سليمان الريسوني...الموت مقابل الحرية

الثلاثاء 13 أبريل 202101:54 م

قد يتساءل البعض ما الذي يدفع شخصا يتوق لأن يجتمع بعائلته ويعود لحياته ويعانق الحرية إلى أن يضرب عن الطعام والماء ويعرض حياته للخطر ويمنح فرصة لملك الموت أن يتربص به، الجواب بسيط إنه "الإحساس بالظلم والقهر واليأس".

ظل الصحفي سليمان الريسوني لما يقرب السنة ينتظر أن يتم إنصافه، ويرفع عنه الظلم وأن يعامل على قدم المساواة مع المدعي، لكن طيلة 328 يوم تم وضعه في السجن في استغلال للقانون وحوكم إعلاميا من طرف إعلام السلطة الذي علق له المشنقة ونفذ فيه حكم الإعدام المعنوي.

الإضراب عن الطعام ليس انتحارا لكنه أسلوب لإعلان المعتقل عن جدارته في استحقاق الحياة، فقد استخدمه المعتقلون السياسيون في المغرب منذ عقود كشكل من أشكال الرفض والاستمرار في معاركهم السياسية، وقد استشهد عدد منهم نتيجة لهذه الخطوة وأذكر منهم المناضلة اليسارية سعيدة المنبهي بعد أزيد من 40 يوما من الإضراب عن الطعام والتي تخلد الحركة الحقوقية واليسارية ذكراها كل سنة، ويذكر الشعراء اسمها في القصائد، وترفع صورها في المظاهرات.

الإضراب عن الطعام ليس انتحارا لكنه أسلوب لإعلان المعتقل عن جدارته في استحقاق الحياة، فقد استخدمه المعتقلون السياسيون في المغرب. الصحفي المغربي سليمان الريسوني يضرب عن الطعام في سجنه

الاستفزازات التي تعرض لها الريسوني من طرف إدارة السجن من خلال منعه من الاتصال بعائلته وتفتيش غرفته ومصادرة أغراضه ومؤونته حين أعلن إضرابه عن الطعام، يعطي انطباعا بأن إدارة السجن تقول له: "إذا أردت الإضراب عن الطعام لن نترك لك أي فرصة للتراجع عنه، وسنتركك لتموت بقرارك وأنت مسلوب الحرية"، وهو ما دفعه للإضراب حتى عن الماء، إذ بلغ اليوم الخامس من إضرابه عن الطعام والماء، ولكم أن تتخيلوا وضع شخص يعاني من مرض ضغط الدم ولا يأخذ دواءه منذ خمسة أيام ولا يأكل ولا يشرب شيئا، إنه "الإعدام غير الرحيم".

لا يمكن لأي منا أن يصادر حق المدعي في اللجوء للقضاء، وسليمان الريسوني نفسه كان دائما ينادي بعدم الإفلات من العقاب عندما يوجد ما يؤكد الاتهامات، لكن لا يمكن أن تسجن مواطنا فقط لأنك تشتبه فيه

كل من تابع قضية الصحفي سليمان الريسوني، شاهد كيف تضرب قرينة البراءة عرض الحائط، وكيف يستخدم القضاء للانتقام من الأصوات "المغردة خارج السرب"، إذ رفض السراح المؤقت لرئيس تحرير يومية أخبار اليوم عشرات المرات رغم توفره على ضمانات حضور المحاكمة، فضلا عن أن الحدود مغلقة بسبب تداعيات كورونا، ومغادرة التراب الوطني تحتاج إذنا من وزارة الداخلية.

كيف يمكن إقناع المغاربة أن ملف الريسوني ملف عادي، ولا علاقة له بعمله الصحافي والحقوقي؟ فقد مر على اعتقاله 11 شهرا ومازال فقط مشتبها فيه، ولا توجد أدلة تدينه، سواء شهادة لشهود حضروا الواقعة المزعومة أو شهادة طبية في ملف التحقيق تؤكد تعرض الطرف المدني لاعتداء جنسي أو عنف جسدي، في حين أن هناك مئات الجرائم الجنسية والمالية يتابع مقترفوها في حالة سراح رغم وجود قرائن تدينهم.

لكم أن تتخيلوا وضع شخص يعاني من مرض ضغط الدم ولا يأخذ دواءه منذ خمسة أيام ولا يأكل ولا يشرب شيئا لأنه مضرب عن الطعام احتجاجا على اعتقاله تعسفا، إنه "الإعدام غير الرحيم"

يعلم الجميع أن سليمان الريسوني يدفع ضريبة استمرار تسميته للأشياء بمسمياتها، وانتقاد مؤسسات وأشخاص لا يستطيع أحد في المغرب أن يتكلم عنها. حين اعتقل سليمان في شهر مايو من السنة الماضية اتصلتُ  بشخصية رفيعة المستوى في الدولة خبرت كيف تدبَّرُ الأمور داخل دائرة الحكم وقال لي بالحرف: "سبق وتكلمت معه ونصحته لكنه لم يتراجع من سقف انتقاده ولم ينحن للموجة"، كلامه كان واضحا بالنسبة لي -رغم الخطاب الرائج آنذاك أنه "غادين يربيوه ويطلقوه"-، أن انتقام "البوليس السياسي" لن يكون من نفس جنس الفعل، وفعلا فعل سليمان هو "الكتابة" وانتقامهم "تهمة تصل عقوبتها 10 سنوات مع بهارات الإعدام الرمزي".

لا يمكن لأي منا أن يصادر حق المدعي في اللجوء للقضاء، وسليمان الريسوني نفسه كان دائما ينادي بعدم الإفلات من العقاب عندما يوجد ما يؤكد الاتهامات، لكن لا يمكن أن تسجن مواطنا فقط لأنك تشتبه فيه، وتتركه وراء القضبان سنة كاملة دون محاكمة بحثا عن أدلة تدينه، سلوك النيابة العامة في تحريك المتابعة ضد الريسوني دون أن يتقدم من يزعم تعرضه لاعتداء من سليمان شكوى وسكوتها على الانتهاكات التي يتعرض لها من طرف صحافة التشهير، يؤكد أنها خصم غير شريف في هذه المحاكمة التي تغيب فيها شروط المحاكمة العادلة.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard