هل تحول الإله في الإسلام إلى مؤسسة مصرفية؟

الخميس 8 أبريل 202102:52 م

الإله في الأديان الإبراهيمية، كما تزعم الكتب المقدسة، هو الإله المتسامح العفو الغفور الذي يرحم عبيده من البشر. هو الذي قام بخلقهم ليذنبوا ثم يأتوا في مشهد المنيبين إليه الظالمين لأنفسهم والمقصرين في حقه. ثم يغفر لهم ذنوبهم التي اقترفوها في حقه بعصيانه لأوامره المقدسة؛ تلك الحالة النفسية التي تصل إلى أقصى وأقسى درجات الدونية والتذلل، مع وضع آيات في الكتب المقدسة تجذر الدونية النفسية، فورد في القرآن في الآية رقم 87 من سورة الأنبياء :"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".

دور التشريعات التاريخي

لقد جاءت التشريعات الإلهية كقوانين تحكم الأرض ومن يعيشون عليها، أي أنها بمثابة دستور السماء كما يقول المؤمنون بها، والتي انقسمت بدورها تاريخياً إلى تشريعات اقتصادية وأخلاقية واجتماعية، أو مادية وروحية حسب تصنيفات الفقهاء و المحدثين، معللين ذلك بأنها تحفظ النفس والعرض والمال و الجسد. والهدف الأكبر هو طاعة الإله الذي خلقنا لنعبده وحده لا شريك له. وقد ظهرت تجليات تلك التشريعات في عصر صدر الإسلام أثناء حياة الرسول محمد في شبه الجزيرة العربية، حين نزلت آيات العقوبات الجسدية مثل قطع يد السارق وجلد الزاني والزانية على رؤوس الأشهاد إذا كانا غير متزوجين أما إذا كانا متزوجين فقد وجب رجمهما (هنا استحدث المفسرون خرافة الناسخ و المنسوخ). وبالفعل كانت تنفذ تلك العقوبات الجسدية المروعة على أجساد المخطئين والعصاه حسب زعمهم.

بالطبع لا يتسع السياق هنا في هذا المقال لتتبع تاريخي تفصيلي لظهور التشريعات وتأصيل دورها وأثرها في المجتمعات البدوية والحضرية في العصور الوسطى. لكننا نحاول إبراز موجز بانورامي لدور تلك التشريعات في تشكيل ذهنية وذاكرة جمعية، مقترنة بالتشكيلات الاجتماعية التي تمارس القهر والهيمنة على المجتمع وإخضاع من فيه لسلطتهم.

أدت التشريعات، تاريخياً، دوراً دفاعياً وتحصينياً ضد الحريات الاجتماعية الشخصية، والتي أدت أيضاً إلى رسم تصور ذهني عن نسق إلهي مقدس لا يجوز المساس به ولو بكلمة

أدت التشريعات، تاريخياً، دوراً دفاعياً وتحصينياً ضد الحريات الاجتماعية الشخصية، والتي أدت أيضاً إلى رسم تصور ذهني عن نسق إلهي مقدس لا يجوز المساس به ولو بكلمة. التشريع السماوي هو تاريخي في المقام الأول؛ أي أنه مرتبط بتغيرات وتحولات وتشكيلات اجتماعية واقتصادية على الأرض. وبالتالي هي تشريعات بشرية الطابع وفي نفس الوقت هي إلهية مقدسة المظهر. تم إنكار ذلك الطابع البشري لصالح الطابع الإلهي، وتم تثبيت الإلهي المقدس الذي لا معقب لحكمه. الأمر الذي شرعن عملية العقوبات والقهر والسحق للذات الإنسانية، فتم تكميم الأفواه لأنها شرع الله، ولا يجوز أن تناقَش مسألة شرب النبيذ أو ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج؛ لأنهما محرمان، ويُعاقب فاعلهما بالجلد والرجم.

دور الدين في انحطاط النفس الإنسانية والشعور بالذنب

أعتقد أن مربط الفرس هنا، حسب علماء النفس وعلم النفس الاجتماعي، كما تحدث إيريك فروم في كتابه: "الدين و التحليل النفسي"، وكذلك سيجموند فرويد، عن خلق مصفوفة أخلاقية دينية، تبدو كنسق ونموذج استرشادي وحيد وفريد للشرف والصواب والهداية والضمير، وما سواها خروج عن تلك المصفوفة والثوابت وقيم الدين الصحيح القويم. فعندما يشاهد أحد المؤمنون فيلم "بورن" ثم يستمني نتيجة الإثارة الجنسية، يشعر حينئذ بمعاناة نفسية حادة ربما تقلب معه باكتئاب نفسي. ومع التكرار يصاب باكتئاب نفسي حاد؛ لأنه يتصور ذلك الإله الذي يقف منتصباً في السماء ليراقبه و هو ممسك بكرباج أو عصا ليعاقبه على الفور؛ نظراً لخروجه على تلك المصفوفة الأخلاقية ومخالفة تعاليم الإله المقدسة. وبالتالي سيعاقب بالذنوب ويعذب في قبره قبل عذاب الآخرة في النار. وتشهد عليه يديه التي مارس بها الاستمناء بل وتكون يديه حبلى نتيجة سكب منيه عليها حسب ما ورد في إحدى الأحاديث النبوية.

أن يقوم مؤمن بجريمة سرقة أو اغتصاب أو قتل أو تحرش، ثم يقوم بأفعال خيرية مثل التصدق على الفقراء أو بناء مسجد أو إنشاء جمعية خيرية ودار أيتام، فهو بذلك قد قام بمحو آثامه وسيئاته

الإله يدشن مؤسسة مصرفية سماوية

ارتبطت المنظومة الأخلاقية عند الإله الإبراهيمي بالعملية التجارية التي سادت شبه الجزيرة العربية، والتي كانت طريق تجارة عالمي يمر من أكبر مدن تجارة الترانزيت مثل مكة ويثرب على طريق اليمن– الشام بجانب تجارة ساحل البحر الأحمر. فوردت الآيات الكثيرات عن الحسنات والسيئات وطريقة حسابها. فمثلاً، من يأتي بحسنة فله عشر أمثالها، أما من يأتي بسيئة فلا يجازى إلا مثلها من باب التحفيز والتشجيع على عدم تكرارها وتركها. و بالتالي، منطقياً، أن يقوم مؤمن بجريمة سرقة أو اغتصاب أو قتل أو تحرش، ثم يقوم بأفعال خيرية مثل التصدق على الفقراء أو بناء مسجد أو إنشاء جمعية خيرية ودار أيتام، فهو بذلك قد قام بمحو آثامه وسيئاته واستبدلت بالحسنات مصداقاً لقوله في الآية 114 سورة هود: "إن الحسنات يذهبن السيئات"، وأيضاً كما ورد في سورة النجم في الآية رقم 32 :"الذين يجتنبون كبائر الغثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة". و اللمم هي الذنوب الصغيرة بمعنى أنه لا بأس من كذبة صغيرة أو عملية نصب صغيرة، يجازى عليها بحفنة ذنوب غير مؤثرة في عملية الميزان يوم القيامة.

وبهذه الطريقة تحول الإله إلى كاشير في سوبر ماركت أو صاحب شركة توظيف أموال. يورد له الإيراد اليومي من قبل ملائكة موكلين لذلك الأمر، لأن هناك ما برز في كتب السنة يؤكد بأن هناك ملكين واحد على اليمين يسجل الحسنات والآخر على اليسار يسجل السيئات. ثم ينهيان عملهما عند نهاية اليوم بتوريد الإيراد إلى الإله، ليرى من أذنب ومن أحسن عملاً. ثم يصفح ويعفو عن المجرمين والقاتلين واللصوص والمغتصبين والمتحرشين.

يصبح الإله الإبراهيمي تاجر ثري كبير يملك شركات غسيل ذنوب وبنوك كبرى للحسنات، و كأنها وول ستريت السماوية التي لا يراها إلا العاملون بها والموظفون بها وهم الملائكة.

سرديات الخوف في دار الآخرة

فكرة الميزان القسط يوم القيامة كرست الإمعان في الظلم والقهر المجتمعي وزيادة الجرائم، لأن من يأت بالكبائر ثم يتوب يُغفر له وتُبدل سيئاتهم بالحسنات. وهناك حديث مشهور في صحيح مسلم المشهور بحديث القاتل لـ99 نفس، فأراد أن يتوب فسأل عالم فرده قائلا "لا توبة لك"، فأكمل به الـ100 مقتول، فبكى بكاءً شديداً، ليقول الله لملائكته إنه تاب توبة لو وُزعت على أهل الأرض لكفتهم. مثل هذه السرديات والمرويات التي تقال أسبوعياً في خطبة الجمعة ويسمعها الملايين، تُحول المجتمع إلى قبائل، وتحل أعراف القبيلة محل القوانين الوضعية الحديثة. وكل من يرتكب جريمة يفلت بها حسب الآيات القرآنية لأنه سيغفر له. لتسود الأعراف البدوية محل القانون الجنائي الدستور والحريات. وبذلك يصبح الإله الإبراهيمي تاجر ثري كبير يملك شركات غسيل ذنوب وبنوك كبرى للحسنات، و كأنها وول ستريت السماوية التي لا يراها إلا العاملون بها والموظفون بها وهم الملائكة.

أما المؤمنون حقاً، فيجب أن يخضعوا لتلك المنظومة المصرفية المتكاملة دون نقاش لكي يفوزوا بالعروض المقدمة أو الدخول في سحب على حسنات أكبر لدخول جنة عرضها السماوات والأرض. ولا يجوز نهائياً مجرد التفكير في مخالفة بنود التعاقد الإلهي أو معارضته، لأن المصير سيكون قاسياً ومهولاً وهو الشواء داخل أفران الآخرة بل وإنطاق الجلود والأيدي والأرجل كشهود على المعصية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard