خلال عام 2020 عرفتْ صديقتي أن حبيبها السابق اغتصبها

الاثنين 7 ديسمبر 202002:07 م


"إذا التقيت مارسيل خليفة فسأخبره أن موسيقاه لم تفلح في تهذيب أخلاق ذلك الرجل، حتى أن أول تجربة جنسية لي كانت معه عبارة عن اغتصاب وقح ممزوج بالغدر"، تقول صديقتي العشرينية (لن أذكر اسمها احتراماً لخصوصيتها وحساسية الموقف).

مرت سنوات عديدة وأنا أحاول ثنيها عن تذكر تلك الواقعة، لكن لا فائدة، ففي كل خريف، ذلك الفصل المناسب تماماً ليتقلب الجو والمشاعر الإنسانية ومع كل موجة من نشر شهادات التحرش من جديد في مصر، تتذكر صديقتي ما حدث معها تلك الليلة، وتنتظر أن يكون اسمه موضوعاً بجانب مجرمي التحرش والاعتداءات الجنسية في المؤسسات الإعلامية التي فُضحوا فيها عبر شهادات نساء وضحايا عديدات، وفي كل مرة تستمع إلى موسيقى مارسيل خليفة، تعاد ذكريات تلك الليلة بتفاصيلها لتجلب معها أوجاعاً كثيرة نفس-جسدية.

قبل عدة أعوام اتخذت صديقتي من زميلها في إحدى المؤسسات الصحافية التي تقع في قلب القاهرة النابض بالحيوية، بعدما توسمت فيه النضج والوقار، أخاً أكبر أو صديقاً، وسرعان ما استغل تلك الصداقة ليأخذها في إطار أكبر ومتطور، كانت تحسبه ناضجاً لكن المراهقة لا تعرف سناً محددة، رأت به تعويضاً عن علاقة سامة سابقة، "ربما يكون مخلصاً وجاداً وصادقاً، عكس السابقين"، هكذا حدّثت نفسها، انجذبت بسهولة للباقته، إذ يجيد رسم نفسه كشخص واثق من ذاته ترتمي الفتيات عليه لا هو من يجذبهن، يعرف مفاتيح النساء ويتأنى في تقربه منهن رويداً رويداً، فكن يتجردن مما يؤمن به ومن ملابسهن أيضاً، وصديقتي كانت إحدى ضحاياه، تقول: "كان يقول لي دوماً، لا بد أن تثقي بي لأني شخص غير مؤذٍ".

يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر كانت تثق به بشكل أكبر، وفي كل مرة يتحدثان فيها كانت صديقتي تستجيب لجرأته في الحديث، إذ كان دائم التأكيد على حبه وعدم إيذائه لها.

تبادلا القبلات التي أشعرتها بالأمان، كانت أول مرة تتذوق شفتي رجل وتدع أحدهم يرى جسدها ويلمسه عن قرب، وخلالها كانت تقلد الأفلام والمسلسلات في ممارسة التقبيل والاحتضان بميكانيكية تجهزت لها سابقاً لترضيه

مرت أشهر عديدة من الإلحاح والابتزاز العاطفي ومحاولاته الظفر بجسدها، تقول صديقتي ساخرة: "كان حديثه يشبه أحاديث الشباب التي نقول عنها بأنها اسطوانات معتادة ومكررة، لكني اقتنعت بها وصدّقتها. كان يقول إن الجنس أحد الأدلة على كمال الحب والعشق واتصال الروحين وإنه لا يؤمن بالحب الأفلاطوني الذي هو فكرة عبثية ووقحة"، هكذا حاول إقناعها مراراً ولقلة خبرتها في أساليب الرجال ولثقتها الشديدة به، إذ لم تسمع عنه خبراً واحداً سيئاً من قبل، وافقت صديقتي تحت ابتزازه العاطفي على تجربة جنسية معه آملة في زواج قريب منه حينما يلمس شغفها الحقيقي ناحيته ويتأكد من صدق مشاعرها وثقتها العمياء به.

قبل اللقاء الأول، أكدت عليه شرطها "أنت أول رجل يلمسني، أنا عذراء وأريد أن أبقى كذلك، لن تمس نصفي السفلي".

كان يردد جملاً وتعابير عدة، وكانت كلمة "الثقة" بطلاً أساسياً في حديثه، يدفعها للإجابة عن جميعها بـ"نعم أثق بك" لترتاح من هذا الإلحاح الجنسي باعتبار أن التجربة الجنسية معه باب سيفتح لها الدنيا على مصراعيها، كأنه يقدم معروفاً لها حينما يقترب منها لكن خوفها جعلها تضع ذلك الشرط الذي وافق عليه، فقط قبلات وعناق لترضي خياله الجنسي وتسمح بمساحة داخلها من عدم الثقة من جديته في الزواج بها، لكنها لم تدرك آنذاك أنها ضحية علاقة سامة يتم التلاعب بها داخلها وإذا همت بالخروج تدخلها مرة أخرى. 

اختارت ما يحب سماعه من موسيقى، كانت تعرف أنه يحب زياد الرحباني ومارسيل خليفة. أشعلت إضاءة خافتة ونثرت الورود استقبالاً له، تعطرت وتزينت جيداً كما لو أنها عروس ترتدي الأبيض، وحينما التقيا أدارت قائمة قصيرة موسيقاه المحببة.

بعد عناق دافئ وقبلة حارة، قبل إلقاء السلام، وكسادي مخضرم طلب منها أن تنزع عنه حذاءه، ثم استلقى بجانبها على السرير، تبادلا القبلات التي أشعرتها بالأمان، كانت أول مرة تتذوق شفتي رجل وتدع أحدهم يرى جسدها ويلمسه عن قرب، كانت قبلة بطعم التبغ، وخلالها كانت تقلد الأفلام والمسلسلات في ممارسة التقبيل والاحتضان بميكانيكية تجهزت لها سابقاً لترضيه، وهو ما يفعله الطرف الجاني في العلاقة المؤذية، إذ يجعل ضحيته تفعل ذلك تحت إلحاح وضغط وابتزاز نفسي وعصبي كالتهديد بالخصام أو البعد أو إنهاء العلاقة أو بأفعال مؤذية نفسية وجسدية أخرى، إلى أن تقبل ما يرغب به.

"أحمر فوق الخنادق، أخضر فوق الصنوبر، أزرق فوق الزمان"... عند تلك الجملة بدأ يتحسس جسدها، وفجأة وبدون مقدمات وأثناء لحظة صمت تخللتها مقطوعة "الذكريات" لمارسيل خليفة، وتماماً عند النقطة التي يشتد فيها صوت الناي الذي تحول من مصدر بهجة بالمقطوعة إلى حزن، قرر حبيبها أن يباعد بين ساقيها ويضع إصبعه بين فخديْها، صرخت متفاجئة، كأنها تصرخ لأول وآخر مرة، وتدفق الدم إلى عروق وجهها. ولصدفة كونية أو إلكترونية لا تعلم بالضبط، انقطع شحن الكمبيوتر فتوقفت الموسيقى وقامت صديقتي غير مدركة لما حدث.

فجأة وبدون مقدمات وأثناء لحظة صمت تخللتها مقطوعة "الذكريات" لمارسيل خليفة، وتماماً عند النقطة التي يشتد فيها صوت الناي الذي تحول من مصدر بهجة بالمقطوعة إلى حزن، قرر حبيبها أن يباعد بين ساقيها ويضع إصبعه بين فخديْها

قامت إلى الحمام متوجعة تغتسل لتفاجأ بعد دقائق أنه ارتدى ملابسه وهمّ بالخروج معتذراً ومتحججاً بحاجته إلى الراحة، عادت إلى سريرها لتجد خيطاً وردياً على طرف الملاءة وبمنتصفها وبنهاية الغطاء، وقد شكّت أن يكون ذلك الخيط ناتجاً عن الجرح بين رجليها. كشفت عن جسدها أمام المرآة لتجده سليماً معافى، لكن المنطقة بين ساقيها، كانت تئن وجعاً، جلبت منديلاً، وضعته بها ورفعته إلى ناظريها لتجد بقايا من خط الدم الوردي اللزج موجوداً رغم استحمامها.

لم نكن نعلم لا أنا ولا هي ولا المعالجة النفسية التي لجأت إليها آنذاك أن ما حدث معها كان اغتصاباً، بل ظنناه جميعاً أنها علاقة سامة تضمنت غدراً وقحاً للثقة التي منحته إياها، إذ التقت بمحض إرادتها رجلاً ظنت أنه ناضج ومصدر للأمان يتمتع بحب الجميع وثقة المحيطين به.

لكن في العام 2020 تأكدت أن ما حدث تلك الليلة كان اغتصاباً دُفعت إليه دفعاً، إنه نوع من الاغتصاب سيصعب علينا في مصر وخارجها، التحدث عنه، ألا وهو "اغتصاب الشريك"، فالمجتمع لا يقبل حتى بمفهوم الاغتصاب الزوجي بين المتزوجين والموافقة الحرة التي منبعها الإرادة الكاملة، بالتالي لن يقبل بمفهوم الاغتصاب نتيجة الضغط والابتزاز وعلاقة لم تتم بتوافق كامل.

وطوال هذه السنوات كانت تلك الذكرى الأكثر حضوراً بكوابيسها تتكرر بنفس الألم الجسدي والنفسي. ومع كل قصة اغتصاب تسمع عنها أو تقرأها، ينقبض قلبها ويقشعر بدنها خاصة حينما ترى حبيبها السابق مثاراً لإعجاب الناس يباشر حياته بأريحية، بخلاف تلقيها للعلاج النفسي على مدار سنوات.

"من الظلم أن أتعذب طوال تلك السنوات وبداخلي نار تستطيع حرق مدينة بأكملها بينما هو يكمل عبثه ولهوه وحياته تسير بطبيعية"، تقول وهي تختنق أثناء الحديث عنه وتبكي في كل مرة لا إرادياً حينما تستمع إلى موسيقى مارسيل خليفة التي لم تفلح في تهذيب أخلاق ذلك المغتصب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard