"لا تقصص رؤياك على أخوتك"... نصيحة المستبدّ

الخميس 1 أبريل 202103:32 م

"كان أبو الأسود الدؤلي في خلوة مع معاوية ثم تحرّك فضرط، فقال لمعاوية: استرها عليّ، قال: نعم، فلما خرج حدّث معاوية بها، فقال أبو الأسود: إن امرءاً ضعفت أمانته عن كتمان ضرطة لحقيق ألا يؤتمن على المسلمين".

هل الخلاصة التي انتهى إليها أبو الأسود عادلة؟ هل الأسرار عنصر أساسي من عناصر بناء الدول، وهل هذا ينسجم مع قيم العدالة والمساواة؟

المعنى المزدوج للأسرار

أسرار الكائن الصغير، الفرد ضمن الأسرة، ضمن المدرسة، ضمن حياته الاجتماعية الخاصة، جزء من هويته التي لا يجوز التفريط فيها ضمن أي ظرف ولا إباحتها للعموم، هكذا تتحدّد الأسرار وتكتسب أهميتها بغموضها، لكن السرّ أيضاً هو درب وحيد باتجاه الاستبداد، إذ لا يتيح فحصه من عين بعيدة، بل يبقى حبيس تفسير صاحبه، كيف تأخذ الأسرار هذا المعنى المزدوج.

"لا تقصص رؤياك على أخوتك"، كانت هذه نصيحة النبي يعقوب لابنه حين أخبره بفحوى الحلم الذي رآه، خوفاً من أن "يكيدوا لك كيداً"، حول الأحد عشر كوكباً والقمر والشمس الذين رآهم ساجدين له، فالغيرة كما ظنّ يعقوب التي يمكن أن تتمكن من الأخوة قد تجعلهم يضمرون له شرّاً، إذ نصح يعقوب يوسف بالاحتفاظ بما يميّزه عن أخوته، بالتعالي الخاص بالأنبياء والمختارين، بالقوّة التي منحه إيّاها التفسير الوحيد للرؤيا التي رآها، أي بسلطته القادمة عليهم وعلى باقي العالمين.

لكن هذه السرية التي فرضتها "حكمة" يعقوب الناقصة لم تمنع نشوء الغيرة، لأن السرّ نفسه يتضمن استبعاد الآخر، الذي لا يقع ضمن دائرة السرّ، وهذا الاستبعاد يتزامن مع إنتاج وإعادة التأكيد على عدم المساواة بين الأفراد، بين من تحق له المعرفة ومن لا يستحقها أصلاً لعلّة فيه، أو لأنه لا يحتاجها أصلاً.

أولئك الأخوة الأحد عشر، الذين لا يحتاجون لمعرفة الأسرار ولا للمعرفة أصلاً، مستبعدون في عملية تمايز اجتماعي فرضها الأب يعقوب، تؤدي غالباً إلى إساءة استعمال السلطة التي تمنحها عملية احتكار السرّ، لذا ازداد الكفاح في المجتمعات من عصر التنوير إلى الآن لمنع وجود هذا الاحتكار، لمزيد من الشفافية وكشف الأسرار للعامة، ما يهمّ في السرية أنها تخفي بالضبط ما يجب أن نعرفه، ما نود أن نعرفه، ما تمنحنا معرفته مزيداً من القوة لنتساوى مع أصحاب السلطة، نستطيع أن نورد هنا أمثلة كالمعلومات السرية الخاصة بميزانيات الدول، الإنفاق على التسليح، المصروفات الخاصة للسيدات الأول وأبنائهن.

استبداد السرّي

السرّ يصنع الحميمية في العلاقات، وربما يكون الإنسان ليس أكثر من "كومة بائسة من الأسرار" على حد تعبير أندريه مالرو، هناك أسرار تبنى على أساسها العائلات وعلاقات الحب، وبقدر تماسك وتلاحم الكتمان هذا تستمرّ العلاقات البشرية.

حتى أن كتمان السرّ أصبح فضيلة بشرية لا يحوزها الأفراد بسهولة، إذ إن التخلص من عبء السرّ يصبح ضرورة للخلاص، للتحرر، فبعض الأسرار على سبيل المثال يمكن أن تورّث حاملها مسؤولية جنائية أو أخلاقية، لذا، كان الحلم اليوتيوبي بالخلاص من الحاجة للكتمان الأسرار بالشفافية، وبأن يكون البشر كتباً مفتوحة للآخرين، بمثابة الرغبة بالخلاص من الاستبداد الذي يصنعه السرّ.

"لا تقصص رؤياك على أخوتك"، كانت هذه نصيحة النبي يعقوب لابنه حين أخبره بفحوى الحلم الذي رآه، خوفاً من أن "يكيدوا لك كيداً"، حول الأحد عشر كوكباً والقمر والشمس الذين رآهم ساجدين له، فالغيرة كما ظنّ يعقوب التي يمكن أن تتمكن من الأخوة 

السرّ في القرآن تجاوز الحدّ المعقول لإنشاء تصوّر ولو كان مبدئياً عن العالم الآخر، فجاءت التفسيرات العديدة، والأحاديث النبوية لتقارب الأمر وتضعه حيّز التصوّر، فصفات الجنة وقصورها المخصصة للمسلمين تفوق المنطق البشري، رو ى مسلم في صحيحه عن النبي قوله:

"إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من الزحام"، هذه اللامسافة، أي المسافة غير المعقولة تضفي الكثير من اللامعقول وغير القابل للتخيّل، إضافة للأسرار الأخرى التي تركت بدون نهايات معقولة عن أنهار الخمر والعسل.

استخدم القرآن خيالاً متأهباً لوصف متع غير قادر أي بشري على الإحاطة بها، أي استخدم أسراراً يلقي بها القبض على أي عقل شكّاك، وتزداد الأسرار تعالياً على المؤمنين بوجودها كلما آمنا بها حقاً:

"قل لا يعلم بها إلا الله"، وبنفس الوقت الذي تحتفظ فيه الذات العليا بمجموعة هائلة من الأسرار حول الخلق وطبيعة العقاب والآخرة والعديد من القضايا الهامة الأخرى، يمنع على المؤمن أن يحتفظ بسرّ فردي، حيث يبدو مكشوفاً أمام خالقة لحد التعرية، وكل ما يمكن أن يفكر به أو يشتهيه أو يخطر عرضاً في باله، يمرّ على لوحه المحفوظ ويسجّل هناك، كوثيقة إدانة لاحقاً.

لكن ثمة تعارض بين الوصايا التي يقدمها الأنبياء للمؤمنين حول وجوب الاحتفاظ بالسرّ وبين الانكشاف الكلي أمام الذات الإلهية، وعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ، يَقُولُ:

ربما يكون الإنسان ليس أكثر من "كومة بائسة من الأسرار" على حد تعبير أندريه مالرو

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا.

ومما يروى أيضاً في أسباب النزول كان النبي  في بيت حفصة فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي، فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت، فلما رأى النبي في وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها: لا تخبري عائشة ولك علي أن لا أقربها أبداً، فأخبرت حفصة عائشة وكانتا متصافيتين، فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي حتى حلف أن لا يقرب مارية، فأنزل الله سورة التحريم:

" يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ".

الله ثرثار فحسب، ثرثار ومهذار ولا يؤتمن على سرّ

يبدو الرب هنا كمسرّبٍ للأسرار الخاصّة التي يتوجب إبقاءها طي الكتمان، والقرآن، أو الكتابة برمّتها، يظهر طابعها الفضائحي عند سرد قصص الآخرين ومكنونات أنفسهم ودوافعهم السرية، خصوصاً للموقع الذي يمتلكه الرب كعالم بالنفوس، ولو كانت تلك القصص متخيلة والأشخاص خياليين.

لكن الرغبة بإفشاء الأسرار تتغلّب على الواقعية وتذهب لحدّ ابتداع أقوام وسرديات متخيلة عن كائنات خيالية ذات حيوات وأسرار خاصة، يعلمها الله وحده، ثم يستمتع بتفريقها على أسماعنا وسماعه لدهشتنا الساذجة. الله ثرثار فحسب، ثرثار ومهذار ولا يؤتمن على سرّ.

صعوبة الاحتفاظ بالأسرار

تكمن الصعوبة في التفريق بين الأسرار التي تصنع الفرد وتفرده، منذ أول كذبة يقوم بها الطفل ويكتشف من خلالها إمكانية التفكير بمفرده، بعيداً عن الأسرة، إلى الأسرار التي تشكل سداً أخلاقياً وسلطوياً حتى، يحكم حياتنا ويمنعنا عن المعرفة.

لا يتعلق الأمر فقط بالأخلاق الفردية، بل بمكانة الأسرار في الحياة العامة ككل، هل مازالت الأسرار ضرورية؟ كيف يمكن أن نحلّ هذه الإشكالية بين رغبتنا الشديدة بالحفاظ على تفاصيل حياتنا الحميمة وبالوقت نفسه نسعى بكل السبل لكشف كل ما يحيط بنا، معرفته، تحليله "فضحه" والسيطرة عليه؟

السرّ يصنع المستبدّ بينما الوضوح والعري والانكشاف يصنعون الإنسان الحرّ

نحن مكشوفون أمام الملأ، ليس بسبب بساطتنا الحياتية فحسب، وليس بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، بل لأن الأسرار تتناقض مع طبيعتنا البشرية، التي تميل إلى المشاركة والخلاص من عبء الغامض، الانكشاف والعري، ولأننا أيضاً اكتشفنا السلطة التي تمنحها الأسرار لمالكها، وبالتالي رغبتنا بالتحرر من سلطة السرّي واستبداده، سواء أكان قوى عليا خيالية أم سلطات زمنية مستبدة.

السرّ يصنع المستبدّ بينما الوضوح والعري والانكشاف يصنعون الإنسان الحرّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard