بنار غولتكين وجرائم قتل النساء في تركيا… ثقافة "عبادة القضيب" تصارع للبقاء والهيمنة

الخميس 23 يوليو 202002:34 م

جاء اكتشاف جثة الشابة بنار غولتَكين pınar gültekin، مقتولة خنقاً على يد حبيبها السابق الذي أحرق جثتها وأخفاها، ليشعل موجة غضب عارمة بين المنظمات النسوية التركية، الناشطين الحقوقيين، بعض أوساط المعارضة، وشرائح مختلفة من المجتمع التركي الذي يشهد ارتفاعاً مروّعاً في عدد جرائم قتل النساء.

فحسب إحصاءات منصة "سنوقِف قتل النساء"Kadın Cinayetlerini Durduracağız Platformu، قتلت حتى منتصف هذا العام 146 امرأة، مقابل 474 عام 2019، و440 عام 2018، و409 عام 2017، و328 عام 2016، و303 عام 2015، و294 عام 2014، و237 عام 2013. وارتُكِبت النسبة الساحقة من هذه الجرائم من قبل حبيب سابق، زوج، طليق أو فرد من العائلة.

يكفي أن تشهد عبور موكب احتفالي بختان طفل تركي، حتى تتلمّس أولى ملامح ثقافة عبادة القضيب وهيمنة الفحولة في تركيا.

لا يدرك الكثير من المواطنين الأتراك، ممّن أدانوا الجريمة، أنها ذات طبيعة بنيويّة، يساهمون هم أنفسهم في إنتاجها، من خلال أدوارهم الاجتماعية التي تحددها جملة عوامل اجتماعية وثقافية تتضافر مع شروط اقتصادية مختلفة. وكحال العديد من المجتمعات الأبوية، يميل الكثيرون للإنكار، فتاريخياً كانت الفئات العلمانية القومية في تركيا تربط العنف ببيئات محدّدة، هي البيئات المحافظة في الجنوب والجنوب الشرقي، حيث تكثر جرائم الشرف، لكن السنوات الأخيرة برهنتْ أن العنف تجاه النساء وشكله ودوافعه قد يختلف من بيئة إلى أخرى ومن ثقافة فرعية إلى أخرى، لكنه ظاهرة بنيوية تعمّ المجتمع التركي بأسره.

يكفي أن تشهد عبور موكب احتفالي بختان طفل تركي، حتى تتلمّس أولى ملامح ثقافة عبادة القضيب وهيمنة الفحولة في تركيا، حيث يُلبَس الطفل لباس ملك ويحمل صولجان، وفي بعض الأحيان يمكن أن يوضع على فرسٍ مثل ملك فاتح. ومازالت هذه العملية تعتبر رحلة الطفل الأولى نحو الرجولة، حيث يتعرض الطفل لصدمة ألميّة، ويتعلّم أن عليه المرور بها كي يصبح رجلاً "أسداً" كما يذهب التعبير التركي، في دلال الأطفال الذكور من قبل الوالدين: يا أسدي Aslanım.

إنها الخطوة الأولى في بناء ثقافة عبادة القضيب، حيث يشعر الذكر بتفوّقه لامتلاكه قضيباً، ثم تأتي التنشئة الاجتماعية التي تغرق في دلاله، مع التركيز على معايير الفحولة في انتقاء الألعاب والألوان والتفضيلات، فيتعلم الذكر أنه القوي والمسيطر، ويتأسّس عالمان مختلفان: عالم الذكورة وعالم الأنوثة، مثل معظم المجتمعات البطريركية.

في السينما التركية القديمة المعروفة باسم يشيل جام Yeşilçam، تتكرر مشاهد لامرأة تتعرض للتحرش أو لمحاولة اغتصاب، ثم يهبّ ذكر لنجدتها، هذه المنتجات الإعلامية تعبر عن اتجاهات ثقافة عبادة القضيب وترسخها بين شرائح واسعة في المجتمع وتضمن استمراريتها

تعزّز منتجات الإعلام هذه التربية التمييزية وفكرة الذكر المسيطر، فإن نظرنا إلى محتوى المسلسلات التركية، رأينا تكراراً لصورة للمرأة التي يدور محور حياتها حول الرجل الذي تعشقه، وتتكرر صورة الذكر الصلب والمقتضب في إظهار عواطفه، ولعل النمط الأسوأ هو الرجل الوسيم المتنقّل من امرأة إلى أخرى، والذي يسخر من امرأة ما ويمازحها كما لو أنها طفلة جميلة، مثل مسلسل "السيد الخطأ"، ثم يتبين أنه عاشق لها.

إنه تصوير منمّق لنمط عنفي خفي في علاقة الرجل بالمرأة، يتم عرضه كما لو أنه شكل عاطفي طبيعي، وهو يعزز سرديّة اجتماعية عنفيّة: "إنه يعاملك بحدّة لأنه يحبك، إنه يسخر منك لأنك محور اهتمامه"، وهو ذات المنطق الذي يستخدمه المجتمع لتبرير عنف الشريك: "إنه يخاف من فقدانك لذلك يفقد أعصابه فيقوم بضربك، إنه يحبك". ومن الصور الأخرى للنساء في المسلسلات: صورة الأم الحنونة العطوفة البكّاءة والمرأة الحَيْزبون التي مهمتهما تخريب حياة الناس.

وفي السينما التركية القديمة المعروفة باسم يشيل جام Yeşilçam، تتكرر مشاهد لامرأة تتعرض للتحرش أو لمحاولة اغتصاب، ثم يهبّ ذكر لنجدتها، هذه المنتجات الإعلامية تعبر عن اتجاهات ثقافة عبادة القضيب وترسخها بين شرائح واسعة في المجتمع وتضمن استمراريتها.

كما تتسم العلاقة بين الرجل والمرأة في شرائح مختلفة من المجتمع التركي بالغيرة الشديدة ذات الطابع التملّكي، ويُنظر اجتماعياً للأمر على أنه من ملازمات الحبّ، ورغم أن الرجل الغيور ليس بالضرورة ممارساً للعنف الجسدي، لكن يبدو أن جرائم قتل الشريك لحبيبة راغبة في إنهاء العلاقة، أو زوجة راغبة في الطلاق، هو تعبير آخر عن ذات العقلية التملّكية.

ولعلّ السبب المباشر الذي أدى إلى زيادة معدلات جرائم قتل النساء في تركيا هو اقتحام النساء لمساحات اجتماعية جديدة، زيادة نسبة النساء العاملات، وارتفاع وعي النساء بحرياتهن الفردية وحقهن في الطلاق أو هجر الشريك، هذا التغير الاجتماعي لم يترافق بقبول ذكوري واسع، وخلق فجوة ثقافية.

مازال دور المرأة الأساسي كزوجة وأم، ودور الذكر كقائد للعائلة، يحظى بدعم اجتماعي كبير، وتشبه هنا أسباب ارتفاع معدلات جرائم قتل النساء في تركيا مثيلاتها في مجتمعات أبوية وذكورية عديدة،  إذْ لم يستوعب العقل الذكوري الذي اعتاد خضوع المرأة وقلة حيلتها، أن تتمكن من اتخاذ قرارها، مع فارق أن هناك نساء يحظين بحماية قانونية واقتصادية أكبر في بعض البلاد مقارنة بما تحظى به النساء التركيات في بلدهن، وهنا يبرز الجانب السياسي في قضية قتل النساء في تركيا.

مازال دور المرأة الأساسي كزوجة وأم، ودور الذكر كقائد للعائلة، يحظى بدعم اجتماعي كبير.

كانت تركيا قد وقعت على اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، أو اتفاقية إسطنبول، عام 2012، وهي اتفاقية مناهضة للعنف ضد المرأة والتمييز ضدها بكافة أشكاله، وتنص على توفير وسائل الحماية للمرأة عبر مؤسسات الدولة والقانون. لكن مؤسسات الدولة التركية لم توفر حماية كافية للنساء، ولم تبدِ أي جدية في تطبيق بنود الاتفاقية، حيث أن عدداً كبيراً من مراكز الشرطة يتعامل كما لو أنه وسيط في الصلح حين تطلب الزوجة الحماية منهم، لأنه على ما يبدو أن رجال الشرطة أنفسهم لا يؤمنون ببنود الاتفاقية ويطبقون المثل التركي: "ما يحدث ضمن العائلة يجب أن يبقى ضمن العائلة".

ورغم صدور عدة قوانين لحماية المرأة، مثل تشديد العقوبة على جرائم الشرف وصدور قانون يجرم الاغتصاب الزوجي عام 2005، لكن مؤسسات القضاء التي تهيمن عليها عقلية ذكورية، عادة ما تحاول التخفيف من عقوبة قتل الزوج لزوجته أو شريكته بذريعة "الاستفزاز الجائر Unjust provocation، وفقاً للمادة 29 من قانون العقوبات التركي والتي تنص على تخفيض عقوبة من ارتكب جريمة قتل وهو في حالة غضب عارم أو استفزاز عاطفي شديد، من السجن المؤبد إلى عقوبة السجن من 8 إلى 20 سنة.

ومؤخراً، ظهرت تصريحات عديدة تشير إلى رغبة حزب العدالة والتنمية بالانسحاب من اتفاقية اسطنبول، لأنها غير مناسبة للمجتمع التركي وتهدد بنية العائلة، هذا ما عبر عنه الكاتب الإسلامي الشهير عبد الرحمن ديليباك، حين وصف اتفاقية استنبول بأنها: "شيطان يجول بيننا بوجهِ ملاك، ويقوم بشكل منظم بإشعال الصراعات لا السلام ضمن العائلة".

وعموماً يميل الخطاب الرسمي التركي في السنوات الأخيرة إلى خلق بيئة تسلب النساء التركيات كل مكتسباتهنّ، ففي عام 2014 صرّح بولنت أرينج، نائب رئيس الوزراء التركي: "على المرأة ألا تضحك بصوت عال على مرأى من جميع الناس، يجب على المرأة أن تحافظ على حشمتها دوماً"، يبدو هذا التصريح تعبيراً عن ثقافة عبادة القضيب التي ترى في المرأة موضوعاً جنسياً خاضعاً لرغبات الرجل.

يبدو أنّ الثقافة القضيبية التي عانت من صدمة الختان وخوف الخصاء في الطفولة، تجاهد للحفاظ على هيمنتها على المرأة وهي تناضل لاقتحام مساحات جديدة في تركيا: عبر جرائم قتل، استغلال ثغرات القانون في مؤسسة قضائية ذكورية ومن خلال توجه سياسي شعبوي محافظ يستثمر كل ما هو متاح للبقاء في سدة الحكم

كما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أكثر من مناسبة عن دعمه للنساء التركيات في إنجاب عدد أكبر من الأطفال، وأعرب علانية عن توجهه الرافض للمساوة بين الرجل والمرأة، في قمة دولية لحقوق النساء في اسطنبول عام 2014، حيث صرّح : "دينُنا حدّد وظيفة المرأة في الأمومة، لا يمكن لك شرح هذا الأمر للنسويّات لأنهن لا يقبلن بمفهوم الأمومة، سأُقبِّل قدمي والدتي لأن رائحة الجنة تفوح منهما"، كما أعرب عن رفضه لعمل النساء في أعمال تتطلب جهداً عضلياً بسبب طبيعتهنّ الفيزيائية، وفي مناسبة أخرى وصف الإجهاض بجريمة قتل ومن يقبلنه أنصاف بشر.

يبدو أنّ الثقافة القضيبية التي عانت من صدمة الختان وخوف الخصاء في الطفولة، تجاهد للحفاظ على هيمنتها على المرأة وهي تناضل لاقتحام مساحات جديدة في تركيا: عبر جرائم قتل، استغلال ثغرات القانون في مؤسسة قضائية ذكورية ومن خلال توجه سياسي شعبوي محافظ يستثمر كل ما هو متاح للبقاء في سدة الحكم. ولإنْ وصف الكاتب ديليباك اتفاقية حماية المرأة بالشيطان، فإن امتلاك المرأة لجسدها وقرارها هو الشبح الذي يرعب ثقافة قضيبية مهزوزة تصارع للبقاء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard