سَكتُّ للدهر وأحداثه... حتى خرا الدهرُ على راسي

الاثنين 3 مايو 202110:11 ص

يقال: "لكلّ مقام مقال". ومقامنا في هذا الزمن، كما ابتدأنا بقول أبي النواس، بذكر المأثور "البعرة تدلّ على البعير"، وقياساً: "الغائط يدلّ على الإنسان". وعلى ما يبدو أن هذا المقال لن تكون له رائحة طيبة أبداً.

وقد نحتاج لعبقرية جان باتيست غرونوي كي يخترع لنا عطراً، كما في رواية العطر؛ قصة قاتل، للروائي الإلماني باتريكس زوسكند حتى تخفّف من نتانة هذا المقال. كانت باريس تفوح بأبخرة القذارة في أيام غرونوي على الرغم من أنّها مدينة العطور والروائح في أيامنا هذه! وبناء على حال باريس اليوم، نتمنّى أن يكون لهذا المقال رائحة طيبة عند القراءة.

لاريب أنّ آدم أول من خَرِئ على وجه البسيطة، فهو أول البشر. لقد هبط آدم من الجنة بسبب تناوله للتفاحة، ومن هنا، لو قُيّض للباحثين الأنثروبولوجيين أن يحظوا بتلك الأحفورة التي خلّفها آدم وراءه، لكان لنا أثرٌ من طبيعة الجنة.

يمكن القول أنّ آدم أول من خَرِئ على وجه البسيطة، فهو أول البشر. لقد هبط آدم من الجنة بسبب تناوله للتفاحة، ومن هنا، لو قُيّض للباحثين الأنثروبولوجيين أن يحظوا بتلك الأحفورة التي خلّفها آدم وراءه، لكان لنا أثرٌ من طبيعة الجنة

الخراء والعلم

عرضت منصة نيتفليكس برنامجاً وثائقياً بعنوان "Connected" تضمّن العديد من المواضيع، تحدّث أحدها عن الـ poop  أي الخراء. ليس الغائط شيئاً مقززاً بالنسبة للعلم والتاريخ والطب، فكلّ منهم يجد في دراسته أمراً مهماً. حيث يقدّم لنا سجلاً حافلاً عن تطور الإنسان، سواء أكان الأمر يرتبط بأنواع الطعام التي كان يتناولها منذ وجد على هذه الأرض أم عن الأمراض التي كانت تصيبه.

يعتبر البراز مليئاً بالبكتيريا والفيروسات، والحرب على أشدّها بينهما. لذلك يتطلّع العلم والطب إلى الغائط على أنّه أمل البشرية في إيجاد الفايروس المناسب الذي سوف يقضي على البكتيريا فائقة القوة التي لم تعد تستجيب للمضادات الحيوية. 

كما يحتوي على آثار الأدوية والمكملات الغذائية والمخدرات، وهذه البقايا تعمل على تغيير الأنظمة الحيوية للكائنات التي تتناولها. فقد وجدت دراسة بأن السمك في نهر التايمز، نتيجة لهذه الملوثات، أصبح أكثر جرأة، بحيث أصبحت السمكات تبتعد عن مجموعتها، ما يعرضها للمخاطر والافتراس.

وهناك أكثر من ذلك، إذ يقدّم مصب المجارير في نهر التايمز سجلاً دقيقاً عن نوعية الأدوية والمخدرات وما يتناوله سكان العاصمة البريطانية، حتى أن مذيع البرنامج سأل رئيس الطاقم المسؤول عن المجارير في لندن عن مسار براز ملكة بريطانيا، وإن كان من الواجب تقديم التحية له. 

سجل حافل عن تطور الإنسان، سواء أكان الأمر يرتبط بأنواع الطعام التي كان يتناولها منذ وجد على هذه الأرض أم عن الأمراض التي كانت تصيبه... 

في فيلم المريخي The Martian، لريدلي سكوت، يحدث أن تتالى مجموعة من الكوارث على طاقم البعثة الاستيطانية على سطح المريخ، لكنّ البطل ينجو عن طريق زراعة البطاطا في خرائه، لأنّ تربة المريخ غير صالحة للزراعة. هذا الخيال العلمي ليس شططاً، فقد فكّر العلماء أن الحياة التي على الأرض قد جاءت من الفضاء، وقد تكون من غائط لأحد المخلوقات الفضائية، لذلك يعملون الآن على استرجاع أكياس النفايات التي تركتها رحلة أبولو على القمر.

والشيء المميّز في تلك النفايات، هو براز رائد الفضاء نيل آرمسترونغ ورفيقه. إنّ دراسة البراز الذي تُرك على سطح القمر، سيزوّد العلماء بالكثير من المعلومات والافتراضات، والأهم ضرورة الحذر مستقبلاً من تلويث الكواكب التي سيستعمرها الإنسان بفضلاته.

المقدس والمدنس

اعتُبر البراز مدنّساً في الدين، حتى أن المخيلة الإسلامية قد أرّقتها قضية الإفرازات البشرية في الجنة، فابتدعت حلاً بأنّ تلك الإفرازات تخرج عن طريق الجلد، على شكل عرق عطري الرائحة كالمسك، كما جاء في حديث الرسول الذي ورد في كتاب "الترغيب والترهيب". أما في الحياة الدنيا، فقد خُصّ الخراء بالكثير من إجراءات التطهّر منه، كالاستنجاء والاستجمار.

 يتطلّع العلم والطب إلى الغائط على أنّه أمل البشرية في إيجاد الفايروس المناسب الذي سوف يقضي على البكتيريا فائقة القوة التي لم تعد تستجيب للمضادات الحيوية

وقد ذُكر في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي حديث لسلمان بأنّه: "علّمنا رسول الله كلّ شيء حتى الخراءة". ويضيف: "فأمرنا ألا نستنجي بعظمٍ ولا روثٍ، ونهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول". أما في الثقافة المسيحية فقد ذهب دانتي في جحيمه على أن المذنبين يغمرون بالخراء في الجحيم. وفي اليهودية، يجب قصّ الثياب التي تتلوث بالخراء واستبعادها، لكن أعرابياً كان له رأي آخر: "سُئِلَ أعرابي، كيفَ عرفتَ الله؟ فقال: البَعَرَةُ تَدُلُّ على البعير، والأَثَرُ يَدُلُّ على المَسير، فَسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تَدلُّ على العَلّي الخَبير!".   

بين المبارزة والبراز الكثير

لن يوافق القادة والفرسان والجنود على هذا الخلط، لكن للغائط دوراً في الحروب والمعارك وحتى القتل العمد. ولكيلا يشهر الفرسان سيوفهم، فلنسارع ونخبرهم أنّ توني روبنسون قد ذكر في كتابه "أسوأ المهن في التاريخ" بأن حافد الفارس/ مساعده وخادمه، كان من أحد مهامه أن ينظف درع الفارس من الغائط، فالفارس المدرّع بالحديد، لم يكن قادراً على قضاء حاجته الطبيعية في قلب المعركة التي تستمر طويلاً إلّا ضمن درعه.

وهكذا بعد يوم شاق من القتال يعود الفارس إلى خيمته، يخلع عنه مساعده الدرع الملوث بالعرق والبول والخراء، ويعمل على تنظيفه. لم يكن الحافد يأخذ أجراً على هذا العمل القذر، لكن بعد خدمة عدد من الفرسان وتنظيف دروعهم من الخراء، يحقّ له أن يصبح فارساً ويستمتع بالمزايا العديدة للفرسان. لنا أن نتصوّر سانشو يقرأ طالع الفارس دون كيشوت من خلال خرائه اليوتوبي! 

سينظر أهل الحرب إليّ ويقولون: نحن نخوض في الدم والخراء كي نحمي الشرف من التلوث، فاذهب بخرائك هذا إلى مكان آخر، أفضل من أن نعاقبك ونعمل سيوفنا في قفاك. عذراً، لكن الخراء كان أحد الأسلحة، هذا ما ذكره المقال في vice.com بأنّ أول أشكال الحروب الكيماوية كانت بالخراء، فقد قام بدو السكثيين في أواسط أوراسيا بغمس رؤوس السهام بالخراء وليس السم فقط، ورمي الأعداء بهذه السهام الملوثة بالسم والخراء.

في فيلم “المريخي “The Martian، لريدلي سكوت، يحدث أن تتالى مجموعة من الكوارث على طاقم البعثة الاستيطانية على سطح المريخ، لكنّ البطل ينجو عن طريق زراعة البطاطا في خرائه، لأنّ تربة المريخ غير صالحة للزراعة

وفي القرون الوسطى تم إلقاء غائط ضحايا الطاعون على القلاع كي يصاب أهلها بالطاعون. وقد ذكر ستيفن تورنبول في كتابه "أسلحة الحصار في الشرق الأقصى" بأن قذائف المنجنيق كانت تتألف من البارود والسم والخراء.

في الحرب العالمية الثانية، تضمّنت الحرب المخابراتية النفسية التي شُنت على الضباط الألمان بأن يتم رشهم بمسحوق له رائحة الخراء. وقد أرسل هذا المسحوق للمقاومة الفرنسية كي يستخدموه ضدّ الضباط الألمان، كي تفوح منهم رائحة الخراء، فيظهرون وكأنّهم قد سلحوا في ثيابهم من الخوف، وهذا الأمر سيضعف معنويات جنودهم.

ولأن السحر ينقلب على الساحر، فقد استخدم الفيتناميون أعواد البنجي التي تصنع من قصب البامبو، حيث يشحذ طرفه ويلوث بالخراء والسم ومن ثم يموّه، فإن سقط عليه الجندي الأمريكي وقدر له أن ينجو من السم، فسيعاني من رائحة الخراء المقزّزة.  

يمتلك الروسي جورجيفيتش سيمنوف ما يقارب من 200 اختراع مسجل باسمه، وفي عام 2009 قدم مقترحاً للجيش الروسي يقتضي بأن يستخدم الجنود في الدبابة غائطهم في حشوات القذائف قبل إطلاقها، وبهذه الطريقة يتخلصون من الغائط ويزعجون أعداءهم.

كانت أغاثا كريستي خبيرة بالسموم، لكنها لم تكتب عن قاتل استخدم الخراء. سجلت محاكم الولايات المتحدة الأمريكية العديد من محاولات القتل عبر حقن الخراء في الوريد.

WC هو بيت الأدب

لم يكن للغائط حيّز كبير في التراث العربي، فلقد اقتصر ذكره على بعض الهجاء والنوادر، ومنها ما أورده الجاحظ في كتاب الحيوان: "حدثني محمد بن الصباح قال: بينما أبو يوسف القاضي يسير بظهر الكوفة - وذلك بعد أن كتب كتاب الحيل - إذ عرض له ممرور عندنا، أطيب الخلق، فقال له:

يا أبا يوسف، قد أحسنت في كتاب الحيل، وقد بقيت عليك مسائل في الفطن، فإن أذنت لي سألتك عنها، قال: قد أذنت لك فسل، قال: أخبرني، إذا أتيت صحراء، فهجمت على بول وخراء، كيف تعرف أبول امرأة هو أم بول رجل؟ قال: والله ما أدري، قال أجل، والله ما تدري، قال: أفتعرف أنت ذاك؟ قال: نعم، إذا رأيت البول قد سال على الخراء وبين يديه، فهو بول امرأة، وخراء امرأة، وإذا رأيت البول بعيداً من الخراء، فهو بول رجل، وخراء رجل، قال: صدقت.       

اعتُبر البراز مدنّساً في الدين، حتى أن المخيلة الإسلامية قد أرّقتها قضية الإفرازات البشرية في الجنة، فابتدعت حلاً بأنّ تلك الإفرازات تخرج عن طريق الجلد، على شكل عرق عطري الرائحة كالمسك                                                                

 أمّا في الآداب الأجنبية، فقد كان له شأن عظيم. وتعتبر رواية "مئة وعشرين يوماً" في سدوم" للمركيز دوساد، من أهم المراجع في ذكر البراز في الأدب، كذلك فعل رابليه في كتابه "حياة غارغانتوا وبانتاغرول" وفي رواية "قوس قزح الجاذبية" لـتوماس بينشون، هناك مشهد تفصيلي عن البراز.

يعرض ألبرتو مانغويل في كتابه "تاريخ القراءة" فصلًا عن عادات القراءة، والتي لا تحصل في المكتبة أو في الأسِرّة، بل في دورة المياه. لقد ذُكر في كتاب "سيرة القديس غريغور" الذي عاش في القرن الثاني عشر، وصفاً لدورة المياه كمكان للراحة، حيث يمكن قراءة ألواح الكتابة من دون إزعاج. يوافق هنري ميللر على ذلك بأن قال: "إنّ أفضل قراءاتي حدثت في دورة المياه"، كذلك قال مارسيل بروست عن دورة المياه المكان الذي يتخلّص فيه الكائن البشري  من قذاراته، بأنّ دورة المياه مكان لـِ"القراءة، أحلام اليقظة، الدموع واللذة الحسيّة".

لم أكن شخصيّا بعيدًا عن عادات القراءة التي ذكرتها أعلاه، لكن بطريقتي الخاصة، وهنا لو يسمح لي القرّاء بإضافة مقطع من روايتي "جريمة في مسرح القباني": " فصحتُ به: هل تأخذ الأوراق والكتب للقراءة، أم لإشعال المدفأة أو بدلاً عن محارم التواليت؟ فأجاب: هي بالتأكيد للقراءة!

استمهلته، وعرضت عليه كأساً من الشاي الساخن، فلم يتردّد. خلع قفازيه، وجلس بالقرب منّي على حافّة الرصيف، وبدأ بارتشاف الشاي، ودار حديث التعارف. لاحقاً بعد تعمّق الصداقة بيننا، قال لي إنّ كلّ دخول إلى بيت الأدب صار يضحكه بعد استفساري منه عن الغاية من استعمال الكتب، فأخبرته سبب سؤالي له، وأنني كنت مثله يوماً، لكن تقادم الخبر الذي سأقصّه عليه لم يعد يترك في نفسي إلّا الابتسام على عكس الضحك الذي انتابني أول مرّة، عندما سمعت الحكاية من أحد شيوخ مهنة بيع الكتب.

إذ كنت استفهم منه عن أسرار المهنة بعدما استقرّ قراري على امتهانها كعمل إضافي أزاوله في النهار مع الحراسة الليلية للمسرح؛ أخبرني وقتها العجوز أنّه في زمن الحصار الاقتصادي في الثمانينيات، وقبل أن تتناسل معامل المحارم الوطنية، كان إلى جانب الزبائن من القرّاء، قسم يشتري أيّ كتاب، المهم أن يكون ثمنه تافهاً حتى لو كان مخزّقاً، أو حروفه باهتة نتيجة الزمن، أو مصاباً بالبلل، والهدف من ذلك أن يُستخدم الكتاب كورق تواليت، وخاصة لمن لا يتبع سنة الاستنجاء والاستجمار، وكان هذا الأمر برأي شيخ بيع الكتب المستعملة، أحد الطرق السّرية التي تدكّ بها الثقافة معاقل التخلّف الديني، فالموضوع لا يختلف عن توزيع المنشورات ضد السلطة.

ضحك الزبّال طويلاً، وختمها بمانشيت يصلح للورقة الأولى في الجريدة، بأنّه يستخدم ورق الجرائد، فهي أنعم وألطف على البشرة من ورق الكتب".

الخراء أسّ من أسس الإبداع

إنّ الحياة الجنسية للطفل تبدأ فموية عبر التمتع بالطعام، ومن ثمّ تمرّ بعد ذلك بالمرحلة الشرجية عبر متعة إخراج الطعام؛ وذلك على ذمّة سيغموند فرويد، الذي يرى في الكبت عموماً، وخاصة الدافع الجنسي، جذراً للتصعيد الإبداعي.

لأنّنا في زمن التواصل الاجتماعي، فقد اتحفتنا الوسائط برمز الخراء، لكن لنتذكّر رسم كاريكاتور يمثل المجاعات في إفريقيا الذي يصوّر عجيزة طفل وقد نسجت عليها العنكبوت شباكها. فعلى الرغم من أن الغائط منتن الرائحة وذكره لا يسرّ، لكنّ وجوده دليل شبع لا جوع

إنّ التصعيد الإبداعي الذي تكلّم عنه فرويد قد نراه في عمل الفنان الإيطالي بييرو مانزوني، الذي علّب خراءه خالقًا هالة من الغموض ومراهنًا بأنه  سيتم شراء أي شيء يضع الفنان توقيعه عليه.

إن سخرية أو جدّية مانزوني طالت الفنان والعمل الفني ذاته وأفق التوقّع لدى مقتنيي العمل الفني، حيث قيل إن علب الخراء التي أنتجها مانزوني وتحمل توقيعه، لم تكن تتضمّن الخراء بل الجبس. مهما كانت المقاصد، فقد باع مانزوني علبة قدر ثمنها بــ 30 غراماً من الذهب؛ أي ما يعادل وزنها. لم يكن مانزوني أول المحتجّين، بل الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب، الذي وضع توقيعه على مبولة وقدّمها في أحد معارضه.

كان دوشامب من أعضاء الحركة الدادائية التي نشطت في أوائل القرن العشرين، وتعتبر هذه الحركة تأسيساً للسريالية التي ترى في الأحلام واللاوعي والكتابة الآلية الوسيلة الفضلى للتعبير عن الفنون والآداب، بعيداً عن النزعة العقلية والواقعية والأخلاقية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان من نتائج هذه النزعة العقلية الحرب العالمية الأولى.

وحيث أنّ اللغة هي الوسيلة الأكمل في التواصل البشري، فقد تعددت ترسيماتها من الحروف إلى رموز الإيموجي التي عممتها وسائل التواصل الاجتماعي، فاتحفتنا تلك الوسائط برمز الخراء كأحد التعابير التي نستخدمها عندما نتواصل. وقبل أن ننهي هذا المقال لا بدّ أن نتذكّر رسم الكاريكاتور الذي يمثل إحدى المجاعات في إفريقيا، والذي صوّر عجيزة طفل وقد نسجت عليها العنكبوت شباكها. فعلى الرغم من أن الغائط منتن الرائحة، وذكره لا يسرّ، لكنّ وجوده دليل شبع لا جوع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard