحية استيقظت بشكل جميل، ولا يوجد آثار لأفعال عنف على جسدها أو وجهها، وهو ما جعلها تقول: "المشهد صوّر الاغتصاب على أنه فعل إيروتيكي وليس فعلاً مؤلماً". 

"المشهد صوّر الاغتصاب على أنه فعل إيروتيكي وليس فعلاً مؤلماً".

تتابع: "هذا بعكس فيلم Irréversible للمخرج Gaspar Noé، بطولة مونيكا بيلوتشي، حيث تجسدت في مشهد الاغتصاب فيه كل أحاسيس الخوف التي من الممكن أن يشعر بها إنسان حياته في خطر، خصوصاً شعور أنثى يتعرض جسدها للانتهاك بشكل قسري. كل ثانية في المشهد مرّت وكأنها سنة بسبب الألم والإهانة التي شهدتها الضحية إلى جانب آثار الضرب على وجهها، وانتهى بإصابتها بغيبوبة. خرجت من الفيلم وأنا أشعر بتروما وكأنّي من تعرضت للاغتصاب، وبقي المشهد عالقاً معي كلما مشيت وحدي في مناطق مظلمة أو خالية من الناس، وبشكل لا إرادي كنت أتجنب المشي فيها". 

تتابع: "إن كان صنّاع الأعمال مهتمين بتصوير الاغتصاب كجريمة مثله مثل القتل أو مشاهد الشجارات الدموية، كان من الممكن أن يساهم هذا بشكل كبير في التوعية بأن الاغتصاب قاتل، وأنه ليس فعلاً تستسلم فيه الأنثى مثل الأفلام الإباحية، وأن ليس كل حالات الاغتصاب تتم من خلال التخدير، مثلما يصورونه عادةً". 

وتلفت سيمون إلى أن الفيلم انتهى بمشهد جنسي يجمع البطلة بزوجها، وهنا يظهر فرق واضح بين الجنس بالتراضي، المثير والجميل، وبين جريمة الاغتصاب التي تعرضت لها في منتصف الفيلم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard