القضيب سلاحاً في مواجهة الرأي

الثلاثاء 30 مارس 202110:23 ص

تدور التربية الأخلاقية في المجتمعات العربية حول حظر استخدام الأعضاء الجنسية، كما أنها تعارض وجود مناهج دراسية تتناول التربية الجنسية باعتبارها إفساداً للأخلاق، فكلمة "أير" أو "كس" تعتبر خطراً مرعباً، ولذلك تحرص مناهج التعليم على إخفاء كل ما يتعلّق بالشعر والأدب العربي يتناول الأعضاء الجنسية، يقول أبو نواس:

نك ابن العمّ ذا القربى وجاز الجنب بالشفعة

ونك شيخ الثمانين ولا تخشى به شنعة

ومن طأطأ فاركبه ولو في ليلة الجمعة

تقارعنا فما ندري على من تقع القرعة

فقومنّ واسقني الراح على الإعلان والسمعة.

تمتلك اللغة العربية قدرة هائلة على توليد المفردات وقدرة هائلة على المرونة واللعب بحروفها كمن يلعب بالعجين.

ليس غريباً أن حروف كلمة " رأي" هي نفسها حروف كلمة " أ**"... تمتلك اللغة العربية قدرة هائلة على توليد المفردات وقدرة هائلة على المرونة واللعب بحروفها كمن يلعب بالعجين

فليس غريباً أن حروف كلمة " رأي" هي نفسها حروف كلمة " أير"، ولكن هذه المقاربة اللغوية يمكنها أن تقودنا إلى مقاربة أكثر عمقاً، حيث يمكن للمتأمل لو قليلاً أن يستشف ذاك التقارب بينهما من حيث الخصائص، ولعل الصفات التي يجب أن يتمتع بها الرأي ليمتلك حق الاعتراف به والاحترام والقول بأصالته وجودته، هي نفسها الصفات التي يجب أن تنطبق على الإير أو القضيب.

 فكلاهما يجب أن يكون صلباً، واضحاً، قوياً، مؤثراً، محدد الاتجاه، يمتلك القدرة على الإخضاع والنكاح والإنجاب، وإلا فإنه يفقد قيمته الفعلية ويستحق الاحتقار والنبذ، والرمي في سلة المهملات.

الإخصاء السياسي

 لقد كان أير "ابن الألغز" بالنسبة للعرب مضرب مثل لطوله وعرضه وقوته وصلابته حتى قيل "اجلدها بأير ابن الألغز"، ولكن مع السيرورة التاريخية لتطور دور القضيب والذي بدأ ينحسر من الدور العملي إلى الدور اللغوي، حاله حال الأمة أو الوطن أو الدولة... إلخ، فعوضاً عن أن يقوم بالنكاح وإثبات قوته بالإمتاع والإنجاب، انحدر ليصبح شفاهياً. فمثلاً، ما إن يعبر فرد ما لا على التعيين، سواء أكان امرأة أم رجلاً، وفي الغالب يستخدم ضد النساء، عن رأيه، حتى يتحول القضيب إلى سلاح فعال لإخضاع الآخر للرأي المضاد، أو محاولة الإذلال "فينكح دينك، وأختك وأمك وينكحك، وإذا لم يجد فعل النكاح يمكنه أن يشخّ في فم القائل".

القضيب هو المهيمن والمهين، كل ما في الحياة يدور حول القضيب/الذكر، فهو الواحد القوي الذي لا يكرر، فإن خسره صاحبه خسر كل شيء... حاله حال القائد الأبدي العظيم، إلى ما نهاية هذه الصفات وممن يتحلون بها من أنبياء وحكام وخلفاء

القضيب هو المهيمن والمهين، كل ما في الحياة يدور حول القضيب/الذكر، فهو الواحد، القوي، العزيز الذي لا يكرر، فإن خسره صاحبه خسر كل شيء، فمن سيقوم به ومن سيشعر به وكيف بإمكانه أن يجيب ويستجيب؟ حاله حال القائد الأبدي، الخالد، العظيم، إلى ما نهاية هذه الصفات وممن يتحلون بها من أنبياء وحكام وخلفاء.

ولذلك، ليس من باب المصادفة أن يكون المقابل المؤنث له الذي يمتلك نفس الخصائص هو السلطة التي في الغالب هي ملك الرجل/الذكر، وهي أيضاً تمتلك القوة وتمارس الإخضاع والإذلال، والتي إن تخلت عن هاتين الصفتين تفقد هيبتها، لذلك حرصت الأنظمة العربية العسكرية المختلفة التي نشأت في القرن الماضي، على تعزيز إخصاء الرأي/العقل لدى الفرد، وذلك عبر  القتل والنفي تارة، وعن طريق التسخيف والاستهزاء والإقصاء تارة أخرى،  وهذه الأخيرة تشاركتها مناصفة مع المجتمع، حيث عند كل محاولة  لفتح ثقب في الجدار، يكون هناك سيد جاهز للقيام بالمهمة المقدسة "الإخصاء"، وكما هو معروف، الخصيان كان عملهم قائماً على خدمة النساء في قصور الحكام والخلفاء، فالمخصي لا يشكل أي خطر.

 الحقيقة أن الأساس في الإنسان المتناقض والمتغير، الذي يستطيع أن يفتح فمه دون أن يُخرج أحد قضيبه ليبول فيه، ويرفع رأسه دون أن يأتي أي حذاء ليدوس عليه

الإخصاء الاجتماعي

الرأي الذي ليس في خدمتنا يجب أن يُخصى، على هذا المنوال يتم التعامل في العالم العربي مع أي رأي مخالف تماماً مثل السلطة، وحيث أننا في المجتمعات العربية فشلنا في نزع السلطات العسكرية والطائفية المستبدة القائمة، كما فشلنا في الخروج من المستنقعات التاريخية، ينبغي علينا التعويض، وفي الغالب يتم ذلك عبر التعامل مع الرأي أو صاحب الرأي بنفس ما تتم به معاملة السلطة، وأحياناً بطريقة أكثر وحشية، ولعل السبب بسيط: إن صاحب الرأي لا يملك  أية سلطة إلا رأيه،  وبالتالي فهو مكشوف يمكن إخصائه حاله حال القضيب المنتصب، وبالتالي لا يعود صالحاً لشيء أبداً ويمكن إزاحته.

"المرتدون الجدد، الخونة الجدد"

كل رأي هو مجرد اعتقاد، ولكن بالنسبة للكثيرين ما لم يتحول لموقف فلا معنى له، وكذلك القضيب، وللبعض الآخر الرأي يطابق الموقف، مع أن الأول ليس مقترناً بفعل، بينما الثاني لابد أن يقترن بفعل ما أو يحض على الفعل، وثمة فرق كبير بين كليهما، ولكن في ظل الواقع القائم القمعي والعنفي والإقصائي المسعور، يصعب لدى الكثيرين التعامل مع الرأي بوصفه مجرد اعتقاد أو قول، كما يصعب لبعضهم أحياناً أن يتعامل مع أحلام الآخرين بوصفها أحلاماً وحقوقاً مشروعة.

 ولعل ذلك أسوأ ما يفرضه هذا الواقع الوحشي، حيث تصبح أبسط الحقوق للإنسان بوصفه فرداً أمراً مرفوضاً، ولاسيما مع الفضاء الافتراضي المفتوح، حيث يصبح كل حرف قنبلة موقوتة، فيجد الفرد فرادته وفرديته محاصرة بقوة أكبر من قبل الجماعة وسلطتها، ويصبح خاضعاً للوصاية الأبوية التي تريد تصويب رأيه وإعادته إلى جادة الصواب، تردّه إلى الفضيلة وتذكّره بأنه حشرة ونكرة، كما تذكّره بضرورة التوبة قبل أن يدخل في دار الخطائين، كما تمنح نفسها حق تقويله ما لم يقله، كما أنها لا تنسى أن تختار له تصنيفاً تدرجه تحته مثل: "المرتدون الجدد، الخونة الجدد"، وغيرها مما لا يعد.

لم يعد من حق الإنسان-الفرد أن يخطئ، ليس من حقه أن يتناقض، لا أن يشك ولا أن يغيّر عليه، وعليه حين يقول رأيه أن يحترم ما يزعج الجماعة

ذات يوم كتب بودلير: "من بين الحقوق التي كثر الخوض في شأنها هذه الأيام، ثمة حق منسي، قد يهم الجميع أن يعاد الاعتبار إليه، إنه الحق في التناقض". لم يعد من حق الإنسان-الفرد أن يخطئ، ليس من حقه أن يتناقض، لا أن يشك ولا أن يغيّر عليه، وعليه حين يقول رأيه أن يحترم ما يزعج الجماعة، لأنها الأساس من وجهة النظر نفسها، بينما الحقيقة أن الأساس في الفرد/الإنسان المتناقض والمتغير، الذي يستطيع أن يفتح فمه دون أن يُخرج أحد قضيبه ليبول فيه، ويرفع رأسه دون أن يأتي أي حذاء ليدوس عليه.     

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard