أحلام اليقظة... وسيلتنا لدفع العالم نحو الخلاص

الاثنين 19 أبريل 202104:12 م

يقول "أنتوني روبنز" في كتابه "خطوات عظيمة": "أي حدث هام، وأي انجاز في حياتنا لا بد أن يكون حلماً في البداية". أكتب تلك المقولة بينما صوت منير ينبعث من جهازي مردداً: "إفتح شبابيك الحلم.. إفتح طريق لبكرة.. وأي شيء بقى علم.. في الأصل كان فكرة". تتشابك المعرفة العلمية بالفنون فتقدم لنا رؤية للحلم وعلاقته بتغيير العالم. والمقصود بالحلم هنا أحلام اليقظة؛ والتي عرفها عالم النفس فرويد بأنها مجموع من الأهداف والرغبات الإنسانية المكبوتة داخل عقل الإنسان. وهي الحالة التي يُدخل فيها الإنسان نفسه لإشباع كل الرغبات وتحقيق الأهداف التي قُمعت في الحاضر أو في مرحلة الماضي، إنها الحالة التي تقع بين النوم والاستيقاظ.

لذلك، وحسب تعريف فرويد السابق، فإنها تختلف عن أحلام النوم في كون الأخيرة تتم بطريقة لا إرادية وغير واعية. بعكس أحلام اليقظة التي ندخل فيها بإرادتنا الحرة، ربما تهرباً من واقع ثقيل أو رغبة منا في حياة قادمة أكثر رحابة وإمتاعاً. وتختلف أحلام اليقظة من مرحلة عمرية لأخرى، ففي فترة الطفولة مثلاً كان لديّ أحلامي الخاصة والتي تشبه إلى حد كبير عوالم الأفلام الكرتونية. كنتُ أسرح في خيالي لساعات، وأنا أتخيل بأنني أطير مثل سوبر مان، وأتخيل الأماكن التي يمكن أن أحوم حولها أو العقاب القاسي الذي سيناله زميلي الذي لا يكف عن مضايقتي. وأذكر كذلك حلمي بامتلاك "مازنجر"؛ ذلك الآلي العظيم، وما يمكن أن أفعله به.

أصبحت أحلام اليقظة وسيلة جيدة لتزكية الوقت، وطريقة فعالة لإضفاء متعة ولون ومذاق خاص لحياة قد تكون كئيبة

أما في فترة المراهقة؛ فترة الهياج الجنسي والرغبة المشتعلة، اختلفت الأحلام لتصبح الوسيلة الأنسب لاستحضار صور أو أحداث أو مشاهد جنسية كمحفز للشهوة أثناء الاستمناء. الآن تحضرني شخصية المنسي، التي جسدها عادل إمام في فيلم يحمل نفس الاسم "المنسي"، تأليف وحيد حامد وإخراج شريف عرفة. تدور أحداث الفيلم حول المنسي الذي يعمل في أحد تحويلات القطارات بمنطقة هي الأخرى منسية، حيث يعاني من الوحدة والكبت الجنسي، فيلجأ إلى أحلام اليقظة ليبدد وحدته ويشبع رغباته.

في عام 1980، أجرى عالم النفس إريك كلينجر دراسات حول الأحلام، استخلص منها أنها غالباً ما تدور حول الأحداث اليومية التي يمر بها الإنسان. وضرب على ذلك عدة أمثلة، منها أن العمال الذين يعانون من الروتين اليومي يلجأون إلى كسر حالة الروتين بأحلام يقظة تفصلهم عن الواقع. وهذا أيضاً ما كان يفعله المنسي، وما كنتُ أفعله كذلك أثناء عملي في ورشة أبي، حيث الواقع الرتيب والممل. وكأنني أصبحت آلة تمارس عملها بلا حياة تُذكر. كان لا بد لي أن ألجأ إلى أحلام اليقظة، وأن أرى نفسي أمتهن مهنة أخرى، الكتابة، سيما تأليف الروايات. بعدها أصبحت أحلام اليقظة وسيلة جيدة لتزكية الوقت، وطريقة فعالة لإضفاء متعة ولون ومذاق خاص لحياة قد تكون كئيبة. تلك اللعبة، التي تحولت إلى عادة، لم تقتصر على وضع السيناريوهات المرجوة في المستقبل، بل صارت أملاً ودافعاً قوياً نحو التغيير إلى الأفضل.

الأحلام تعمل كحلقة وصل بين الماضي والمستقبل ورفض الحاضر. وهي الأداة الفعالة لتحقيق الأهداف مهما كانت عظيمة

لم أكن أعرف وقتها أن الأحلام تتحقق أحياناً. فمثلاً، قبل نشر روايتي الأولى كنتُ أنظر إلى الكتب المرصوصة على أرفف الدار، وأتخيل كتابي وهو يتصدر تلك الأرفف. وحين أختلي بنفسي، أغرق في بحر الأحلام/ الأمنيات، فأرى نفسي وأنا أحصل على جائزة عن كتابي هذا. بعد عدة سنوات من طرح الرواية، أتعجب وأنا أتأملها في المكان الذي تخيلته بالضبط، وذلك بعد احتفالي بأول جائزة أدبية. وقتها أيقنت أنه يمكن تحقيق الأحلام إن تحولت إلى هدف يمكن أن أسعى خلفه. ولكن، كيف تتحول أحلام اليقظة من هواجس ورغبات إلى حقائق ووقائع؟ لعل الإجابة تكون عند العالم كلينجر، الذي يؤكد أن بواسطة السيناريوهات المستقبلية التي يمكن أن تكون مقابلات أو محاضرات فأن الناس سيعرفون خياراتهم بشكل أفضل، ويتعرفون عليها عن طريق التكرارات المتشابهة لمختلف البدائل، وبغربلتها يتخلصون من أقل الطرق جاذبية، ويتوجهون نحو الأفعال الأكثر احتمالية. وبالمران يتأثر سلوكهم المستقبلي، وبإتمام هذه الوظائف سيشكل ذلك إثباتاً للذات، ويولد إحساساً مستمراً بالهوية عن طريق الاتصال بين الماضي والحاضر والذات المستقبلية.

هذه العملية، أراها مكملة لفعل التأمل- وهو الفعل الذي نتذكر فيه الماضي بغرض مراجعة أفعالنا أو إعادة تقييمها وتقيم من حولنا- والفعل الحاضر؛ أي أن الأحلام تعمل كحلقة وصل بين الماضي والمستقبل ورفض الحاضر. وهي الأداة الفعالة لتحقيق الأهداف مهما كانت عظيمة. كنتُ أقول لأصدقائي بأن أعمالي سيكتب عنها في أكبر الصحف العربية، وكانوا دائماً يتهكمون من هذا الطموح، حتى أن أحدهم صرح لي بأن الحظ إن حالفني بنشر قصة في "أخبار الأدب"، فإن هذا كاف جداً، وأن عليّ أن أعيش الواقع بخيباته. هؤلاء أطلق عليهم اسم "أكلة الأحلام". إنهم يتغذون على أكل أحلام الغير.

أعتقد أن كل من ترك بصمته الكبيرة على هذا الكوكب كان لديه حلم عظيم. سواء كان هذا الحلم لصالح البشرية أو ضدها. هلتر كان يحلم بالسيطرة على العالم، بينما أديسون رغب في إنارته

ومع ذلك فإنهم، أيضاً، الحافز الحقيقي للسعي وراء تحقيق تلك الأحلام. فإثبات الذات يأتي دوماً من التحدي. أعتقد أن كل من ترك بصمته الكبيرة على هذا الكوكب كان لديه حلم عظيم. سواء كان هذا الحلم لصالح البشرية أو ضدها. هلتر كان يحلم بالسيطرة على العالم، بينما أديسون رغب في إنارته، كل واحد منهما حقق حلمه. ربما يرجع الأمر لدرجة الإيمان بهذا الحلم، إنه السر الذي اكتشفه العظماء ولم يشاركوه مع أحد. أو كما يقول أنتوني في كتابه الذي أشرت إليه سابقاً: "على كل واحد منا أن يستغرق في الأحلام كل يوم لمدة قصيرة. قد تكون لحظات معدودة وبعد ذلك يمكنه أن يتخذ قراراً بسيطاً، ليكون خطوة البداية نحو تحقيق الحلم أو الهدف الكبير الذي يسعى إليه". أجل، لا بد من خطوة ما بعد التشبع بالحلم. هذا ما تعلمته أيضاً من خلال تجربتي مع الحياة، حتى وإن كان الحلم يشمل وطناً بأكمله، أو يخص العالم بأسره. لذلك، لا بد أن ننظر إلى أحلامنا بعين اليقين، فهي أساس الواقع، كما أنها بذرة أي عمل فني. لا يمكن أن نخلق قصة أدبية دون أن نري شخوصها ونسمع نبرة أصواتهم ونعيش في عوالمهم، وإلا فقدنا الصدق الفني. كذلك اللوحة المرسومة، قبل أن ينقلها الفنان على لوحته، لا بد وأن تكون لها جذور في عقله أو في حلم يقظته. إن العالم يتغير بمثل تلك الأحلام. فلمَ لا تكون أحلامنا عظيمة؟ ولمَ لا تكون متعلقة بمصير البشرية، وبدفع العالم نحو الخلاص ونحو حياة أفضل؟ ها هو منير يردد في الخلفية "زيح الصورة القديمة.. وابني الدنيا العظيمة.. ودوس على اللي باعنا للأيام اللئيمة.. إفتح شبابيك الحلم". أجل لقد حان الوقت لفتح شبابيكنا للأحلام العظيمة، والعمل عليها أيضاً.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard