"رسالة سياسية لكل الأطراف"... ماذا تعني عودة الدعم الأمريكي للأونروا؟

الخميس 15 أبريل 202112:53 م

مع عودة الدعم الأمريكي مجدداً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، تبدو الكثير من التساؤلات مطروحة على الطاولة، خصوصاً فيما يتعلق بأهمية وقف الابتزاز المالي والسياسي للفلسطينيين، الذي طال "الأونروا"، وانعكس سلباً على خدماتها المقدمة للاجئين من ناحية، وجذب المفاوض الفلسطيني لطاولة المفاوضات مرة أخرى من ناحية أخرى. خصوصاً بعد فترة إدارة دونالد ترامب، التي رأى فيها الكثيرون أسوأ إدارة في التعامل مع الملف الفلسطيني، والانحياز الكامل للجانب الإسرائيلي.

إصلاح الخلل

يؤكد المستشار الإعلامي لوكالة "أونروا" بغزة، عدنان أبو حسنة، أن القرار الأمريكي باستئناف المساعدات هو قرار هام، وسيدخل حيز التنفيذ خلال الأسابيع المقبلة.

ويقول أبو حسنة لرصيف22: "الدعم الأمريكي هو دعم مهم جداً لعدة أسباب، فنحن لدينا عجز كان يقدر بمئتي مليون دولار، وهذا الدعم سيساهم في انخفاض العجز بـ 150 مليوناً، وهذا سيمكنّنا من إصلاح الخلل الذي أصاب برامج الوكالة على مدار السنوات الأخيرة، بعد قرار ترامب وقف التمويل الأمريكي".

"الدعم سيساعدنا في تقديم التعليم لأكثر من نصف مليون طالب".

ويضيف: "الدعم سيساعدنا في تقديم التعليم لأكثر من نصف مليون طالب في سوريا والأردن ولبنان والضفة والقدس الشرقية وغزة، وسيكون هناك دعم في برامج الطوارئ في غزة والضفة وسوريا، وسنتمكن من دفع رواتب الموظفين، وفي إنقاذ دفعة لبرنامج الطوارئ، وسيكون هناك جزء من الدعم لمواجهة فيروس كورونا".

ويشير عدنان إلى أن "أغلب البرامج كانت قد تأثرت، وبعضها تم إيقافه بسبب الأزمة المالية، إذ جرى إيقاف عمليات التوظيف وبناء المدارس حتى برامج الطوارئ تأثرت كلها سلباً، وقلصنا الخدمات المقدمة للاجئين".

وعن أثر عودة الدعم الأمريكي على بقية الدول المانحة، يقول أبو حسنة: "في ذلك رسالة سياسية لمختلف الأطراف، مفادها أن الولايات الامريكية تجدد ثقتها ودعمها للأونروا، وتؤكد على أهمية دورها، وأيضاً رسالة للأطراف العربية والدولية ليتقدموا بمزيد من الدعم، خاصة بعد قطيعة استمرت ثلاث سنوات، عندما قطعت الإدارة الأمريكية الدعم عن الأونروا".

مشاركة أمريكية ومؤتمر المانحين

منذ تأسيس "الأونروا" كوكالة تابعة للأمم المتحدة بقرار من الجمعية العامة في عام 1949 حتى عام 2018 كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر ممول للوكالة، وكانت تعمل على ضمان أن الأونروا قادرة على الإيفاء بولايتها الممنوحة لها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تقضي بتقديم المساعدة الإنسانية والحماية لحوالي 5,7 مليون لاجئ من فلسطين مسجلين لديها في أقاليم عمليات الأونروا الخمسة: الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة ليتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم في مجال التنمية البشرية، وذلك إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمحنتهم، إذ تشتمل خدمات الأونروا على التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والحماية والإقراض الصغير.

ويقول الدكتور أحمد أبو هولي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس دائرة شؤون اللاجئين: "عندما قررت إدارة ترامب قطع المساعدات كان هذا يعني أنها أرادت من وراء هذا القطع المالي إغلاق وكالة الغوث كمقدمة لتنفيذ صفقة القرن، وكمدخل لتصفية قضية اللاجئين وإنهائها، وجاء مؤتمر المنامة في البحرين الذي قيل إنه يخص عملية السلام، لكنه فعلياً كان يستهدف اللاجئين، إذ تم تحريض دول كثيرة على وكالة الغوث، ومع ذلك صمدنا أمام كل هذه القرارات، ورفضنا صفقة القرن، ورفضنا إغلاق الوكالة".

ويضيف أبو هولي لرصيف22: "نحن نرى أن إدارة بايدن أوفت بما قالته في دعايته الانتخابية، وصححت المسار الذي صدر من الإدارة السابقة في استمرارية دعم الوكالة حتى إيجاد حل عادل وشامل لقضية اللاجئين، وهذا النهج نعتبره هو الأساس، بالتالي نعتبر عودة المساعدات الامريكية إلى وكالة الغوث خطوة في الاتجاه الصحيح، وسيكون تأثيرها كبيراً أيضاً على بقية المانحين، وسنرى انعكاس ذلك خلال مؤتمر المانحين الذي سوف يعقد في حزيران/ يونيو القادم".

وعن احتمال مشاركة الإدارة الأمريكية في المؤتمر، يؤكد أبو هولي أن هناك وعوداً من واشنطن تلقاها خلال اجتماعه قبل أيام مع مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الاسكان واللاجئين والهجرة، ريتشارد أولبرايت، مؤكداً أن مشاركة الولايات المتحدة الأميركية في هذا المؤتمر له بعد سياسي وبعد مالي، وسينعكس على عودة التمويل من كثير من الدول، التي قلصت تمويلها خلال السنوات الماضية.

"سيؤثر عودة الدعم المالي للأونروا على المشهد التفاوضي، بمعنى أن الإدارة الأمريكية تحاول أن تبدو على قدر من الحياد، ليس مثل إدارة ترامب، وسيكون الموقف الأمريكي أقل ضغطاً على الفلسطينيين مقارنة بالسنوات الأربع الماضية، التي شهدتها ولاية الجمهوريين"

ويشير أبو هولي إلى أن الأونروا أعدت فريقاً لإعداد استراتيجية جديدة ستُقدَّم للمؤتمر الدولي للمانحين، وستركز على تطوير خدماتها وبرامجها ورقمنتها والكفاءة في الإدارة، ويقول: "من الضروري وضع خطة طوارئ للأونروا تلبي احتياجات اللاجئين الصحية والإغاثية والتعليمية في مناطق عملياتها، في ظل تفشي فيروس كورنا، وزيادة المساعدات الغذائية والنقدية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها لتكون كافية في تغطية متطلبات اللاجئين وتأمين الحياة الكريمة، خاصة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، التي تعاني من تفشي البطالة وارتفاع معدلات الفقر إلى ما يزيد عن 85%".

وعن الرد الاسرائيلي على قرار عودة الدعم، يقول:" الرد الإسرائيلي كان واضحاً جداً وهو رفض عودة هذا الدعم، لأنهم يعتبرون الوكالة جزءاً من المشكلة، فهي تطيل أمد قضية اللاجئين، ولكن الإدارة الأمريكية لم تتأثر بالرفض الإسرائيلي، بل على العكس يصب موقفها الجديد في اتجاه القرارات الشرعية الدولية".

عودة للسياسة الكلاسيكية

وكان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قد صرح أن "المساعدات الأمريكية ستتضمن 75 مليون دولار للمساعدة في الاقتصاد والتنمية في غزة، 10 ملايين دولار لبرامج بناء السلام من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يو إس آيد)، و150 مليوناً من المساعدات الإنسانية لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين".

ويضاف إلى هذا التمويل، مبلغ 15 مليون دولار للمساعدة في مواجهة تأثير جائحة كورونا، ومشكلة انعدام الأمن الغذائي في الضفة الغربية وغزة، التي أعلنت عنها الولايات المتحدة في آذار/ مارس 2021.

وقال بلينكن: "المساعدة الخارجية الأمريكية للشعب الفلسطيني تخدم المصالح والقيم الأمريكية المهمة، وتوفر الإغاثة الحاسمة لمن هم في أمس الحاجة إليها، وتعزز التنمية الاقتصادية، وتدعم التفاهم الإسرائيلي الفلسطيني، والتنسيق الأمني والاستقرار. كما أنها تتماشى مع قيم ومصالح حلفائنا وشركائنا".

وأضاف: "الولايات المتحدة ملتزمة تعزيز الرخاء والأمن والحرية للإسرائيليين والفلسطينيين بطرق ملموسة في المدى القريب، وهو أمر مهم بحد ذاته، ولكن أيضاً وسيلة للتقدم نحو حل الدولتين المتفاوض عليه".

رؤية أمريكية جديدة وقديمة

يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطالله أن "عودة الدعم الأمريكي مؤشر لرؤية جديدة قديمة. جديدة قياساً بفترة سياسة الرئيس ترامب، ولكنها قديمة ارتباطاً بالسلوك الأمريكي منذ أن وقعت الاتفاقية في البيت الأبيض، تحددت أن هناك دعماً للسلطة الوطنية الفلسطينية وللفلسطينيين، ويمكن القول إنها ارتداد عن فترة ترامب، وعودة للسياسة الامريكية الكلاسيكية".

"سيحد من طموحات إسرائيل وأحلامها الكبيرة، التي تمثلت بالسيطرة الكلية على الإدارة الأمريكية، وهذه السيطرة جعلت سلوكها الإسرائيلي متغطرساً جداً لأبعد الحدود"

ويقول عطالله لرصيف22: "من الواضح أن بايدن يسير على نفس نهج الرئيس الأسبق باراك أوباما السياسي، الذي كان يشغل حينها نائباً للرئيس، على أن يحظى ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باهتمام الإدارة الأمريكية، ولذلك من الوارد العودة الى طاولة المفاوضات، التي توقفت بين الفلسطينيين وإسرائيل في نهاية آذار/ مارس عام 2014، بعد تسعة أشهر من المحادثات برعاية أمريكية دون تحقيق تقدم لحل الصراع، الممتد بين الجانبين منذ عدة عقود"

ويكمل: "بالتأكيد لو حدثت مفاوضات، سيؤثر عودة الدعم المالي للأونروا على المشهد التفاوضي، بمعنى أن الإدارة الأمريكية تحاول أن تبدو على قدر من الحياد، ليس مثل إدارة ترامب، وسيكون الموقف الأمريكي أقل ضغطاً على الفلسطينيين مقارنة بالسنوات الأربع الماضية، التي شهدتها ولاية الجمهوريين".

ويشير عطالله إلى أن كل ذلك على الأقل سيحد من طموحات إسرائيل وأحلامها الكبيرة، التي تمثلت بالسيطرة الكلية على الإدارة الأمريكية، وهذه السيطرة جعلت سلوكها الإسرائيلي متغطرساً جداً لأبعد الحدود، يفصل، ويقسم، ويضع خطة القرن، ويستولي على الأراضي، ويقيم مستوطنات في الجولان، ويصادر القدس، أما الآن فلن يكون بإمكان إسرائيل ممارسة نفس السلوك، وستحسب حساب كل حركة تقوم بها مع الإدارة الأمريكية.

ويختم: "من الواضح أننا أمام عودة لسياسة أوباما، وهي سياسة تقليدية معروفة كان نتنياهو يحسب كثيراً من الحسابات، وينتظر اليوم الذي سوف يغادر فيه البيت الأبيض، ومع ذلك فلا يمكن التقليل من خطورة العقبات والتحديات أمام بايدن فيما يتعلق بأي خطة سلام مستقبلية، مثل تأثير الكونغرس الأمريكي ودعمه المطلق لإسرائيل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard