العلاقات الأمريكية السودانية… كيف حدثت النقلة من الحصار إلى الاحتضان؟

الاثنين 29 مارس 202104:20 م

تطورات سريعة تحدث على مستوى العلاقات بين واشنطن والخرطوم، خاصة على الصعيد الاقتصادي، بدءًا من رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب المدرجة فيه منذ تسعينيات القرن المنصرم، وهو ما يعدّ بمثابة الضوء الأخضر لرؤوس الأموال العابرة للحدود بغية الاستثمار في الداخل السوداني.

وصولًا لإعلان الولايات المتحدة، مساء الجمعة 26 أذار/مارس، تقديمها مساعدات مالية تقدر بنحو المليار دولار للمساهمة في سداد متأخرات مستحقة على الخرطوم للبنك الدولي، ومعلنة في السياق ذاته ترحيبها بالإصلاحات التي تجريها الحكومة السودانية الحالية، ما يمثل المزيد من الطمأنة لرؤوس الأموال.
تبع ذلك القرار بساعات صدور بيان مشترك من صندوق النقد والبنك الدوليين، يوضح أن تسديد المتأخرات سيمكّن السودان من "إعادة مشاركته الكاملة مع مجموعة البنك الدولي ويمهد الطريق أمامه للحصول على منح خاصة بالحد من الفقر والإنعاش الاقتصادي المستدام تقدر بحوالى ملياري دولار".
فما الذي حدث حتى تغيّرت بوصلة الموقف الأمريكي من السودان 180 درجة من العداء التام إلى المُرحب والمُسوّق لمشروع عودة السودان لأحضان المجتمع الدولي؟

صدامات سياسية وضربات اقتصادية متتالية

تدهورت العلاقات السياسية بين واشنطن والخرطوم خلال الثلاثة عقود الماضية التي حكم فيها نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير السودان، وهو التدهور الذي أسفر عن حصار اقتصادي وسياسي عانى منه الشعب السوداني الأمرين.
صعد البشير لسدة الحكم عبر إنقلاب عسكري في 30 يونيو 1989  ليطيح بالحكومة المدنية برئاسة الصادق المهدي، ويعلن عن ما أسماه بحكومة الإنقاذ بالتحالف مع التيار الإسلامي الراديكالي بقيادة حسن الترابي.
وقد جاء الصدام الأول مع واشنطن بعد فشل مباحثات السلام بين نظام الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، نتيجة إصرار نظام الإنقاذ على تطبيق الشريعة الإسلامية. وهو ما ترتب عليه قطع المعونة الأمريكية عن السودان بداية العام 1990 تفعيلًا للقانون رقم 513.
تفاقمت الأمور بعد الغزو العراقي للكويت حيث أعلن البشير دعمه لصدام حسين بحجة رفض تدخل قوات أجنبية في المنطقة، الموقف الذي اتخذته جُل تنظيمات الإسلام السياسي (بجانب الأنظمة والأحزاب القومية العروبية) في ذاك الوقت.
ما الذي حدث حتى تغيّرت بوصلة الموقف الأمريكي من السودان 180 درجة من العداء التام إلى المُرحب والمُسوّق لمشروع عودة السودان لأحضان المجتمع الدولي؟
وفي عام 1991 وخلال سعيها لمصادر مختلفة للتمويل صعّدت الخرطوم سياستها المعادية للمعسكر الأمريكي بوضوح، ففي هذا العام انتقل مؤسس تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن إلى السودان، كما استقبل البشير نظيره الإيراني هاشمي رفسنجاني لتقارب رسمي بين البلدين ترجم على الأرض بافتتاح مراكز ثقافية إيرانية في البلد السُني بل وصل الأمر إلى افتتاح حسينيات شيعية. وردّت الإدارة الأمريكية بإدراج السودان على رأس قائمة الدول الراعية للإرهاب.
شهد تشرين الأول/أكتوبر 1997 فرض عقوبات اقتصادية شاملة على السودان جراء التقارب مع طهران، رغم مطالبة حكومة الخرطوم من أسامة بن لادن مغادرة السودان، إلا أن تلك الخطوة لم تكن كافية للإدارة الامريكية.
لكن الطامة الكبرى وقعت في آب/أغسطس 1998 في صورة تفجيرين استهدفا السفارة الأمريكية في كل من نيروبي ودار السلام (عاصمتي كينيا وتنزانيا). وأعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته عنهما، ليأتي الرد الأمريكي بمثابة تدشين لما يعرف الآن باسم "الحرب على الإرهاب"، وكان نصيب السودان حكمًا بتجميد العديد من الأرصدة السودانية في البنوك الأمريكية (على ذمة دفع تعويضات للضحايا وذويهم)  فضلًا عن استهداف الخرطوم عبر عملية عسكرية عرفت باسم "الوصول المطلق"، قصفت خلالها مصنع الشفاء للأدوية بالعاصمة السودانية، بزعم أن المصنع يعمل على إنتاج أسلحة كيميائية.

لم يمر عامان على تلك الأحداث إلا وتم استهداف المدمرة الأمريكية "يو أس أس كول" باستخدام زورق مفخخ في خليج عدن، ما أسفر عن مصرع 17 بحارًا أمريكيًا. وحمّلت الإدارة الأمريكية مسؤولية الحادث لمن أسمتهم بالدول الراعية للإرهاب، ومنها السودان، لكنها أكتفت هذه المرة بحكم قضائي أمريكي يلزم الخرطوم بتعويض الضحايا، وهو ملف تمت تسويته مؤخرًا بين الجانبين بدفع السودان تعويضات ضخمة رغم إصرار الإدارة السودانية السابق والحالية على عدم التورط في تلك العملية.

تغير البوصلة

حاصرت المشاكل نظام البشير، ففي الوقت الذي تسببت العقوبات الاقتصادية الأمريكية في  تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل مخيف، تعقدت الأمور في الداخل السوداني بعد تجلي فشل المشروع الإسلامي بانفصال الجنوب واتساع رقعة الحروب الأهلية في ظل وجود حركة علمانية مسلحة في جبهة كوردفان وظهور جبهة جديدة في الغرب (دارفور) متمثلة في حركة إسلامية منشقة عن النظام وحركة علمانية منافسة.
"عملت الوجوه المدنية بقيادة حمدوك على مغازلة السلطة الأمريكية عن طريق قبول إملاءات إدارة ترامب السياسية والاقتصادية بالتطبيع مع الكيان الصهيوني من ناحية، ودفع ما يزيد عن 300 مليون دولار تعويضات لضحايا تفجيرات نيروبي ودار السلام من ناحية أخرى"
في ضوء الحصار الأممي بقيادة الولايات المتحدة على إيران لم يعد التحالف مع طهران مُجديًا للبشير، فانطلق يعزف على وتر الصراع السني-الشيعي، فأعلنت الخرطوم في أيلول/سبتمبر 2014 إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية على أراضيها بتهمة نشر المذهب الشيعي، قبل أن يعلن الجيش السوداني في أذار/مارس 2015 عن مشاركته في الحرب داخل اليمن تحت قيادة المملكة السعودية فيما عرف بـ"عاصفة الحزم"، وهي حرب ضد تنظيم الحوثيين الموالي لإيران.
وقد أتت هذه المناورة ثمارها في هيئة رفع واشنطن العقوبات جزئيًا بقرار من الرئيس الأسبق باراك أوباما.

عودة المدنيين والتغيير الكبير

بعد قيام الثورة السودانية، والاطاحة بنظام عمر البشير، تغير الموقف الأمريكي من السودان بشكل كبير، بدءًا من رفع اسمها من قوائم الدول الراعية للإرهاب، مرورًا عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وصولًا للحظة  تقديم المساعدات الراهنة التي تختلف حولها الآراء.
فمن جانبه، يرى النظام السوداني الحالي ما تحقق خطوة كبيرة للأمام، وقد عبر عن ذلك جبريل إبراهيم وزير المالية قائلًا: "قضينا على دين البنك الدولي ثم ننتقل في أبريل للحصول على إعفاء دين بنك التنمية الأفريقي على السودان ومن ثمَّ ننتقل لإعفاء ‏دين صندوق النقد الدولي".
على الجانب الآخر، يرى معتصم أقرع الخبير الاقتصادي بالأمم المتحدة أن بيان الحكومة لم يكن  دقيقًا بقوله إن السودان يُسدِّد متأخرات البنك الدولي، فالصحيح أن السودان قد حصل على قرض جديد سدد به متأخرات قديمة ليظل الدين القومي على ما كان عليه.
ويضيف أقرع: "أمريكا تكتب شيكًا تسلمه للسودان، فيقوم السودان بتسليم الشيك للبنك الدولي. ثم يصدر البنك قرضًا جديدًا بنفس المبلغ. يستلم السودان الشيك من البنك ويسدد به القرض الأمريكي المعبري. وهكذا تستعيد أمريكا قرضها في نفس اليوم ويكون السودان فنيًا دفع المتأخرات، فتظل مديونيته على ما كانت عليه.
أما الكاتب السوداني محمد الأمين فله قراءة سياسية للتحرك الأمريكي الحالي يقدمها لرصيف 22 قائلًا: "عملت الوجوه المدنية بقيادة حمدوك على مغازلة السلطة الأمريكية عن طريق قبول إملاءات إدارة الرئيس السابق ترامب السياسية والاقتصادية بالتطبيع مع الكيان الصهيوني من ناحية، ودفع ما يزيد عن 300 مليون دولار تعويضات لضحايا تفجيرات نيروبي ودار السلام من ناحية أخرى.
وجاءت الاستفادة السياسية والاقتصادية لتلك الصفقات برفع اسم السودان من قائمة الإرهاب زائدًا بعض الفتات الاقتصادي، المتمثل في قرض مليارَي دولار من صندوق النقد بتسهيلات في الدفع. وهي مكاسب زائفة تضر بالشعب السوداني على المدى الطويل، فمن ناحية تحملت الخزانة المحلية أكثر من ثُمن هذا المبلغ في سداد التعويضات السالفة الذكر، ومن ناحية أخرى أجبر النظام على تعويم الجنيه ورفع الدعم عن شعب يعاني الفاقة والمرض، وهذا ما ينذر بانفجار الوضع من جديد عاجلًا أو أجلًا.
تتباين الآراء وتختلف الرؤى، والثابت حتى الآن أن الغضب الامريكي على الخرطوم تبدل برضا ودعم مالي. إلى أي مدى سينعكس ذلك الرضا على المواطن السوداني؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة
"حمدوك يعتمد على خبراته التكنوقراطية كموظف سابق في المؤسسات الدولية"، هكذا يستهل نبيل عبدالفتاح مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية حديثه مع رصيف22 قبل أن يسترسل شارحًا أسباب دعم الولايات المتحدة للنظام السوداني الجديد ويقول: "الإدارة الأمريكية تحاول دعم حمدوك لعدة أسباب: أولها هذه السياسة النيوليبرالية التي يتبناها الرجل، وثانيها السعي لحل مشاكل الحركات المسلحة والاتفاق معها وإدخالها في التركيبة الحكومية في التعديل الآخير. بالإضافة إلى التطبيع مع إسرائيل".
يختتم عبدالفتاح حديثه: "مسار حمدوك الاقتصادي النيوليبرالي قد يؤدي إلى اضطرابات مجتمعية في ظل تراجع الجنيه أمام الدولار وارتفاع معدل التضخم وعدم التصدي للفساد، وخاصة كبار التجار ورجال الأعمال، مع الأخذ في الاعتبار أن جزءًا رئيسًا من الاقتصاد في أيدي رجال المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية".
تتباين الآراء وتختلف الرؤى، والثابت حتى الآن أن الغضب الامريكي على الخرطوم تبدل برضا ودعم مالي. إلى أي مدى سينعكس ذلك الرضا على المواطن السوداني؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard